العدد رقم 16805 السنة 48 - الجمعه 24 جماد ثاني, 1435 هـ الموافق 25 نيسان 2014م.
يومية سياسية عربية مستقلة تصدر عن الشركة الاردنية للصحافة والنشر
رئيس مجلس الأداره، د. تيسير رضوان الصمادي | رئيس التحرير المسؤول محمد حسن التل | المدير العام، د. محمد أبو عريضه
بحث الدستور
فنون الشارع في الربيع العربي
<< الأربعاء، 18 يناير/كانون الثاني، 2012
Print this page

فنون الشارع في الربيع العربي * هاني الحوراني

 

قد يكون أحد أبرز ملامح الربيع العربي، والتي لا تخطئها عين هو إزدهار “فنون الشارع” إبان الثورات العربية التي شهدتها مصر وقبلها تونس وبعدها اليمن وسورية، وربما الأهم من ذلك كله انخراط المواطنين والجماعات في أشكال التعبير السياسي الذي يتوسل الفن طريقاً لإيصال رسائل سياسية محددة. لقد تخللت التحركات الاحتجاجية والاعتصامات في الميادين أشكال من التعبير الجماعي، بالأجساد، والأيدي تجعل من الصعب على المراقب أو المشاهد أن يقرر ما هي الحدود الفاصلة ما بين الفعل السياسي والفعل الفني، وكأنما ألغت أشكال التعبير الجماعية هذه الحدود أو جعلتها دونما معنى. وفي المستقبل القريب سوف يقرر النقاد والدارسون كيف أثرت أحداث الربيع العربي على الفنون كافة، بما في ذلك الفنون التشكيلية والمسرح والغناء والموسيقى، وربما على فنون أكثر تعقيداً مثل السينما.

من الآن نستطيع أن نرى الأثر الذي أحدثته انتفاضات الربيع العربي على فنون الجرافيك، من خلال الشارات والفواصل التي تطالعنا بها “الجزيرة” و”العربية”، وغيرها من الفضائيات التي تستهل برامجها أو تختتمها بصور فوتوغرافية تتحول إلى رسوم وتخطيطات أو إلى “كولاج” متحرك من المشاهد التي تذهب بعين المشاهد إلى ما لا نهاية من الصور المتعاقبة التي تجسد التحولات السريعة في المشهد السياسي في بلدان الربيع العربي، والتي نقلتها من حال إلى حال بسرعة خاطفة.

وبطبيعة الحال فان “الكلام” هو الوعاء الأبرز الذي طغى على لغة التعبير في ثورات الربيع العربي، مجسداً في اليافطات والشعارات والهتافات التي غطت فضاءات الميادين، فاذا كانت اعتصامات مئات الآلاف في “نهج بورفيبة” في العاصمة التونسية حققت هدفها بترحيل بن علي وفراره خارج البلاد بسرعة خاطفة، وبالتالي لم يتسن لهؤلاء الثوار أن يعبروا عن أنفسهم بلغة الفنون، باستثناء عدد قليل من الشعارات المختصرة، فانهم تركوا لنا مشاهد مؤثرة لا تنسى عن الملحمة التي صنعوها. يكفي أن نتذكر ذلك المواطن التونسي الذي شرع في الهتاف في عتمة الليل في الميادين الفارغة، مخاطباً “الشعب التونسي العظيم” عن روعة النصر الذي حققه في أيام، وهو مشهد استثنائي عز نظيره في أكثر الثورات التاريخية، انه مجرد فرد متوحد في شارع مقفر تنبعث من جوانبه أضواء كابية، ينقل إلى شعبه فرحته بالنصر العظيم، من خلال هتافات مدوية تكسر حدة الليل وصمت الشوارع. فهل ثمة دراما أعظم من تلك الصرخات المدوية المنبعثة من حنجرة رجل واحد، يكاد لا يصدق ما حدث، ويريد للشعب أن يصحو من نومه وأن يحتفل معه بفرحة النصر الذي يكاد يكون مستحيلاً. انه مشهد مسرحي يقترب من الواقعية السحرية قام به فرد مجهول، ولحسن الحظ فانه كان ثمة من يسمع هذا الهتاف الوحيد في الشارع المعتم ويسجله من خلال الموبايل أو عدسة فيديو منزلية، لينتقل بعد ذلك إلى العالم.

أما في ميدان التحرير بالقاهرة، وفي مختلف المدن المصرية التي شهدت تحركات ضد نظام مبارك، فقد تجلى الابداع العفوي الأبرز في التعبير عن الذات في آلاف اليافطات الصغيرة التي صيغت ونفذت من قبل أفراد، ليحمّلوها شعارات ورسائل مصاغة بلغة شخصية تماماً، بعيدة عن لغة الأحزاب والحركات المنظمة. شعارات تعكس هوية أصحابها وإحساسهم بالحدث وتوقعاتهم وآمالهم. في كتاب صدر قبل نهاية العام الماضي بعنوان “رسائل من ميدان التحرير، شارات من الثورة المصرية” قامت بإعداده كريمة خليل، وضم عشرات الصور عن اليافطات التي التقطتها عدسة مصورين شباب وشابات، ممن حملها المتظاهرون في ميدان التحرير، والتي تستحق دراسة مضمونية جادة، لكن أبرز ما تنقله تلك اليافطات هو الاحساس الجديد للمصري بقدرته على التعبير عن نفسه بحرية لأول مرة، فهي تنقل أحزان الأشقاء والأمهات لفقد أخوتهم وأبنائهم خلال المواجهات؛ إصرارهم على رحيل مبارك أو الشهادة، تحررهم من الخوف وإعتزازهم بمصريتهم وانسانيتهم.

لم يقتصر التعبير في الثورة المصرية على التعبير اللغوي عن المطالب، وإنما تضمنت رسوما وشارات ورسوما كاريكاتيرية ومعارض وأعمالا مسرحية وموسيقية وأغاني، كما استخدمت الأعلام المصرية بكثرة، تعبيراً عن وحدة المصريين. وفي ميدان التحرير استخدمت، لأول مرة، القياسات العملاقة للأعلام الوطنية في الثورات العربية، والتي تمتد لعشرات وربما مئات الأمتار ولتضفي بمقاييسها غير العادية وقعاً غير عادي على ميدان باتساع ميدان التحرير، ولم تلبث أن لحقت بها مشاهد الأعلام الوطنية ذات الحجوم المتطرفة الضخمة في تظاهرات المدن اليمنية والسورية، وكلها أساليب فنية تقترب من فنون “التجهيز في الفراغ” أو تندرج في إطار فنون الشارع.

طلاء ألوان الأعلام الوطنية على الوجوه والأيدي، كتابة عبارات “ارحل” على الجباه والكفوف بدأت في ميدان التحرير، لكنها اتخذت أشكالاً لا تحصى في المشهد اليمني، ففي صنعاء والمدن اليمنية الأخرى شهدنا تنوعات وابتكارات استثنائية للمطالبة برحيل على عبد الله صالح، من الرسم على الوجوه والأيدي والأصابع، إلى كتابة عبارة “ارحل” على أرغفة الخبز اليمني التقليدي، إلى التعبير الجماعي بالسواعد لآلاف الشباب في الميادين عن اصرارهم على رحيل الرئيس عن الحكم.

في تظاهرات السوريين وحركات التضامن معهم من سوريي الخارج، شهدنا مشاهد مشابهة لكل ما مر، من استخدام الأحجام العملاقة للعلم السوري، إلى اليافطات التي تستخدم الرسم إلى جانب الكلام، والتي تعكس هوية كل منطقة ومدينة وحي، إلى الرقص والهتاف الجماعي، إلى أشكال من التعبير تقترب من حدود فنون التجهيز، مثل كتابة عبارة SOS بالأجساد، والتي ترمز إلى استغاثة الشعب السوري، وطلبه للحماية من القتل. وتتعدد أشكال التعبير المستخدمة، مثل رفع شعار “اقبع” في مدن حوران، والذي يوازي تعبير “ارحل”.

ما يهمنا هنا من هذه الاشارات السريعة هو ارتفاع منسوب الابداع لدى الجماهير خلال ثورات الربيع العربي، فما أن تحررت هذه الجماهير من الخوف وامتلكت جرعة من الحرية، حتى تحولت من كتل خامدة إلى كيانات حية، تتفجر طاقة وإبداعاً، ولتتفوق على ذاتها، وكأنها تقول من وراء كل فعل تقدم عليه أن لا رجعة للوراء، وأن الجماهير التي استعادت حريتها وشجاعتها لن تصمت مرة أخرى، وإن طالت المعاناة.

Hourani.ujrc@gmail.com

التاريخ : 18-01-2012

Print this page
يمنع النقل أو الاقتباس من أخبار الدستور الخاصة الابموافقة مسبقة من الصحيفة
اما فيما يتعلق بالمقالات فلا مانع من اعادة النشر شريطة الإشارة الى المصدر ( جريدة الدستور )

© Ad-Dustour Newspaper 2013
سياسة الخصوصيه | Privacy Policy
Powered by Polo Domains