العدد رقم 16987 السنة 48 - الجمعه 29 ذي الحجة, 1435 هـ الموافق 24 تشرين الأول 2014م.
يومية سياسية عربية مستقلة تصدر عن الشركة الاردنية للصحافة والنشر
رئيس مجلس الأداره، د. تيسير رضوان الصمادي | رئيس التحرير المسؤول محمد حسن التل
بحث الدستور
الضحك و المضحك
<< الأحد، 17 يونيو / يونيه/حزيران، 2012
Print this page

الضحك و المضحك * د. سليمان عربيات

 

عندما اكتب، أعود الى ذاتي فأحاصرها بطوق من خيوط الحرير وخاصة عندما نكون في خصام، و هو عادة لا تدوم طويلا و نحاول أن تعود المياه الى مجاريها و العناق. ان ذاتي أحيانا تعاندني في فكرة المقال و تجد الف سبب لثنائي عن الغوص فيه، و هذا ما حدث بالفعل في الفترة الأخيرة. الضحك و المضحك من بين هذه المقالات، و سبق أن صدتني عن الاكثار في الكتابة حول الشعر النبطي بالرغم من الصلة الروحية و النفسية مع هذا الشعر.

ليست هذه هي المرة الأولى التي اكتب فيها حول الضحك و المضحك ولكن على صورة مختلفة اذ كتبت حول النكتة و بخاصة النكتة عند اخواننا المصريين و اذكر أن كتاب عادل حمودة “ المصريون يسخرون من حكامهم “ و كتابه الثاني “ النكتة اليهودية” كان من بين الكتب المختارة لهذا الغرض و لكنها كانت مقتصرة على “النكتة” السياسية، هما أو سواهما.

يقول البعض ان الأردنيين لا يضحكون، أو لهم طبيعة صارمة وجادة. لا أود أن أدحض هذه الأطروحة، فليس هناك شعبا أو جماعات لا تضحك أو تبكي. و اذا كان الأردنيون سابقا متلقين أو رواة للنكتة فانهم اليوم من صناعها و لكنهم أشد ميلا للنكتة السياسية. اننا نفتقر الى كتابة النكتة وبخاصة في أدبياتنا و لكن هناك كتابا صحفيين يكتبون كلاما ساخرا، وهناك كم هائل من الأردنيين يروون النكتة.

ان هناك شخصيات في روايات لأدباء عالميين تثير الضحك و مضحكة. وقد عرفنا من هؤلاء برناردشو و تشيكوف، و حتى بعض الأدباء العرب مثل المازني و السعدني، و ان البعض لا يؤلفون الروايات الساخرة و لكن هناك نكات تروى على لسانهم، و كذلك عدد من السياسيين الذين يستغلون النكتة لنقد أو لسخرية من خصومهم. كتبت أبحاث كثيرة عن الضحك، و هي تدخل في علوم علم النفس (سيكولوجي) و لكن ما شدني يوما ما، هو مقالات هنري برجسون، التي ترجمها من الفرنسية الى العربية الاديبان المعروفان سامي الدروبي و عبدالله عبد الدايم، اذ انهما قراءات علمية “للضحك و المضحك”. اذا كان الضحك محرك للأحاسيس و رد فعل ايجابي للمضحك، فان للمضحك أدواته و هي الأشكال و الحركات والكلمات و الطباع، و محوره الانسان، أي أنه لا مضحك الا فيما هو انساني كما يقول برجسون.

و مضحك الاشكال هو “الكاريتوري” مثلا عندما يرسم شخصية معروفة مبالغا في تغيير ملامحها حتى تكون معبرة عن شخصية أكثر من الصورة “الفوتوغرافية” و مثله المبالغة في طبيعة المضحك مثل تغيير ملامح الوجه أو ما يسمى “بالتشوه المضحك”. و من أدوات المضحك “الاشارات و الحركات” فالاشارات و الحركات تكون مضحكة اذا كانت تقليدا لشخص آخر، و علينا أن لا نغفل “المهرج” الذي يكون مضحكا بحركاته و تناقضاته.

أما الكلمات كأداة للمضحك، فانها تتمثل بتكرار قول معين في المشاهد أو تغيير موضع الكلمة في الجملة. و النكتة هي أفضل اداة بالكلمات، سواء كان برواية النكتة منفردة أو في سياق مسرحي حيث يقال: الشعب المولع بالنكتة هو شعب مولع بالمسرح، و قد يكون المسرح الهزلي هو المكان المفضل. و لكن بالرغم من القيمة العالمية و تشابه في السلوك البشري، فان بعض النكات ذات صيغة محلية و شعوب معينة حسب طباعها و لا يمكن استيعابها أو فهمها من الآخرين أو اسقاطها أو ترجمتها الى لغات أخرى.

و هناك ممثلون ساخرون جلهم في مصر يقومون بدور “المضحك” ثم ظهروا في لبنان و سوريا و أحيانا في الأردن. و لكن “الضحك و المضحك” بقي مثل الموروث في مصر و انتقل من المسرح الى السينما و التلفزيون و هو ما يطلق عليه الكوميديا. و أستطيع القول أنه في الأدبيات الساخرة هناك ما هو ملتزم و لا يخرج عن الذوق.

اننا بحاجة الى الضحك و لكن ليس بالضحك المستهتر و لا أود أن أكون متشائما فأقول: شر البلية ما يضحك.

التاريخ : 17-06-2012

Print this page
يمنع النقل أو الاقتباس من أخبار الدستور الخاصة الابموافقة مسبقة من الصحيفة
اما فيما يتعلق بالمقالات فلا مانع من اعادة النشر شريطة الإشارة الى المصدر ( جريدة الدستور )

© Ad-Dustour Newspaper 2014
سياسة الخصوصيه | Privacy Policy
Powered by Polo Domains