يومية سياسية عربية مستقلة تصدر عن الشركة الاردنية للصحافة والنشر
رئيس مجلس الإدارة
د. امين المشاقبة
رئيس التحرير المسؤول
محمد حسن التل
العدد رقم 16471 السنة السابعة والاربعون - الاحد 9 رجب 1434هـ الموافق 19 أيار 2013م     
فن وثقافة
أطياف محمود درويش د. هيثم سرحان

 

 
إلى الأقدار



صيفًا واحدًا هًبيني ، أيـَّتُها القوى الـمُتجبـًّرة ،

وخريفًا واحدًا كي ينضج الغناء ،

عندها ، مُشْبَعًا باللَّعب الحلو ،

جاهزًا يكون القلبُ للموت.

الشاعر الألمانيّ هلدرْلًن

بدا محمود درويش في السنوات الثمانية الأخيرة كمسافر يحزم أمتعته في عُجالة تبعثُ على الشك والارتياب. فالرجلُ "سئم تكاليف الحياة" ، وأصبح ضجرًا من مآلات النهايات وإيقاعها القاتل ، لقد كان يشتهي موتـًا مؤجّلاً يأتي بعد عناق أحلام طالما عانقها وانتظر قدومها بعد أنْ كان قد رسم ظلالها بعناية فائقة استمدّتْ ألقها من روح مشرئبة وإرادة سامقة.

هو الموت إذن حيث الحضور في الغياب وطول الانتظار. هكذا راودت محمود درويش فكرة الموت ودفعته إلى التعايش معها ومجابهتها وجهًا (هو القصيدة) لوجه (هو الموت المخاتل). وإذا كان درويش قد عاين الموت وساكـَنه وعقد معه صفقةً مُجزيةً إلاّ أنّ الموت لم يكفَّ عن الحضور والمطالبة باستحقاقاته القاسية المتمثّلة في منح محمود درويش الغياب وسلبه الحياة التي يحبّ. ورغم ذلك فإنّ محمود درويش ألحَّ على الحياة وتمسّك بتلابيبها كطفل يُمسك بثوب أمه ، ويدرك معنى الابتعاد عنها وفقدها.

وكأنني قد متُّ قبل الآن...

أعرفُ هذه الرؤيا ، وأعرفُ أنني

أمضي إلى ما لستُ أعرفُ. رُبَّما

ما زلت حيًّا في مكان ما ، وأعرفُ

ما أريدُ(1)

لا يملك درويش إلا الشعر لمواجهة الموت ، وقهر سطوته. وعندما أدرك درويش أنّ الموتَ لا مفرّ منه فقد لجأ إلى طريقة أخرى تتمثـّلُ في أنسنة الموت ومصاحبته ، وهنا يَرًدُ الموت مقترنًا بالفرح والاحتفال الـمُنتظر: إنه يؤنسن الموتَ ويُرجئه لإطالة أمد الفرح والوداع وطمعًا في كتابة القصيدة الـمؤجلة التي كان قد واعدها باللقاء.

أصدقائي يُعدًّون لي دائمًا حفلةً

للوداع ، وقبرًا مُريحًا يُظللّه السنديانُ

وشاهدةً من رُخام الزمنْ

فأسبقهم دائمًا في الجنازة:

مَن مات ... مَنْ؟(2)

وتمسُّكُ درويش بالحياة تمسّك العارف بهبات الشعر وما يفيء عليه من قدرة على إدراك الوجود الـمُبهَم ومعاينة غموضه الكثيف. وهنا تظهر النزعة الصوفية في حوار الموت الدرويشيّ حيث تتبدى فكرة الأزل والـ"لا نهاية" والـ"لا موت".

وقعت مُعلّقتي الأخيرةُ عن نخيلي

وأنا الـمُسافرُ داخلي

وأنا الـمُحاصر بالثنائيات ،

لكنّ الحياة جديرةّ بغموضها

وبطائرً الدوريّ...

لم أُولدْ لأعرفَ أنني سأموت ، بل لأحبّ

محتويات ظل الله(3)

ويُظهرُ إلحاحُ محمود درويش على الحياة قلقـَه من المصير الفلسطينيّ ، فهو يريد أنْ يبقى حيًّا ليرى ماذا سيحلّ بالأرض الفلسطينية التي تمثل البداية والنهاية: فهي بداية الولادة ونهاية الموت.

وأريد أن أحيا...

فلي عملّ على ظهر السفينة. لا

لأُنقذ طائرًا من جوعنا أو من

دُوار البحر ، بل لأُشاهد الطُوفانَ

عن كثبْ: وماذا بعد؟ ماذا

يفعل الناجون بالأرض العتيقة؟

هل يعيدون الحكايةَ؟ ما البدايةُ؟

ما النهاية؟ لم يعد أحدّ من

الموتى ليخبرنا الحقيقة...(4)

وعبر حوار دراميّ يفيض هذيانًا يبدو درويش مستخفّا بالموت: لأنه لا يتمتع بالنـُّبل والفروسية ، فهو عندما يباغت الشاعر يعرف أنه لـمَّا يُنـْهً أعماله وكتابة قصائده وشرب نبيذه. لذلك يعمد درويش إلى فضحه وكشف جُبنه.

وأنا أريدُ ، أريد أنْ أحيا ، وأنْ

أنساك... أنْ أنسى علاقتنا الطويلة

لا لشيءْ ، بل لأقرأ ما تُدوّنه

السماوات البعيدةُ من رسائل. كلّما

أعددتُ نفسي لانتظار قدومك

ازددتَ ابتعادًا. كلما قلت: ابتعد

عني لأكمل دورة الجسدين ، في جسدْ

يفيضُ ، ظهرتَ ما بيني وبيني

ساخرًا: "لا تنس موعدنا..."(5)

لقد وعى محمود درويش سؤال الموت عند فاتحة عمره الستين ، فقد بدأ يشعر أنّ الاحتفال بأعوامه الستين يُنذرُ بفاجعة الموت. لذلك يحضر الموتُ ، في الـ"جدارية" بوصفه منفىً أبديًّا يَعًدُ بخسارات لا متناهية وغياب أزليّ ، ورغم ذلك فإنّ محمود درويش لا يملك إلاّ أنْ يعلًّلَ نفسه ، وأنْ يبتهج بنجاته من فخ الموت. يقول محمود درويش:

الآن ، في المنفى... نعمْ في البيت ،

في الستين من عُمرْ سريعْ

يوقدون الشمع لكْ

فافرحْ ، بأقصى ما استطعت من الهدوء ،

لأنّ موتًا طائشًا ضلَّ الطريقَ إليكَ

من فرط الزحام... وأجـَّلكْ (6)

إنّ هذا المقطع الشعريّ يتأسس على مبدأ تضاديّ: فالموت يحمل للشاعر نفيًّا وبكاء وسلبَ العمر المديد في حين أنّ الشاعر يتقيه بالإقامة والفرح والرغبة في اقتناص مزيد من العمر. بيد أنه يُدركُ أنّ العمر مهما امتدّ وطال فإنه لن يفيَ برغباته ورغائبه التي تتسامق لتصبح أطول من الزمن وأعتى من قواه السرمدية. يقول درويش:

خضراءُ ، أرضُ قصيدتي خضراءُ

لا عمر يكفي كي أشدّ نهايتي لبدايتي (7)

هكذا يقاوم محمود درويش الموت من خلال الشعر فعندما يتيقّن من أنّ الموت مدركـُه فإنه يستعين عليه بالأساطير ، التي تقلل من وحشته ، والشعر الذي يخفف من اغترابه الطويل.

فلنذهب إلى أعلى الجداريَّات:

أرضُ قصيدتي خضراءُ ، عاليةّ ،

كلامُ الله عند الفجر أرضُ قصيدتي

وأنا البعيدُ

أنا البعيدُ (8)

ويشكل اللون الأخضر معادلاً موضوعيًّا للحياة في حين أنّ الموت معتمّ ومظلم ، وهذا يُفسًّرُ اقتران الشعر بالاخضرار حيث يعمد محمود درويش إلى المزاوجة بينهما ليمنح موته حياة مفعمة بالحضور والولادة المتجددة. يقول درويش:

خضراءُ ، أرض قصيدتي خضراء عاليةّ...

تُطلُّ عليّ من بطحاء هاويتي...

غريبّ أنت في معناك. يكفي أنْ

تكون هناك ، وحدك ، كي تصيرَ

قبيلةً...(9)

إنّ الحياة التي يشتهيها محمود درويش لا تتمثل في بقائه الفيزيقي حيـًّا بل في ولادة الأحلام وعودة الأرض الفلسطينية بهية كالمولود الجديد. يقول درويش:

سنكونُ يومًا ما نريدُ

لا الرحلة ابتدأت ، ولا الدرب انتهى (10)

فالموت لا يمكن له أنْ ينال من محمود درويش وأحلامه فهو حاضر رغم الغياب وباقْ رغم العدم ، ليس هذا فحسب بل إنّ محمود درويش يجد في الموت كائنًا كريمًا: فهو عندما يمنحه الغياب الجسديّ فإنه يُغدقُ عليه الحضور الأسطوريّ حيث الفيض الوجوديّ الذي لا يعترف بالعدم الميتافيزيقيّ.

فيا موتُ، انتظرني ريثما أُنهي

تدابيرَ الجنازة في الربيع الهشّ ،

حيث وُلدتُ...

... سأقول صُبّوني

بحرف النون ، حيث تعبُّ روحي

سورةَ الرحمن في القرآن. وامشوا

صامتين معي على خطوات أجدادي

ووقع الناي في أزلي. ولا

تضعوا على قبري البنفسجَ ، فهو

زهرُ المحبطين يُذكًّرُ الموتى بموت

الحُبّ قبل أوانه. وضعوا على

التابوت سبعَ سنابلْ خضراء إنْ

وُجدت ، وبعضُ شقائق النُعمان إنْ

وُجدت. وإلاّ فاتركوا وردَ

الكنائس للكنائس والعرائس (11)

هكذا اختار محمود درويش مدفنه وقبره: هناك على سطوة السوسن ، وعلى تخوم الكرمل حيث نشيد الأعالي ، وذاكرة القرنفل ، ولذائذ الحلم. يقول درويش: "أمّا الموت ، فلا شيء يُهينُه كالغدر: اختصاصًه الـمُجرَّب. فلأذهب إلى موعدي ، فور عثوري على قبر لا ينازعني عليه أحدّ من غير أسلافي بشاهدة من رخام لا يعنيني إنْ سقط عنها حرفّ من حروف اسمي..." (12).

إنّ الموت الذي يهادن الشاعر موت سخيّّ: فهو يقدّم له ضماناتْ ووعودًا لمواصلة كتابة الشعر آناء الموت وبعده. يقول درويش:

أرى ما أُريدُ من الموت: إنّي أحبُّ ، وينشقُّ صدري

ويقفزُ منه الحصانُ الإروسيُّ أبيضَ يركضُ فوق السَّحابْ

يطيرُ على غيمة لا نهائيةْ ويدورُ مع الأزرقً الأبديّ...

فلا توقفوني من الموت ، لا ترجعوني إلى نجمة من ترابْ(13).

آنَ لمحمود درويش أنْ يستريح ويخلُدَ في حضوره البهيّ ، وآنَ لنا أنْ نُعيد التأمل في حضوره الذي لا يمكن أنْ ينال منه الغياب. وآنَ للقصائد أنْ تهذيَ بعد رحيل محمود درويش الذي طالما روّضها وناغاها. ولنا أنْ نستعيرَ من الطـًّرمَّاح بن حكيم قوله:

إًذا قُبًضَتْ نَفسُ الطًرًمّاحً أَخلَقَت عُرى المَجدً وَاًستَرخى عًنانُ القَصائًدً

آنَ للقصائد أنْ تبكي وتنحب

وآنَ لمحمود درويش أنْ يخلدَ في الحضور

وآنَ لأطيافه أنْ تعانق الجليل...



ہ ناقد وباحث أكاديمي ـ جامعة فيلادلفيا.

1 جدارية ، ط2 ، ضمن الأعمال الجديدة ، رياض الريس للكتب والنشر ، بيروت ، ص ,444

2 حالة حصار ، ط2 ، رياض الريس للكتب والنشر ، بيروت ، 2002 ، ص ,84

3جدارية ، ص ,468

4 نفسه ، ,480

5 نفسه ، ,491

6 كزهر اللوز أو أبعد ، ط2 ، رياض الريس للكتب والنشر ، بيروت ، 2005 ، ص ,17

7 جدارية ، ,465

8 نفسه ، ص ,449

9 نفسه ، ص ,454

10 نفسه ، ص ,448

11 نفسه ، ص,471

12 في حضرة الغياب ، ط1 ، رياض الريس للكتب والنشر ، بيروت ، 2006 ، ص ,10

13 أرى ما أريد ، ط1 ، دار عين جديدة لقراءة درويش



خليل قنديل ہ

Date : 15-08-2008


   
أضف تعليق     طباعة الخبر ارسال للصديق
 
 

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية | - | محليات ومحافظات | - | دولي وعربي | - | اقتصاد | - | قضايا وآراء | - | فن وثقافة | - | رياضة | - | دروب | - | الوفيات | - | رسائل الى المحرر | - | عن الدستور | - | نتائج التوجيهي 2010
© Ad-Dustour Newspaper 2007 | e-mail: dustour@addustour.com.jo | Developed by Ad-Dustour Newspaper Internet team

يمنع النقل أو الاقتباس من أخبار الدستور الخاصة الابموافقة مسبقة من الصحيفة
اما فيما يتعلق بالمقالات فلا مانع من اعادة النشر شريطة الإشارة الى المصدر ( جريدة الدستور )