يومية سياسية عربية مستقلة تصدر عن الشركة الاردنية للصحافة والنشر
المدير العام
سيف محمود الشريف
رئيس التحرير المسؤول
محمد حسن التل
العدد رقم 14992 الثلاثاء 24 صفر 1431هـ الموافق 9 شباط 2010
اراء و تعليقات
Bookmark and Share
أهلا وسهلا بالقادمين الى التاريخ شلومو افنيري« - هآرتس»

 

 
في عام 1989 اعتبر المفكر الامريكي فرنسيس فوكوياما انفراط الاتحاد السوفياتي وانهيار الانظمة الشيوعية في اوروبا الشرقية "نهاية التاريخ": بعد سقوط الفاشية في الحرب العالمية الثانية تأتي الان نهاية النوع الثاني من الانظمة الاستبدادية ، وفوكوياما ادعى مستخدما مصطلحا مشتقا من فلسفة هيجل ، ان التاريخ قد وصل الى ذروته والى نهايته وان انتصار الديمقراطية والليبرالية واقتصاد السوق الرأسمالي يعني ان الانسانية قد وصلت الى غايتها النهائية الشمولية: تجسيد الحريات - الشخصية والسياسية والاقتصادية.

كان هناك شيء ما يبعث على النشوة في هذا الافتخار بالانتصار ، فمقالة فوكوياما حظيت بصدى هائل وكانت مسؤولة بدرجة غير قليلة عن مشاعر النشوة شبه الخلاصية التي شعر بها سياسيون عمليون في ظل انهيار النظام السوفياتي.

ولكن الكثيرين نظروا بارتياب لهذا التحليل خصوصا الافتراض الذي ينطوي عليه ، حيث ان المجريات قادت الى هدف معاكس لهدف الماركسية ، الا ان ذلك كان احادي البعد وحتميا ومن خط واحد ، مثل الماركسية ايضا ، فان كانت كل الطرق تؤدي الى الشيوعية عند الماركسية ، فهي عند فوكوياما تقود الى الديمقراطية واقتصاد السوق ، والرسم المعماري لهذا المبنى كان جميلا ولكن هل كانت الحجارة والاسمنت؟.

احداث الاسابيع الاخيرة في روسيا والصين البعيدة عن بعضها البعض كما يبدو للوهلة الاولى انما تزيد فقط من عمق الخطأ الذي وقع فيه فوكوياما: هنا تدور رحى حرب وحشية وهناك حالة استعراضية رياضية رهيبة ، ولكن الحدثين يشيران الى اننا بعيدون عن نهاية التاريخ ، وعلى العكس تماما نحن امام عودة التاريخ بدرجة كبيرة.

ان الحرب بين روسيا وجورجيا - التي تمخضت عن بتر جورجيا الى اجزاء تشير الى ان روسيا بعد فترة الضعف والانفراط في عهد بوريس يلتسين تعود لتصبح دولة عظمى ذات قوة وعضلات في مواجهة الجيران ، ما حدث في القوقاز ذكر الكثيرين بأن روسيا لم تكن ابدا دولة قومية بالمعنى الشائع للكلمة وكانت على الدوام امبراطورية - سواء تحت الغطاء القيصري او السوفياتي وهي تعود بقيادة فلاديمير بوتين الى ما كانت عليه في الماضي.

وبعد قمع الشيشان تعود موسكو الان لتجديد زعامتها الاقليمية ، وهذه السياسة بالنسبة للجورجيين وكل من يعرف قليلا من التاريخ هي عودة وتكرار لما حدث مرتين: عندما ضمت روسيا القيصرية مملكة جورجيا في عام 1801 ، وعندما ضمت روسيا السوفياتية الجمهورية الاشتراكية الديمقراطية الجورجية في عام 1921 - الادعاء كان حينئذ ايضا انهم جاؤوا لمساعدة اوستيا.

في بكين شاهدنا شيئا آخر الا انه ليس مغايرا تماما ، فالصين تحررت منذ زمن من الايديولوجيا الشيوعية ، ولكن الحزب الشيوعي هو اليوم التجسيد الابرز للتراث الكونفوشي الذي يقوم على الانضباط والنظام والهيكلية والانسجام القسري المفروض من الاعلى ، كل ذلك وفقا للتقاليد القيصرية الصينية التاريخية.

والرأسمالية الصناعية التي تتنامى في ظل نظام كونفوشي تعبر عن القوة ، ولم يكن من الممكن عدم التأثر والاعجاب بالمشاهد الجميلة في مراسيم الالعاب الاولمبية ، ولكن هذه المراسيم كانت مخيفة كما ازدادت روعة ، فقوتها والقدرة على تحريك الجماهير بانضباط حديدي بدا وكأنه ليس مفروضا من الاعلى وانما من اعماق روح عشرات آلاف المشاركين المبتسمين.

بعد العهد الشيوعي تعود روسيا وكذلك الصين الى احضان تاريخهما ، التاريخان متباينان: هنا تجبر واستبداد امبريالي ، وهناك انضباط كونفوشي ، ولكن القاسم المشترك بينهما هو حكم مركزي وهيكلية ومواطنون خاضعون.

هنا تتوفر القوة وربما ايضا جمالا من نوع معين - ولكن الحرية والديمقراطية والليبرالية ليست متوفرة ، فأهلا وسهلا بالقادمين الى التاريخ.

Date : 09-09-2008


أضف تعليق     طباعة الخبر ارسال للصديق
 
 

الاسم:  
عنوان التعليق :  
التعليق :  
 
 

الصفحة الرئيسية | - | محليات ومحافظات | - | دولي وعربي | - | اقتصاد | - | قضايا وآراء | - | فن وثقافة | - | رياضة | - | دروب | - | الوفيات | - | رسائل الى المحرر | - | عن الدستور | - | نتائج التوجيهي 2010
© Ad-Dustour Newspaper 2007 | e-mail: dustour@addustour.com.jo | Developed by Ad-Dustour Newspaper Internet team