في ترجمة للشاعر العراقي سعدي يوسف ، أعادت "الأخبار" اللبنانية نشر مقالة يوهان هاري التي ظهرت في "الإندبندنت" البريطانية ، حول قضية القرصنة على السواحل الصومالية ، التي شغلت العالم ودفعت بحكوماته لإعلان حرب جديدة على القراصنة ، وأحسب أن المقالة تقدم صورة أخرى ، غير معروفة وغير شائعة عن هذه المشكلة التي باتت تتصدر لائحة مهددات الأمن والسلم الدوليين.ينبئنا هاري ، أنه بعد انهيار الحكومة الصومالية في العام 1991 ، رأت قوى شريرةّ في الغرب ، في هذا ، فرصةً كبرى لسرقة موارد البلد الغذائية ، ودفنً المخلّفاتً النووية في مياه الصومال ، حيث شرعت سفنّ أوروبيةّ غامضةّ بالتخلص من براميلَ ضخمةْ في المحيط ، وبدأ سكّانُ السواحلً يمرضون. في أول الأمر عانَوا طفَحاً غريباً ، وتقيّؤاً ومواليد مشوَّهين ، ثم تفشت الظاهرة في 2005 ، بعد التسونامي ، إذ قذفَ البحرُ إلى الساحل بمئات البراميلً المحمّلة بالموادّ النوويةً والرصاصّ والمعادنُ الثقيلةّ مثل الكادميوم والزئبق وغيرها ، تعهدت المافيا الإيطالية بالتخلص منها بأرخص الأثمان.وفي الوقت نفسه ، كانت سفنّ أوروبيةّ أخرى تنهب البحار الصومالية من موردها الرئيس: الغذاء البحريّ ، حيث تم تدمير الثروة السمكية بالصيد الجائر وغير المشروع ، حيث كانت السفن الغربية العملاقة تعود سنويا بأكثر ممّا قيمتُه 300 مليون دولار من سمك التونة والروبيان واللوبستر وسواها ، تسرق بطريقةْ غير مشروعةْ من مياه الصومال غيرً المحميّة ، الأمر الذي أفقد الصيادين المحليين وسيلة عيشهم ، وتركهم نهبا للجوع والطفح الجلدي والإعاقات المزمنة ، وهذا هو السياقُ الذي ظهرت فيه وتفاقمت ، ظاهرة "القرصنة".هم إذن ، صيّادو سمكْ عاديون ، استخدموا زوارقَ سريعةً للمرة الأولى ، بُغْيةَ إبعادً سفن النفايات وسفن الصيد ، أو لفرض ضريبةْ عليها في الأقل. كانوا يُطْلًقون على أنفسهم "حرس شواطئ الصومال المتطوعين" ، يقول أحد زعمائهم ويدعى سيغول علي ، إن دوافعهم كانت تتمثّل "في منع الصيد وإلقاء النفايات في مياهنا. نحن لا نعتبر أنفسَنا لصوص بحرْ. لصوصُ البحر هم أولئك الذين يصطادون أسماكنا ويلقون النفايات ويحملون الأسلحةَ في مياهنا" ، لكن بعضهم بالطبع رجال عصابات حقاً ، وبخاصة أولئك الذين أوقفوا برنامج الغذاء العالمي."القراصنة" يحظون بتأييد السكّان الصوماليين لسبب وجيهْ ، وقد أجرى موقع الأخبار الصومالي المستقل ، "واردهَر نيوز" ، استبياناً أظهرَ أن 70 في المئة من السكان "يؤيدون تأييداً شديداً ، القرصنةَ ، باعتبارها شكلاً من أشكال الدفاع الوطني عن مياه البلد الإقليمية".هاري يجري مقارنة بين القرصنة في مفتتح القرن الحادي والعشرين ، والقرصنة في "عصرها الذهبي" في القرن السابع عشر ، يومها أيضا ، سادت صورة نمطية عن القراصنة الذين يعصبون عينا واحدة أو يقفون على ساق واحدة وعلى أكتافهم يستقر طائر "الببغاء" العملاق ، في حين أن كثير من الروايات تقدم صورة مغايرة ، تقدم القراصنة كأول المتمردين على هذا العالَم ، لقد تمردوا على طغيان القباطنة ، وابتدعوا طريقةً جديدةً للعمل في البحر ، كانوا "قراصنة ديمقراطيين" ، ينتخبون قباطنتَهم ، ويتخذون قراراتًهم بصورةْ جمعية. تقاسموا الغنائم بطريقةْ سمّاها المؤرخ ماركوس رَدًيكَر في كتابه "أشرارُ كلًّ الأمم" ، بـ"الأكثر مساواتيةً في توزيع الثروة في القرن الثامن عشر". لهذا السبب كانت شعبيّتُهم الكبيرة بالرغم من كونهم لصوصاً غير منتًجين. وفي الحرب الثورية الأميركية ، دفَعَ جورج واشنطن والآباءُ المؤسسون مبالغ للقراصنة ، بُغْيةَ حمايةً مياه أميركا الإقليمية ، إذ لم تكن لديهم آنذاك بحريةّ ولا حرس سواحل. غالبية الأميركيين أيدت ذلك أيضا ، فما الفرق؟ ماذا نتوقّع من جياع الصومالي؟ هل يقفوا على سواحلهم ، غير مبالين ، يجذفون في نفاياتنا النووية ، ويتفرجون علينا ونحن نسرق أسماكهم لنأكلها في مطاعم لندن وباريس وروما؟ ، يتساءل هاري نحن لم نعترض على هذه الجرائم ، لكن حين يعترض بضعة صيادين ممرّ العبور لخُمس بترول العالَم ، نصيح بأعلى أصواتنا: إنه الشرّ ، لو أردنا ، بالفعل ، معالجة القرصنة ، فعلينا أن نعالج أساسَها: جرائمَنا نحن ، قبل أن نرسل سفننا الحربية للقضاء على المجرمين الصوماليين.خيرُ مَن يلخًّص حكاية حرب 2009 على القراصنةً ، قرصانّ آخر ، عاش ومات في القرن الرابع قبل الميلاد. لقد ألقيَ القبضُ عليه وجيء به إلى الإسكندر المقدوني الذي أراد أن يعرف منه "سبب استحواذه على البحر".ابتسم القرصانُ وقال: "وأنت ، ما سبب استحواذك على الأرض كلها؟ أنا أُدْعى لصّاً لأنني أستخدمُ سفينتي الصغيرةَ ، أمّا أنت الذي تستخدم أسطولاً ضخماً فتُدْعى إمبراطوراً".يختم هاري مقالته بالقول: ثانيةً تبحرُ أساطيلُنا الإمبراطوريةُ ، اليومَ ، لكن مَن هو اللصّ؟ Date : 17-04-2009 |