لا يمكن التعامل مع ما تتعرض له بعض الطفولة العربية من عدوان عليها بمعزل عن مشكلات الراهن السياسي والاقتصادي. فالفقر والجهل والإحباط من أهم أسباب ظاهرة العنف ضد الأطفال ، والتي كشفت ممارساتها منظمات تعنى بالطفولة ، رفعت صوتها ضد ثقافة العيب وفضحت ما تتعرض له الطفولة بعد أن ظلت من القضايا الأكثر حساسية وصمتا. ولا يكفي كشف المستور أو التصدي للمسكوت عنه في مسالة بخطورة الإساءة للأطفال ، بل وضع علاج وعلى مسارين ، سريع للمدى القصير ، ووقائي للمدى الطويل ، وكلاهما يبدأ بالإجراءات الرادعة ، وفضح من يعتدي على الطفولة أو يمارس العنف عليها. ويتسنى هذا بالرقابة والقوانين الصارمة وعدم إسقاط الحق الشخصي أو التدخل العشائري في قضايا الإساءة للأطفال ، مع توفير المناخ الصحي نفسيا واقتصاديا وتعليميا للمعنفين في دور خاصة ، وانتزاعهم من البيئات غير الصالحة التي وجدوا فيها ، والتأكد بالمراقبة الدائمة أية بيئة بديلة يوضعون فيها ، ثم توفير العناية الصحية والعلاج النفسي وتعويض ما فاتهم من التعليم والمعرفة. والمشكلة أن معظم الأطفال العرب لا يعرفون حقوقهم ، أو يدركون معنى الإساءة إليهم ، خاصة الاستغلال الجنسي والجسدي وما يلحقه من التدمير النفسي ، سواء من أهلهم أو معارفهم أو غرباء أو أرباب العمل حين تدفعهم الحاجة أو اليتم إلى الشوارع أو سوق العمل. وتحتاج توعية الأطفال بحقوقهم وتعريفهم بالجهات المختصة بحمايتهم التنسيق والتعاون بين الجهات المعنية بالأمر ، وزارات التنمية الاجتماعية والداخلية والعدل والتربية والتعليم والسلطة التشريعية ، لنشر المعرفة في وسائل الإعلام حول حق الطفل والمؤسسات التي يلجأ إليها حين يتعرض لمشكلة أو إساءة. وما زالت ثقافة العيب تتحكم في الذهنية العربية حين تعتبر هذه الممارسات حالات فردية غريبة وطارئة على مجتمعاتها ، وهو غير صحيح ، فالنفس الإنسانية والانحرافات ليست قصرا على مجتمع أو شعب أو فئة ، أو متعلم او جاهل ، وإن كانت ظروف الوطن العربي الراهنة واستمرار الاحتلال والتشريد والحروب الأهلية والنزاعات الإقليمية والطائفية والسياسية وما تبعها من فقر وعوز وتسرب من المدارس قد فاقم الظاهرة. كما لا يقل عن هذه الأسباب خطورة اللجوء إلى ممارسة الجنس مع الأطفال تفاديا لأخطار الأمراض التناسلية الفتاكة ، ومهما اتخذت هذه الممارسات من مسميات ، زواج الطفلات ، أو استغلال الأولاد في الدعارة والتجارة الجنسية أو خطفهم والاعتداء عليهم. لقد كان الأردن سباقا في كشف قضية العنف ضد الأطفال ووضع الحلول الناجحة ، ولكن بيروقراطية التعامل بين الأجهزة التنفيذية وعدم تحديد الصلاحيات أدى إلى كارثة الطفل يزن ، الذي طال تباحث المختصين في قضية أخيه الأكبر وتعنيفه ، بينما لم يلتفت أحد منهم لما يقاسيه الصغير "حتى ضاع في الرجلين" وبشكل صادم للفطرة الإنسانية ، بينما كانت الجهات المعنية تتخاطب حول الطفل الكبير ومسؤولية حمايته. و" يزن" قضية واحدة كشفت. ولكن الخطر يزداد على أطفال آخرين في ظل الفقر والجهل ، ويستوجب اتخاذ إجراءات سريعة لحماية الطفولة في ظل أزمة عالمية لم تستثن دولة صغيرة أو عظمى. وإذا كانت الدنمارك قد انسحبت"بهدوء" من تمويل مشروع ديوان المظالم في الأردن لأن السلطة التشريعية رفضت أن تكون رقيبا على السلطة التنفيذية وتحويل مسئوليها إلى السلطة القضائية ، أي أنها أعادت الرقابة إلى يد الحكومة لتراقب السلطة التنفيذية نفسها وتحاسب ذاتها.فإنها بذلك دقت ناقوس خطر على الشفافية والمحاسبة ودور السلطة التشريعية فيها ، مع أن"ديوان المظالم" نظام متبع في الدول المتقدمة ، تتشارك فيه السلطات الثلاث مع بقاء الكلمة الأخيرة للقضاء ، ويمنح وزارة الداخلية صلاحية التصرف والتدخل السريع لحماية المشتكي ووقف الاعتداء عليه إلى حين الفصل القضائي ، ويتم كل هذا برقابة السلطة التشريعية. وكان يمكن لديوان المظالم أن يكون سندا لكل متظلم خاصة في إشكاليتين ، الضرب في المدارس ، والاعتداء على الأطباء والمدرسين ، بدلا من لجوء المواطنين إلى وسائل الإعلام حيث تغيب الحقيقة في البحث عن الإثارة ، أو الاكتفاء بسماع وجهة النظر الواحدة ، كما أن الإعلام ليس جهة قضائية فاصلة أو رقابية تصدر أحكامها ، وينبغي أن لا يكون فالقضاء وحده القادر على الفصل والإنصاف بالحكم العادل. كان يمكن لديوان المظالم أن يكون حاميا لحقوق الأطفال لو تعلموا كيف يشتكون من يسيء إليهم حين يعلمون أن هناك من يراقب ويتخذ إجراء سريعا يحميهم. = Date : 04-05-2009 |