الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الشاعر الفرنسي الكبير ايف بونفوا: القصائد ليست هي الشعر وحين يشغل أحد ما كرسيّ «الشاعر» يصبح الشعر في خطر

تم نشره في الجمعة 13 حزيران / يونيو 2008. 02:00 مـساءً
الشاعر الفرنسي الكبير ايف بونفوا: القصائد ليست هي الشعر وحين يشغل أحد ما كرسيّ «الشاعر» يصبح الشعر في خطر ترجمة: د. وليد السويركي

 

 
احتفت مجلة أوروب الفرنسية في عدد حزيران - تموز لعام 2003 بأحد أبرز وجوه الثقافة الفرنسية المعاصرة: الشاعر والناقد والمترجم ايف بونفوا بمناسبة بلوغه سن الثمانين .ضمّ العدد مجموعة من الدراسات و المقالات التي تناولت مختلف جوانب نشاطه الإبداعيّ وحواراً أجراه معه الشاعر والناقد ومترجم أعماله الى اللغة الإيطالية فابيو سكوتّو أستاذ الأدب الفرنسي في جامعة ميلانو.

فيما يلي الترجمة الكاملة لنصّ الحوار.

ہ تخصص مجلة أوروب عددها هذا لمجموعة من الدراسات التي تتناول شعرك ، تأملاتك الفكرية ونشاطك كمترجم ، كيف تنظر إلى هذا الأمر ، وكيف ترى مثل هذه المواقف التي يبدي فيها النقاد اهتماما بعملك؟

- ليست الإجابة على هذا السؤال باليسيرة . لنقل إنّه لو غاب هذا الاهتمام في هذه اللحظة المتأخرة من حياتي بعد أن خلفت ورائي الكثير من الأعمال ، لانتبهت لذلك ، ولقلت لنفسي أنه لم يصغَ إليّ مع أنني أتوجه إلى معاصريّ وفي ذهني مجتمعنا المشترك وقضاياه بالرغم من بعض المظاهر فيما أكتب و التي من شانها ، ولأني مهموم بالعالم الجوهري ، أن تدفع للظنّ بأنني أدير ظهري لما هو سائد أو للوضع السياسي. واقع الأمر ليس كذلك ، بل على العكس ، إنّني أود أن يدرك الجميع في مطلع هذه الألفية ما يسعى إليه الشعر في مجاله الخاص وهو ما سنحتاج إليه حاجة بالغة من وجهة نظري . تكمن دلالة الاهتمام الذي يولى لعمل يتذكر الشعر في أن ثمة قراء يتحسّسون ضرورة الشعر ، ولذا لا يمكنني إلا أن أبدي تأثري لهذا الاهتمام الذي تحظى به كتبي . ولكن حين يتبدى هذا الإصغاء ، متّخذاً شكل دراسات تتّسم غالباً بنفاذ البصيرة والتيقظ فإنّني أفكر ، وهذا ليس من باب التواضع ، بل من باب الطموح على الأرجح ، في الحدود التي اصطدم بها في عملي فأنشغل بما تكشفه لي عن جوانب النقص فيه. إنّ مهمة من يكرسون أنفسهم للشعر شاقة ، و إذا ما أُخذت على محمل الجد ، فإننا نشعر مباشرة وإلى ما لا نهاية ، كم نظلّ بعيدين عن الاكتمال الممكن للتجربة ، والذي يظل بعيدا جداً أمامنا في متاهة التمثيلات غير الحقيقية حيث تحتجزنا اللغة ، واليوم أكثر من أي وقت مضى ، إذ صارت كلماتنا في العمق مفاهيم مجردة ، و تشيّأت تمثيلاتنا إلى حدّ مفرط في أغلب الأحيان.

من جهة أخرى فإنّ كتابة الشعر ينبغي أن تكون أيضا تفكّرا في الشعر لكي نخلّصه من أشباهه الزائفة وهذا البحث يتطلّب دائما أكثر بكثير مما استطعنا صنعه ، وذلك لأسباب ليست ناجمة بالضرورة عن عجز شخصي مما يزيدنا إحباطا.

خلاصة الأمر أنّ قراءة ما كتب عنا ، وعلى وجه الخصوص عما قدمنا من اقتراحات حول ماضي الشعر الذي هو بذرة حاضره ، تعني أن ندرك ما حال بيننا وبين الذهاب فينا نحن - أي في فكرنا حول أعمال أخرى أيضا - و كذلك بيننا وبين الذهاب إليحيث تمنّينا ، وربما إلى حيث عرفنا كيف نصل.

مما يدفع للحزن ، أن ذلك العجز كان مسألة وقت فقط ، الوقت اليومي . وددت لو كان لي أكثر من حياة ، في آن واحد ، لكي ألتقي على نحو أفضل ، في عصور أخرى أو حضارات أخرى غير حضارتنا ، عقولاً بات ذكاءُ شعريّتها اليوم منغلقاً على نفسه ، شبه منسيّ ، لأنه لم يحظ بانتباهنا ، بينما تلك الأفكار و الحساسيات ، هي بالتحديد ما يحتاجه حاضرنا إذا ما أراد غداً مواجهة مستقبله بالغ القتامة على المديين المتوسط والبعيد.

وحين أقول تلك العقول أو تلك الأفكار فإنني أتحدث في الواقع عن أشخاص ، كائنات من لحم ودم استمرّت ، من قلب الجهد الإنساني الرائع ، عبر العصور ، رغم الانتهاكات التي لم تتوقف ورغم العنف ، تطلب فقط أن تُعاد لها الحياة لتقيم ، مع من أراد ، علاقات ودية من أجل حياة مشتركة على أرض تغدو أكثر اتساعا ، أكثر غنى بالأصداء وأكثر غموضاً بالمعنى الوحيد المقبول لهذه الكلمة ، و الذي يحيل إلى بداهة الأشياء البسيطة التي لا غور لها. علينا أن نعيد الحياة لفرجيل ، أو أوفيد . وما ينقصنا لأداء مهمة الذاكرة التي تودّ الانبعاث مجدداً هو بكل بساطة ، أيضا ، الوقت ، الوقت اليومي.

ولكن أن يصل بك التفكير إلى هذا الحد ، تحت بصر النقاد ، لا يعني أنك لا تلتفت إلى ما يقولونه عنك ، ذلك أنه على نحو صريح أو ضمني ، تجد في كثير من الأحيان في ملاحظاتهم على عمل محدّد ، تفكيراً أكثر عمومية حول طبيعة الشعريّ ووسائله ، الشعري بحدّ ذاته وهذا أمرّ في صميم اهتماماتي .لذا يحسن أن نصغي إليهم ، وأن نستمع منهم إلى ذلك الفكر الذي ليس الكاتب الذي يدرسونه بالنسبة له سوى مناسبة. لديّ الرغبة في الحديث إلى أولئك الذين يتحدثون عني ، مع أنه غالباً ما يحال بيني وبين ذلك بسبب حدود الوقت والقدرة التي تحدثت عنها ، يحال بيني وبين ذلك بفعل تناهي الفكر الذي يصعب ، أكثر من أي نوع من النشاطات الأخرى ، الاعتراف بأنّه يمثّل الحياة الحقّة . فلنمض على درب صغير مع هبوط الليل ، وسيكون من السهل تقريبا أن نشعر بتلك اللحظة وبذلك المكان باعتبارهما الحقيقة ا لكاملة ، بكفايتها المطلقة . ولكن لنقرأ كتاباً لفرجيل - وانا أتوقف عند هذا المثال فقط - وكم سيكون من الصعب قبول التضحية بكتاب ثان. كان فكر فرجيل - بفضله سيبدو أكثر وضوحاً وبروزاً - وكان ، لربما ، سيكشف لي قليلاً من إشعاع الغصن الذهبي.

ہ ثمة سؤال تمهيدي آخر؟ ما رأيك بما ألزمك بالقيام به الآن: الاستماع للأسئلة والإجابة عليها ؟ لقد شاعت مثل هذه المواقف في ممارساتنا المعاصرة بما تتضمنه من خطر الوقوع في التكرار ، مما يضطرنا للاكتفاء بإثارة القضايا دون منح أنفسنا الوقت للتوقف عندها بشكل جدي؟

- ما لا أحبذه مطلقا ، ما أخشاه وغالباً ما أرفضه هو الحوارات الشفوية التي تتّم بصوت عال ، والتي تفتقد الترابط : حيث أسئلة ينبغي الإجابة عليها فوراً مما يدفع المرء إلى اللجوء إلى الأفكار جاهزة الصياغة ، ثم هنالك خطر كبير هو الوقوع في التكرار والتخبط على سطح الفكر . لكن الأمور لا تسير دائماً على هذا النحو ، فهناك تبادل الأفكار الذي يستطيع محاور صديق ، أو هو سيغدو كذلك ، أن يثيره باقترابه منا بنفاذ البصيرة الذي تمنحه إياه روح المودة. ثم هنالك الحوارات التي يقبل المحاور أن تأخذ صيغة النص المكتوب - كما هو الحال في حوارنا هذا. هنا تختلف الوسائل كليّاً ، ومعها فرصتنا في أن نكون على قدر تحدي السؤال إذ يمكننا التفكير قبل الإجابة . وبقبولنا شروط هذا النوع - وهي العبور على نحو ما من خلال وجهة نظر شخص آخر ، أن نكون موجزين ، أن لا نتعمق في المسائل - نستطيع أن نحصل على ميزة : فأن لا يعود بوسعنا محاولة التموضع مجدّداً في مركز إنتاج أفكارنا - هناك حيث تنتج ، أي حيث تولد من غورها الخاص بأوهامها وجهالاتها بالضرورة - يعني أن نوجد في الخارج ، خارج الذات ، في رؤية الذات من خارجها : ويا له من منبع إن نحن كنّا قادرين على التزود منه، لست أزعم أنني بلغت ذلك يوماً ، ولكن يحلو لي أن أفكر أن ذلك ليس بالمستحيل بالنسبة لي. وأنا أقبل طوعاً هذا الموقف (الحديث المكتوب) رغم خشيتي من أن أكرر نفسي.

يبدو لي أن العبارة التي أصوغها هكذا ، في هذه الحوارات ، بالكلمات التي أتنازعها مع الأيدي التي تريد في أعماقي الاحتفاظ بها في حياتي السفلية ، في لا شعوري ، لأنني أتحدّث مع شخص آخر ، هذه العبارة ، نعم ، تملك إمكانية أن تنقلني إلى قلب مكاني ، المنذور لأن يبقى ذاته ، لديها إمكانية أن تلهمني أفكاراً ، كما يقال. حتى أن التركيب النحوي لتلك العبارات التي صيغت كتابةً بمنطق الكلام تبدو لي حبلى بتجديد الفكر. شكرا لك عزيزي فابيو ، لمنحي فرصة أن أبدأ ثانية هذا الحلم الذي ينقلب إلى كابوس أحياناً ، عندما يكتشف المرء أن محاوره ، بالرغم من الوعود التي قطعت ، قد أضاف من عنده إلى كلام المحاوَر مفترضاً أنّه يزيده وضوحاً أو غنى. هكذا ، فقد قالوا على لساني منذ زمن قريب ، بسبب صفحة من كتابي "داخل البلاد" ، أنني مختصّ بلهجتي (الأوسك) و( الأومبري) من اللهجات الإيطالية التي تعود لما قبل العصور اللاتينية والتي ليس لدي أية فكرة عنها بالطبع . لقد شعرت بالخزي لأنه بدا أنني قبلت الظهور بتلك الصورة . ولكن اليوم ، لا توجد أية مخاطر.

ہ أودّ أن أسألك عما يشغلك ، في هذه الفترة ، سواء على صعيد الشعر أو على صعيد تأملاتك حول أعمال كتاب وفنانين آخرين يشهد عليها كتابان صدرا لك حديثا هما:"تحت أفق اللغة" ، "وملاحظات حول النظرة".

- بوسعي أن أجيبك أنني ، فعليّاً ، أكتب ما يسمى قصائد ، وستكون تلك هي الحقيقة .ولا تظن أن هذا الفعل يعدّ ثانويا في نظري ، بل على العكس ، إنّني أعدّه السبب الرائع والوحيد للكتابة الذي يستحق العناء ، إنه مركز ما أنا كائنه أو ما أريد أن أكونه ، باعتباره ، حرفياً ، الضوء على كلّ طريق في هذا الليل الذي يلفّنا. مع ذلك ، ليس بوسعي أن أقول هذا: "إنني اكتب القصائد وأنشرها"، دون الإحساس بريبة هائلة : واسمح لي أن أضيء هذه النقطة لأنها حاضرة في ذهني أكثر من أي وقت مضى ، في هذه اللحظة التي يتذكرني أصدقائي فيها بمناسبة عيد ميلادي. هذه الريبة ناجمة عن أن القصائد ليست هي الشعر ، لكون هذا الأخير تجلّْياّ لواقع مباشر لا يمكن لتمثيلاتنا إلا أن تحجبه ، واقع مكانه بالتحديد هو هذه اللغة التي تتخبّط فيها قصائدنا دون أن تنجح دائما بالانفكاك من قراءات العالم التي تفرضها علينا اللغة. لقد كتب عن بول فاليري ، وكان يطيب له أن يقال ذلك ، أنّه كان شاعراً رغم أنفه. هذا أمر يمكن أن يحسد عليه لكن فاليري مع ذلك لم يكتب ، رغما عنه ، ربما ، سوى قصائد ، بعضها رائع ، ولكن يجب أن لا يساء إلى فكرة الشعر بادّعاء الانتماء إليه. ما الذي يحدث في الواقع؟ لدينا الشعر في الأذهان ، لكننا نكتب هناك حيث نحن في ذواتنا ، وسط رغباتنا الخاصة صانعة الاستيهامات والتي تتّجه في غالب الأحيان صوب ما هو متشيّىء. لكن الشعر ، حين يحدث - والأمثلة العظيمة دليل على أن ذلك ممكن اليوم كما في الأمس - ليس سوى أن يظهر في عمل ما الطيفُ البعيد الهارب للقطب الذي يمضي صوبه هذا القارب ، العظيم بمعرفة أنه يريد الوصول ، وبمواجهته للعوائق التي تكشف ما هي الحقيقة الإنسانية الجوهرية: ذلك لأنّه ، وهنا تكمن ثروة الشعر السريّة ، لا يجعلنا نلتقي ونفهم إن وضعنا أنفسنا في الطريق إليه ، إلاّ ما تلتقيه أيضاً الحياة العادية ، في علاقتها بكلامها الخاص ، وما تحسن مواجهته هي أيضاً ، غالباً على نحو أكثر صفاء وأكثر بساطة مما يفعل الشعراء ، لكونها أكثر انخراطاً منهم في مواقف التناهي التي هي درس المحبة.

كان بودلير شاعراً عظيماً ، ولقد أراد بقوة أن يكون شاهداً على الشعر . لكننا سنخون بودلير إن اعتبرنا بشكل مسبق ، "أزهار الشر" شعراً وسنتناسى ، بذلك ، أنّه كان يدرك ، بفخر ولكن بألم ، أنّه فنّانّ صانعّ أيضا ، ولن نعود نميّز البؤر الأساسية في عمله . فالكاتب في بودلير يجاور الشاعر ، على بعد خطوتين منه ، بالطبع ، وتحت ضوئه. لنقل أنّنا نكتب قصائد لكننا لا نلتفّ برداء الشعر ، مدركين على الأقل أن علاقتنا به متقلبة. هذا ما أردت التشديد عليه على نحو عابر بسبب الالتباس الذي يثيره الحديث عن الشعر. لقد قمت بالتدريس في موضوع الشعر ، و حتى في( الكوليج دي فرانس) ومن خلال كرسيّ الدراسات المقارنة للوظيفة الشعرية. هل بدا حينها أنّي أردت التكلّم باسم الشعر ؟ ذلك أني ظننت - عن حق ، آمل ذلك ، أن بوسعي التفكير بطبيعته وبأعمال مؤلّفيه أو نقاده ، وهذه قنوات ضرورية ، دون أن أفعل ما يتجاوز المجازفة بطرح وجهة نظري إلى جانب وجهات النظر الأخرى في معاينة لحظات مختلفة من تاريخ الشعر. أما بخصوص تواجدي في منتديات قد يبدو فيها أنّني أمثّله ، فلا . علينا ألا ننسى ما كتبه باسترناك ، إذا كنتُ قد فهمته جيدا ( ربما لا): حين لا يكون مكان الشاعر شاغراً ، حين يشغله أحد ما ، يكون الشعر في خطر.

ہ نشرت مؤخرا كتابك (الألواح المقوّسة). هل يمكنك أن تقول لنا طبيعة ما تكتبه حاليّا؟

- إنّ إحساسي بالصلة بين الشعر والمسرح يتعاظم ، وأرجو أن تغفر لي الغوص مجدّداّ في تأملات مجردة ، ولكنها ضرورية هنا مرّة اخرى. الكتابة في الشعر ، ولنقل بالأحرى باتجاه الشعر ، هي بالتأكيد محاولة لشقّ طريق صوب الآنيّ والمباشر في الأشياء ، صوب ما أسميه الحضور. وهذا يأخذ ويستعيد دون توقف ، أو يجب أن يأخذ دون توقف ، ملمح نوع من "اللاهوت السلبي": و هو تفكيك التمثيلات التي صاغت أفكارنا عن العالم وعن الكينونات الأخرى ، هذه التمثيلات المفاهيمية المجردة و الاختزالية بالنتيجة. هذا السلب هو بداية الشعر وحين يصل أحدهم إلى تلك النقطة حقّاً فذلك لأنّه يكون ، منذ زمن ، قد جعل من هذا العمل مشروعه العظيم نابذاً تأكيدات غنائيته الساذجة في فترة المراهقة ، و دخل بذلك إلى الكلمات من قاع شبكة دلالاتها مجازفاً بأن لا يقول شيئاً ، بالمعنى الشائع لكلمة يقول ، بحيث لم يعد نصّه سوى سبّابة (والكلمة تعني بالفرنسية أيضا فهرست ، ثبت أو دلالة ، المترجم ) تشير إلى فَجر في الكلام.

ولكنّي قلت قبل قليل إن هذا الحضور الذي يسعى وراءه الشاعر هو ذات الحضور الذي نشعر به نحن أيضاً ، بل ونعيشه أحياناً في المواقف الأكثر اعتيادية في الوجود حين يحدث أن نحبّ حقاً كائنا ما ، شيئاً ما أو مكاناً ما من العالم ، ونعرف كيف نقبله لذاته ، فيما وراء المعنى الذي يقرره نسقنا ، أونظامنا لما يكون. لا يلبث هم الشعر يعاود نفسه في الكلمات ، ليصارع فيها ضد نثر التقرير (الريبورتاج) وهذه اندفاعة كلّ كائن بشري ما دام قد كفّ عن أن يحلم حياته عبر الفكر الذي يمارس التعميم فوجد نفسه مدركاً لتناهيه.

إن للشعر والوجود ، لنقل ، الجديّ الغاية ذاتها. أن تحيا السلبي كما يتطلّب الشعر ، يعني أن يحدّد المرء المجال(الحقل) الذي اكتشفت فيه جديّة الحياة صيغ كينونتها الجوهرية ، حقيقتها. ومن هنا ينجم أنّه في قلب "اللاهوت السلبي" بالذات والذي هو زمن القصيدة الأوّل ، تنكشف معرفة بالوجود والموجودات لا يدركه علم النفس أو الاجتماع. فالعمل الجاري انجازه يصبح معرفة للآخرين ، يمكنه أن يسمعهم ، بل وأن يصغي إليهم. هنا يحدث ما هو ايجابي: فكر الحياة كما يجب أن تعاش ، بمأساتها الحقة وفرحها الحق.

ومن هنا يأتي المسرح ، أو بالأحرى ، هذا التجديد للمسرح الذي وحده الشعر قادر على انجازه. المسرح ، هو أن تدرك الرجالَ والنساء في علاقاتهم الآنيّة المباشرة ، حين تجعل المواقفُ الطارئة التناهيَ جليّاً ، فتباغت الفكر وتمضي لتحرّر المعرفة العميقة. لذا فإنّ مكان الفعل المسرحي ، خشبته ، هو ذات مكان وجود الشعر لحظة الكتابة. ولكن في المسرح كما في القصيدة تقع بعض الصدمات فيرتدّ ما هو مفاهيمي مجرد على ما هو حدسي ، بالإضافة إلى أنّ التبادل الاجتماعي الذي ترصده الكوميديا أو الدراما ، يتضمّن حالات لا تنتهي ، تتصادم فيها الأفكار والايديولوجيات وكذلك الأهواء - التي هي من عالم المفاهيم ، لا الشعر - لدرجة أن جزءا كبيرا من طاقة المؤلفين تُحرف بعيدا عن الكشف الشعري ، وعن التعاون مع الشعراء.كما وتطغى في المسرح ، أكثر مما يحدث في أغلب القصائد ، الاعتباراتُ (المشروعة) حول حالة المجتمع ، وهو لا يستفيد مثل الكتابة الشعرية من التشديد على جرس الكلمات وإيقاعها الذي يتّجه نحو تحرير المفردة من المفهوم ويمثل نداء مباشراً للشعر. إذن ، أليس من الجليّ أن الشعر والمسرح منذوران لأن يلتقيا ، في نقطة ، يستفيد فيها الفعل المصاغ مشهديّاً من مقاربته على نحو شعري؟ بوسع الشعر والمسرح معاً ، إدراك التقاط الكلام في مواقف الحياة التي يكون فيها الأشخاص مدركين للحضور تحت التمثيلات الاختزالية ، فيتصرفون عن وعي ، مع احتمال سقوطهم مجدّداً ، في لحظات يمكننا أن نصفها بالتراجيدية ، تحت السيطرة المعلنة أو الحفية للخطاب العاديّ السائد ، . يمكن للمسرح والشعر أن يذهبا بعيدا في إدراك الوجود.

ثمة نوعان من هذا المجال الذي ينفتح. فإمّا قصيدة ، من جهة الشعر ، تنحو إلى انتزاع نفسها من عزلتها بأن تضع معرفتها بالكائن موضع الإصغاء لما تلمح وتلتقي من كائنات ، لتغدو بذلك عبارات يظهر فيها صميم حلمهم وألمهم في الوجود المتجسّد. وإما مسرحيات ، على خشبة المسرح ، يتم فيها إحداث رجّة عميقة في المواقف التي تحافظ على انتمائها للحياة اليومية ، أي على تعقيدها - بما أن الحدث ينتمي للمفهوم - بفعل ذاكرة الحضور التي يعرف مؤلّفّ منفتح على الشعر كيف يبقيها حيّة ، هذا مع توهّجات شعريّة خالصة أحيانا. هذا المسرح موجود ، إنّه شكسبير و ابسن .أما بخصوص القصيدة التي تنفتح على فضاء للتبادلات بين كائنات يتمّ أدراكها في مواقف جوهرية أساسية ، فهي القصيدة التي لا أستطيع في هذه اللحظة منع نفسي من التفكير بها. أليس هذا طبيعيا؟ أليس قدرُ عمل ما ، عادة ، أن ينتقل من فردية المؤلف إلى نوع من التعددية. في بدء الكتابة هنالك الذات ، وهذا سيدوم ، لكنّ أثر ذاكرة الشعري قد يكون ، مع ذلك ، تحطيم هذه الذات التي ليست سوى اللغة ، وعندها فإن (الأنا) هي ما يستقر في الكلمات ، الأنا التي هي الفاعل في تجاوزه لكل التمثيلات الممكنة للذات:في لهفته تجاه الرغبة في الامتلاك التي تشّيىء الذات و الموضوع . ولكن ، ما هي هذه ال(أنا) التي تنبثق من الذات إن لم تكن ، بزوغ الرجال والنساء الذين أبقاهم انغلاق الذات بعيداً ، حبيسين في الصور التي رسمها أو بناها لهم فًكرها؟ في (الأنا) ندخل ونخرج بحرية ، تقول الأنا فوراً"نحن ".ومن يبْلغ في الشعر البصيرة التي هي الأنا العميقة يعثر لنفسه على (نحن) في كتابته ذاتها : خذوا مثال بودلير حين كتب قصيدته "العجائز الضئيلات".

هل يمكن لي أن أعيش ذلك؟ ربما لا ، ولكن ما قد أستطيعه هو أن ألمح ما سيكون ، فمنذ وقت بعيد الآن صرت أسمع أصواتاً تستحوذ على كلماتي ، تأخذ مكانها فيها. إنّه حقاً نوع من المسرح ، ربما أمكن إخراجه على الخشبة ، خشبة عارية بالطبع . أنا أعمل على هذا النوع الجديد من الكتابة (على الأقل بالنسبة لي) ، ما الذي سيؤدي إليه هذا العمل ؟ ما أعرفه هو أنني شرعت به وحسب.

ہ هل يترافق هذا المشروع الجديد مع تحولات في أفكارك حول الشعر ، شعر الآخرين؟

- نعم ، ولكن عليّ أن أحدد أن هذه التحولات هي ما برَز أوّلاً كدلائل لانشغالات كانت ما تزال تبحث عن تشكّلها. فلأنني مهتمّ بالعلاقة بين الشعر والمسرح ارتبطت منذ زمن طويل ، عبر الترجمات ثم الدراسات بشكسبير. في رأيي ، لا يوجد كاتب مسرحي كان الفكر الشعري لديه أكثر فعالية من شكسبير حين يحوّل ، على نحو مفاجئ وعنيف ، شخصياته باللجوء إلى البيت الإيامبي الوزن القادر على التأثير بسهولة بالغة في اللحظات التي يستعيد فيها الزمنُ الذاهب إلى العدم نفسه فيصبح مشاركةً في الحضور . حتى أنني ظننت أنّي عثرت لديه - وهذا موضوع الدراسة التي أنشرها هذا العام مع ترجمتي لمسرحية (كما تحبها) - على تفكير شبه واعْ دون أن يعني ذلك أنّه نظريّ مفاهيميّ - حول علاقة الشعر بالمسرح.

وهو تفكير يأخذ شكل نقدْ لبعض جوانب الشعر في عصره ، مارسها بنفسه وكان يدرك أنها سجن للفكر واتصال مهدور مع حقيقة الكائن.

لقد جاءتني هذه الفكرة بالطبع ، بخصوص السونيتات. فقد دهشت للفروق الموجودة بين النظرة إلى المجتمع والوجود التي نلمحها في السونيتات ، من جهة ، وبين استضافة شكسبير للعالم في مسرحياته الكوميدية والتراجيدية من جهة أخرى. فبينما نجد في المسرحيات تجريبية جذريّة بقدر ما هي حاسمة تطبع وعيه بالشخصيات ، رجالا ونساء ، مع الكثير من الجرأة والعطاء في إدراك الدوافع و أكبر قدر من الانتباه لما يمتلك كلّ كائن من خصوصية في علاقته بذاته ، وبما هو نبيل وجدير بالاحترام - لقد اكتشفت ذلك على وجه الدقّة في حالة ديزدمونة وكليوباترا حيث نلحظ انشغاله بالرقابة الممارسة على ما هو أنثوي وانطلاقا من ذلك بوضع المرأة في عصره - ، لا نجد في سونيتاته سوى صورة نمطية للرجل والمرأة ، لا تخلو حتى من كراهية للنساء بالغة الوضوح لدرجة تثير الشك فيها. وما حاولت تبيانه هو أنّه لا يجب أن نرى في الدراماتورجيا بالغة التجريد في السونيتات حقيقة شكسبير الخاصة ، بل ارتياده ، إذا صح لي القول ، للعملية الشعرية ، وذلك ليعاين المخاطر ويتحصن في اختيار قدَرْ سيتحمله دون أي تراجع: العودة إلى المسرح والبقاء فيه ، الاعتراف بفضائله على شعرْ امكاناته تفوق بكثير كتابة الأشكال الشعرية الثابتة. لا تنس أن موضة السونيتة على طريقة بترارك - التي كانت قد استنزفت - انتشرت كالموج في انجلترا عام 1590 ، وغشيت كلّ الشعراء وهي التي كانت تعني الشعر تحديداً. وأمام مثل هذا الولع بالسونيتة أمكن ، طبعا ، لشكسبير أن يعتقد أن الأمر يستحق عناء تفحص ما يعنيه ذلك في العمق: مكرّساً قدراته الشعرية الهائلة - خاصة في مجال موسيقى الأبيات الشعرية - لاستكشافْ أظهر له ، في النهاية ، أن أولئك المؤلفين كانوا قد ضلوا الطريق وأنهم كانوا يحولون الشعر إلى صنعة.

بالطبع ليس هذا هو الأوان ، في هذا الحوار ، للتوقّف طويلاً عند الاعتبارات التي حاولتُ من خلالها في دراستي تلك أن أسوّغ وجهة نظري وأحدّدها ، ومع ذلك عليّ أن اقدم ملاحظة أخرى أكثر عمومية لأشرح ما الذي أسعى لفهمه و لماذا اهتممت مؤخرا ب(رولان الغاضب)قصة أريوست الشعرية العظيمة. في الواقع إن ما ينبغي للشعر القيام به هو تفكيك تمثيلات العالم التي تسجن الكلام فيما لا يتعدّى كونه صورة عن الواقع. وهذا عمل يتّصل بما يمكن للمفكرين الأخلاقيين وغيرهم محاولته تجاه حالات الجمود التي تثقل بها الايديولوجياتُ السائدة كاهلَ المجتمع - في القرن السادس عشر كان ذلك يتمّ تحت غطاء السلطة الدينية. في الحالتين ثمة نضال ضد الأوهام السرابية التي قد تكون مجرد أكاذيب تحمل العقول على أن تتوهّم حول ذاتها بقدر ما تتوهم أيضاّ حول الواقع.

إن خداع الذات ، ولست أجد كلمة أخرى سوى هذه الكلمة القبيحة ، هو الموضوع الكبير والدائم لتأملات شكسبير ، (من السهل تبيان ذلك) ، مما يقرّبه من معاصره سيرفانتس. وهو الموضوع الذي شغل أيضاً الكتّاب الكبار من الأجيال التي سبقته ، ومن المدهش أن نرى في (رولان الغاضب) المقطع الذي استمد منه عنوان العمل: الغضب ، جنون الفارس المسيحي الذي تعميه قيمه اللاواقعية ، وهو مثال يقدم إشارات مواربة لكنها دقيقة للكارثة التي يمكن أن يتسبب بها الوهم لمن يستسلم له. لقد اهتممت في (رولان الغاضب) بذلك السراب وتلك الكارثة وخاصة بدور انجيليك وإنجازها ، تلك الفتاة الشابة التي تنجح في الإفلات من شباك الأوهام التي ترمى عليها ، وقد أسفت فقط لأن أريوست اختار ألا يتبع حدسه حتى النهاية ، مفضّلاً ، مع شخصية بطله ، الساحر استولف ، ملذات الخيال على حساب التجسّد الذي ربما يحقّقه الشعر ، تاركا بذلك لشكسبير - هذا على كل حال ما اسعى لإثباته - أن يضع خاتمة منطقية لأفكاره (أي أفكار اريوست) التي لم تكتمل ، أو التي مارس عليها رقابة ذاتية ، بالأحرى نتيجة الحذر. والواقع أن بطل مسرحية (كما تحبها) يدعى أورلاندو مثل بطل أريوست الذي كان شكسبير قد فرغ من قراءته في ترجمة جميلة كانت قد نشرت حديثاً ، و إنّي أخمن أن شكسبير قد فكر أنّه آن الأوان للتوقف عن المجازفة بأن نكون (غاضبين) نتيجة سقوط أفضل ما في عقولنا في فخ الاستيهامات ، لكي نبحث عن الطريقة التي يمكن من خلالها لممارسة جديدة للكلام أن تمنح الوجود لأورلاندو جديد قد شفي من حالة الغضب.

هذا البحث ووضعه موضع التنفيذ هما موضوع (كما تحبها) التي تمثّل ، مع بعض المسرحيات الأخرى التي تعود للفترة الزمنية نفسها تقريباّ ، القطيعة الأوليّة التي غادر بها شكسبير شعرية الأشكال المغلقة لينطلق في الفضاء الكبير والأصيل للشعر المكتمل الذي اسمه هاملت أو لير ، أو أنطونيو وكليوبترا ، وأخيرا حكاية الشتاء. أهو اختيار للمسرح؟ بلا أدنى شك. لكنه أيضا وأوّلاً تفكير بالشعر. بعد هذا يجب أن يأتي تفكيرنا نحن مطبّقاً على تلك الأعمال التي اجتهدت كثيرا في قول الشعري من غير أن تصرّح بأفكارها كما نفعل نحن هذه الأيام ، ولنر في اريوست أو شكسبير ثم بعد ذلك بوسان ، أو غويا أو ليوباردي علّة كافية لرغبتي في مقاربة الإبداعات الفنية لمختلف العصور وفهمها ، فبفضل الإمكانيات الهائلة لفكرها التصويري احتفظت هذه الأعمال بحقيقة الشعر. ومساءلتها من هذا المنظور ضرورة عميقة لأنه يجب أن نعرف جيّدا أين نبحث عن الشعر ، في النشاط الذي نسميه الكتابة ، ولكن أيضاً في النشاط الآخر الذي هو حياتنا ، كي لا ندفع بخطانا على دروب أخرى غير دروب الحياة مهما كانت هذه الدروب مثمرة في الحقل الشاسع الذي ندعوه الأدب. كم هو هام أن ندرك "غضب" رولاند ، و"العافية الجديدة" التي تمثّلها انجيليك، أن ندرك الوهم تماماً حيث تظن الغنائية السهلة أنها تستطيع التحدث عن وضوح البداهة. من هنا ، ثمة عمل يجدر أن يبدأه أو يتابعه المؤرخون بعد التوافق مع الشعراء ، ويتمثّل بتفحص الحلم الكبير للغرب و الرفض الذي واجهه من الشعراء غالباً. ولأقل أنني مندهش لأن هذا الحلم العظيم لم يثر فضول المعاصرين رغم أنّ اللحظة مناسبة ، فالعمود الأساس للحلم العظيم يترنّح في كل مكان في العالم الغربي.

صحيح أنّ من الصعب أن يتمّ هذا التحليل بنجاح ، لأنّه لا يمكن أن ينجز إلا عبر دروب التعاطف مع الحلم الانتولوجي ، مع الخيال الميتافيزيقي ، وعليه بالتالي أن يعيش العواطف والرغبات ، أن يحلم معها الزمن اللازم لذلك: يجب أن يكون هذا التحليل نقداً "حالماً"أكثر مما هو نقد للحلم ، على الأقل في اللحظات الأولى من العمل: "نقد حالم" ، لقد جعلت من هذه الكلمات العنوان الفرعي لدراسة حديثة حول ptyx خيال مالارميه (كلمة من اختراع الشاعر مالارميه وردت في سونيتته الشهيرة التي التزم فيها بقافية (yx) ، وقد أثارت جدلا لم ينقطع حول امتلاكها معنى ما أم أنها كما وصفها الشاعر نفسه مجرد فراغ صوتي المترجم ) الشاعر الذي يمكن أن نقول أنه مفكّك للحلم - للمتوهّم في الفكر - وأنه الحالم المطلق.

ہ أنت تحيل في حديثك إلى الشعراء ، لكنّك كرّست أيضا الكثير من تأملاتك الفكرية لأعمال تشكيلية وما حملته من أفكار. هنالك بوسان الذي ذكرته قبل قليل وجياكوميتي ، والآن غويا.

- هذا صحيح ، وعن غويا مثلاً الذي تعلّقت به كثيرا منذ سنتين ، أحاول القول أنه ربما كان الشخص الذي فضح الحلم العظيم ، بالطريقة الأشدّ راديكالية ، في "لوحاته السوداء". فضح الحلم الذي تبدّل ، أكثر مما تلاشى بفعل فلسفة التنوير التي كان لدى غويا الكثير من الأسباب الجيدة ليضع فيها أمله. بهذا ، مثّل غويا تحديّاً مباشراً لعصره ، إنذاراً غير مسبوق لم يتكرر ، بالاعتراف بلاكينونة التمثيلات و بمحاولة إعادة تأسيس حقيقةْ ، بتكاليف جديدة. أمّا إذا كان جياكوميتي قد استوقفني إلى هذا الحدّ ، فذلك لأنّه في بورتريهاته التي تسقط منها كل جوانب التمثيل الخارجي لا يبقى سوى الحضور الخالص للشخص المقابل ، تماماّ كما يحدث في الشعر حيث تذوب التفسيرات أو القراءات التصورية الذهنية في انفتاح العلاقة مع العالم.

ولكن الشعراء هم من طرحوا مشكلة الشعر بالطريقة الأكثر وضوحاً وهم من عاشوا على النحو الأشدّ قسوة تجربة الوقوع في فخ الأوهام الدينية والأخلاقية للمجتمع: هاتان تجربتان لا يمكن إلا أن تتداخلا وهذا ما يحصل في أعمال وجدتْ في ذلك غموضها وتعقيدها المثير للإعجاب. من المؤثر أن نرى بودلير يتخبّط تحت بصر الآخرين ، فيجعل من نفسه دانديّاً متأنّقاً يعبّر عن احتقاره لهم فيفتتن البعض به ، ولكي ينجح في هذا المشروع الشكليّ المحض ، يستسلم للرغبة في أن يكون فنّاناً صانعاً - لكن حسّه الشعري وهو بصيرة و معرفة مسبقة بالوحدة (بين الكائنات) ، يجعله يكتشف سريعاً هذه الوحدة في علاقة تعاطف مع "العجائز الضئيلات" أو جين دوفال ، فيكون في ذلك خلاصه. إن المثال الأكثر صفاء للشعر هو ليوباردي ، فمثل غويا تماماً ، عرف ليوباردي أن لا شيء موجود تحت المظاهر ، و أن المجتمع قد لا يكون سوى مجال ل"كل شيء مباح" في خدمة المتعة العابرة ، كما هو الأمر لدى المتحرّرين الماجنين الذين انتشروا في ظلّ المادية التي انبثقت من فلسفة التنوير. لكن ليوباردي يمتلك هو الآخر حسّ الوحدة الذي يكشف ، تحت التمثيلات المتهافتة ، الصلة العميقة التي تربط شخصا بآخر ، وهنا نجد ما يشبه موسيقى تتصاعد في كلماته ، حيث يعرف كيف يتركها تزهر ، بجرأته الجميلة في الذهاب إلى الكلمات البسيطة وفي تركها تتّحد ببعضها فيه ، بكل بساطة.

ہ أمن هنا ، من جهتك ، تحديدُ دورْ للشعر في المجتمع اليوم و أملك أنّ بإمكانه عبر هذه البساطة ، النضال ضد العدمية التي يمكن أن تنجم عن فكرة أن لا شيء كائن؟

- أودّ ذلك ، أودّ أن يكون الشعر نداء للهواء الطلق ، مثل بقعة ماء حرة وسط كتل جليد تتصدّع: أن لا يكون فكرة، إذا كان يتوجّب على الشعراء فهم ما يقومون به ، فإن ذلك سيكون من ناحية كتابتهم الشعرية ، لكي يميزوا شروط تلك الكتابة ويتمكنوا من القيام بها. أمّا قصائدهم ، حين تتشكّل بعد عبور التناقضات والنقصان ، فإنّ ما يجب أن تفصح عنه هو بداهة العالم وملامح الوجود الكبرى: ولا شيء أكثر ، فذلك كاف ، وهو ما يهب لحياتنا الكينونة وبالتالي المعنى. الشعر ، الشعر الحقيقي ماء بارد منعش ، وفي أسمى ما يمكن أن نكون وعياً بلا كلمات تقريباً ، لكنّنا نتذوقه فإذا هو نقيض "العصارة اللعينة" الذي يتحدّث عنها هاملت وايجيتور: إنه الإكسير الذي يعبر كل زوايا الفكر ، ليطرد منه الأحلام السيئة - تلك التي تتجمّع فيها الدوافع الدنيئة - إنه يجعل العنصرية والتعصب أمورا غير قابلة للفهم ، وبوسعه حتى أن يبدّد كنايات واستعارات بلاغة التجار التي بسطت هيمنتها على علاقة الكثير من الأطفال بذواتهم ، مثلاً.

ہ تقول أنْ لا فكر في الشعر ، ولكن ماذا عمّا نسميه الأسطورة إذن؟ اندريه بريتون الذي تكنّ له الإعجاب والذي يبدو لي أن أفكاره عن المجتمع قريبة من أفكارك ، كان قد تحدث في أيّامه عن الحاجة الملحة "لأسطورة جديدة".

- اندريه بريتون الذي تباع هذه الأيام مقتنياته في المزاد العلنيّ بالأسلوب التجاري الأكثر بذاءة، إنّ ما كان قد جمعه من مقتنيات ، برؤية تجعل من تلك الأشياء حالات حضور ، يتم اليوم تجزئته ، تعليبه وبيعه في حصص متفاوتة الأحجام والأسعار ، بعد أن تشيّأ و دُمّر حرفيّاً: لا تكمن الفضيحة في تجزئة ذلك الكل - لأن ثمة حقيقة في التبعثر ، ولكن أن يتم ذلك بهذه الطريقة ، بمنشورات وخطابات دعائية كما في معرض لأحد كبريات المتاجر ، مع التخفيضات بعد ذلك إن لزم الأمر، هذا ما يسمح لنا عبر المفارقة الضديّة أن ندرك كم كان بريتون مصيبا في أكثر أفعاله حدسية.

لكنني مع ذلك ، لا أشاركه دفاعه عن الأسطورة ، خصوصا إذا تعلّق الأمر بأن نحلم بأسطورة وحيدة مفردة . لنتّفق أولا: ما نتحدث عنه هنا ليست الأساطير بالمعنى الوحيد الذي علينا التأمل فيه ، المعنى الذي اعتمده معجم الأساطير الذي قمت بنشره سابقاً بفضل مساهمة أطياف مختلفة من الاختصاصيين. حسب هذا المعنى ، فإن مفهوم الأسطورة يطلق حصراً للإشارة إلى سرد تقبل به الجماعة ، يفسّر لها الجوانب الكبرى لعالمها بطريقة غير علمية ، مما يقتضي أن يتعزّز تلقيّ هذا السرد بالإيمان بحقيقة متعالية. مثل هذه الأساطير المترسّخة في تعقيدات جماعة ما تتطلّب منّا أن نحدد فحواها على ضوء تداخل عوامل مختلفة. والأفكار التي يخيّل إلينا أحياناً أننا نجدها فيها ، أكانت أفكاراً ميتافيزيقية ، أم أفكاراً تتعلّق بما هو الواقع أو الوجود - ليست هنا سوى عامل ضمن تركيبة عوامل أخرى.

أما بخصوص الأسطورة كما يفهمها بريتون ، ومعه أنا وأنت "مؤقتا" ، فيجب أن نرى فيها على العكس مما سبق ، فكرة عظيمة وحيدة تحت ستار التخييل الشفّاف ، فكرة يحكم بأنها جوهرية وكونية بحيث يمكن اعتبارها صيغة لحقيقة. وهذا أمر جميل. إن بوسعنا أن نحلم بهذه "الأساطير الجديدة" التي تهب شكلا أخّاذا ، كما لو كانت جسدا ، لجوانب الكينونة في العالم التي قد تتحول ، بفعل ذلك ، إلى وضوح البداهة بعد أن كانت لزمن طويل مقنّعةً خاضعةً للرقابة أو مشوّهة. شيء يشبه الجمع ، في الوعي الاغريقي بالعالم - مثال جميل وإن استحال تكراره - بين حكايات الآلهة وأنصاف الآلهة من جهة ، ومنحوتات القرنين الخامس والسادس من جهة أخرى. غير أنّه لا وجود لمثل هذه الأساطير التي تحمل فكرة قويّة وبسيطة. وسواء كانت قد تبلورت عبر ممارسة سابقة لأساطير ولدت من الحياة الاجتماعية كما هو الحال ، ربّما ، بالنسبة لأسطورة "اورفيوس" التي شاع استخدام فكرتها حول الشعر - أو كانت نتاج عبقرية كاتب مثل مغامرات دون كيشوت عند سيرفانتس أو رحلات مسّاح الأراضي عند كافكا ، فإنّه لا يوجد سرد تخييلي أحادي المعنى بما يكفي لأن لا يكون عرضة للتأويلات المتناقضة ، وذلك بسبب تعقيد جوانب الوجود والعالم الذي تثيره دوالّ ذلك السرد والتي ليس من بينها ما يمكن أن يمثَّل بكلمة أو صورة بشكل محدّد ومكتمل. فكلّ شيء في تمثيلات فكرة مفترَضة واقعّ في انزلاق المفاهيم على سطح الأشياء. هذه "الأساطير" هي نتاج الكتابة ، مثلها مثل القصائد. وإذا كانت تُختزل بالنسبة إلينا بكونها بقايا(آثار) تعقيد أصليّ - مثلما هو الحال بالنسبة لأسطورة أورفيوس (التي لست على اطّلاع كاف بها) الباحث عن يوريديس وقد التفت إلى الوراء في طريق عودته - إلا أنّه يبقى من تلك الأساطير بنيةّ تعتمد توتّراتها الداخلية على التلفّظات الخاصة بلغة وبثقافة معينة علينا أن ندرك انعدام بصيرتها بقدر ما نحن نثمّن حدسها. علينا أن نفعل مع الأساطير ما يجب على الشعر ، فكراً ومشروعاً ، أن يفعله مع القصائد: أي أن لا نحبّها إلا ونحن نعيشها في نسبيتها ، على طريق الوصول إلى مزيد من الحميميّة مع الواحد الذي يتخفى في ثنايا الكلام. إذن ، لا للأسطورة كمشروع للشعر ، كطريقته الممكنة في إسماع حقيقته وفي أن يحشد حوله. لن يلبث ذلك أن يكون سوى أسر الفكر في التأويل السلطوي لسرد تخييلي يكون الشعراء أوّل من يكف ، حالاً ، عن الإحساس بحقيقتهم جرّاءه فيتحول الحدس عندهم إلى ايديولوجيا. على الشعر أن يرتبط بتلك السرديات التي استضافت الكثير من حقيقة الإنسان ، أن يحبّ باحترام كبير إبداعات سيرفانتس أو كافكا اللذين كأنما قد اصطادا الحضور في قاع مجرى اللغة ، بيد أنّ عليه أن لا ينسى أنّ عدم الاعتراف لهما بالحق بنوع من عدم التحديد الجوهري الذي يغذّي معانيهما بالحضور ، بالتناهي ، وبالواحد ويتفلّت من كل سيطرة سواء من خلال نقصانه أو اكتماله الزائد ، سيكون خيانة لهذين الكاتبين العظيمين.

ما يستحق ، ما يجب أن نرغب به هو ، بالأحرى ، فعل الوعي الذي قدم عند كافكا أو سيرفانتيس أو شكسبير تعبيره التصويري بل وذهب أبعد منه: بكلمات أخرى ، ذلك الخلق الحرّ عند الكتاب الذي يمكّن الأدبَ - ولنستتخدم هذه الكلمة الآن - من أن يستضيف في آن معاً ، الانهمام بالشعر ، والمواقف والمشاعر العميقة للوجود المعيش الذي ذكرت قبل قليل مدى ارتباطه بالشعر. إن هذا النشاط هو ما يجب أن نرغب في رؤيته يستعيد ايمانه بذاته ، مع الأمل بأن يتخلص من تشتّته الحاضر ليصل إلى أعمال تفكر بتناقضات مصيرالكلام الذي لم يكن في يوم من الأيام أكثر صعوبة وأشدّ إثارة للقلق مما هو عليه اليوم. هذا دون أن ننسى الديمومة التي تستعيد المعيش في لحظاته الغامضة. ما يلزم هذه المرة هو نظرة تركيبية ، نظرة جامعة ، تساعد في كل مرة على تذكّر الشعر لأنها تثبّت عينيها على حقيقة أنّ هذا الواقع المعيش يفيض عن صياغاتنا لكلامنا المفاهيميّ المجرد.



ہ شاعر ومترجم أردني

Date : 13-06-2008

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل