الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مناخات الانحسار في رواية «شرق النخيل» لبهاء طاهر

تم نشره في السبت 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 مـساءً
مناخات الانحسار في رواية «شرق النخيل» لبهاء طاهر

 

 
سلطان المعاني

تسبح رواية "شرق النخيل" في المنحى التصنيفي في تيار الواقعية الاشتراكية ، وإن كنا نراها تتشابك مع غيره ، وهو ما ينطبق على الرواية بعنصريها الجمالي والمضموني والقائمة ، بطبيعة الحال ، على المظهر التفاؤلي مقابل الواقعية النقدية ذات القتامة والسوداوية ، وهو منهج بدأ مع رواية الأرض لعبد الرحمن الشرقاوي. إن رصد الرواية لهواجس العمل في الأرض والمحافظة عليها والصراع حولها حتم تناولها ضمن رواية العمل السياسي والقومي وأولجها روايات المدرسة النقدية الواقعية الاشتراكية.. غير أن صراعاً مراً قد بدأ في الحوارات التي تفيض بها صفحات الرواية عكست تشتت الوجدان وهشاشة الإحساس بالهوية القومية وحتمية التاريخ العربي المشترك ، وغدت أطروحات المصير والعمل والتاريخ المشترك وضرورة النهوض الجماعي مفردات نخبوية ، يراها الجمهور استهلاكا وتخديرا وفبركة لقضايا تحطمت على جدر الواقع الزلق بوحل الكارثة الكبرى التي تناوبتها النخبة بتعال على النبض والوجدان الشعبي المشروخ الذي احتاج إلى الترميم قبل اللهاث صوب المدارس الفكرية والأدبية في الشرق والغرب في دعوى التنويرية على حساب صدّ الأبواب على التراث والإرث الحضاري خشية الماضوية ، وقد كانت النخبة فيما تصور الرواية في فضاءين مكانيين متقابلين ، الأول خارجي واسع لكنه موبوء بأحكام عرفية قمعية وهراوات عسكر ومداهمات للبيوت والعقول والجامعات وإغلاق للأماكن العامة والشوارع وتكميم للأفواه.. فسادت حالة من التحفظ على اللفظ أو هاجس التفكير أو طبيعة الاجتماع. بينما نشطت النخبة في الغرف المغلقة تحاول جبر تشظي المحتوى القيمي وتصوب مسار بث الوعي ، ولكنها عملت في أجواء غاب الأمن الثقافي عنها وصار التعبير جريمة تبرر عقوبتها مصلحة أمن الدولة.

تكمن أهمية شرق النخيل في هذا المسار في رصد انحسار المد القومي وعكس مناخات الإحباط والإرهاب وتشويه المفاهيم والمنطلقات واعتماء المسببات الأساسية في مسألة اغتصاب فلسطين وتحميلها محاميل فكرة المؤامرة والتقصير وربما الخيانة ، وهو ما تتكفل به حواريات طلبة الجامعة في مصر وردود أفعالهم الاتهامية في تراخي اليد الفلسطينية والعربية ، ويبدو الأمر قاسياً وخطيراً عندما تجعل الرواية شخصية الراوي الأساسية شخصية تتبنى هذا التوجه في حين لا يغيب الوعي تماماً في شخصيات محورية أخرى ، إذ يبدو سمير أكثر عقلانية وتفهماً وتفاؤلاً إزاء تلك الانتكاسة ، وفي رصد أمثلة هذه الأصوات في الرواية ، نقرأ "أنتم بعتم أرضكم لليهود" ، حيث تصادر على المرء التعبير عن حزنه ورغبته في المقاومة ، ويعلو صوت آخر: "أما العرب فهم يخونوننا ويتخلون عنا في كل حرب" ، ويبلغ الصوت المهزوم والتائه مداه الأقصى في اتهام الطالب أباه وتحميله مسؤولية بيع الأرض ، فوق التقاعس عن حمايتها واستردادها ، "... هكذا باع أبي أرض فلسطين" ، وهو تعبير استنكاري فَنَّده في حقيقة ما آلت إليه ظروف أهله ومحاولة درء التهمة.

لقد عكست الرواية مرارة تسطيح الهزيمة وضياع الأرض.. "فالهزيمة التي نعيشها اسمها نكسة ، والنكسة حدثت لمجرد صدفة... أما الفلسطينيون فقد فقدوا أرضهم لأنهم باعوا أرضهم لليهود. وأما العرب فهم يخونوننا ويتخلون عنا في كل حرب ومع ذلك فيجب أن نتحملهم لأن هذا هو قدرنا... وهذه الآراء تعطي شعورا لذيذاً مريحاً.. الإحساس بأننا فعلنا كل ما علينا لكن الظروف هي التي خانتنا والزمن الغدار؟". وتمضي الرواية تعكس المزاج السياسي والمزاح السياسي في تبادلية تخديرية أو اتهامية تعكس فكرة التآمر وذهنية الشك. ولا تفتأ الرواية تصف أجواء الكبت وتكميم الأفواه والمنشورات السرية والتنظيمات غير المشروعة رسمياً وهي أجواء عربية عامة سردتها الرواية في رصد يوميات سمير. وتسوق مجلة الكرباج الطلابية مشاهد وأحداث هزت الضمير العالمي والعربي تحديدا.. ومنها المفارقة في الهيجان العالمي إزاء حادثة ميونخ وصمته إزاء حادثة مدرسة دير البلح.

إن النشاط الطلابي في وجه من وجوهه يمثل المشاركة الفاعلة الإيجابية في دعم المجهود الحربي ودعم حركة النهوض العربي وهي حالة رفض وتحول إيجابي بدا في برقيات قصيرة تختصر ضميراً مجتمعياً وحراكاً ممنهجاً في سبيل تحقيق واضح للأهداف: "منبه قانوني: لإيقاظ التحقيق في حريق دار الأوبرا. منشط وطني: يسرح المخبرين من الجامعة. فهامة بموتور: لتحريك الزملاء والزميلات من عينة"وانا مالي".. مكواة دستورية: نطبق بها لاديمقراطية التي يتكلمون عنها.. منادي: ينادي على أهل مصر.." . إن هذه الجريدة حالة التصاق حقيقي بالواقع ، تبعث الجانب المشرق في حالة الرفض للسلبية والاستسلام لقدرية الهزيمة.

لقد صورت الرواية حالة التناقض التي عاشتها مصر في تباين الموقفين الشعبي والرسمي مما ولدّ أجواء مشحونة بالتوتر فنشطت المداهمات والاعتقالات وسادت الأحكام العرفية.. وقد خلقت هذه الأجواء المتوترة فرقاء تنازعتهم رغبة التغيير في وجة تفاؤلي بينما نالت من جزء آخر حالة الخور والانهيارات ، فانقطع البطل عن المجلة الثقافية وعن الدراسة ، وعرف طريقه إلى البار والشراب ، وهي سلوكات راقت للسلطة من جانب ولكنها لقيت رفضاً مجتمعياً صامتاً متلجلجاً.

ونلحظ في نصوص الرواية منذ دهشة البداية انحراف السلوك تمشياً مع مقتضى الحال حيث تتداخل أو تخلخل التعابير العاطفية والشعورية عند المتلقي فهي تهيئة من الراوي لأجواء النص القائم في جُلًّه على التناقض والنكوص في منظومتي القيم والمعاني: ".. لوحت لفريدة بالخطاب فجرت نحوي همست في أذنها (زغردي) - فصاحت نجحت؟ ... قلت زغردي بصوت عال. مدت يدها تحاول أن تخطف الخطاب.. وهي تثب وتضحك.. ثم سكنت عندما ظهر أبي .. قال وهو يبتسم نجحت؟ فضحكت. أعاد السؤال غاضباً وهو يخمن إجابتي فقلت وأنا أضحك لا... ولماذا تضحك يا كلب؟.. وعندما بدأت أمي في البكاء صرخ فيها اخرسي يا امرأة".. ويبرز الروائي في نصوص اللاوعي جملة الظروف المهيئة لليأس والإحباط والاغتراب:"- لم هذه الأزهار ميتة؟ لماذا هي ميتة دائما؟ ألا يسقونها أبداً؟ وما هذه الدموع الآن؟" ، وفي ذات الاحتشاد نقرأ سؤالاً عبثياً إنكارياً:"- قل لي ، لماذ نعيش ما دمنا سنموت في النهاية؟" ، وتستحكم أجواء القتامة والانكسار والهزيمة فتهيىء الرواية مشهداً مَرَضيَّاً يُؤَوًّل الحالة"- ولكن وجهك مصفر يا صاحبي. ما كل هذا العرق؟.. أنت مريض؟" ثم يدخل النص صراحة في افتضاح المزاج العام الذي انحرف نتيجة للهزيمة:"- لا أعرف. تغيروا. المريض مريض والقرفان قرفان والذي يخرج من الاضرابات والذي يقبض عليه البوليس والذي رحلوه من البلد.. لا أعرف ماذا جرى للدنيا" ، وقد صاحب ذلك تحولات نحو الاهتمام بالسياسة فسمير حاله حال آكل المرار "... هكذا كان من زمن. قبل أن يغرق في السياسة" . وأما الصراع الديني الذاتي والحيرة بين الخطايا التي ارتكبتها سوزي وبين رغبتها بالتوبة التي تنتابها ليلاً إلا تجربة شعورية تدخل ضمن الجو العام للرواية والقائم على جملة من المتغيرات في المزاج العام والمفاهيم وترتيب الأولويات والنكوص نحو الذاتية والانكفاء سواء نحو القطرية أو على الذات فزمن الرواية زمن مثقل بالإحباط.. لكن الراوي يبحث عن أس هذا اليأس ليجرده من عدم اللامبالاة .

إن تداعيات النكسة طالت محاور حياتية مفصلية أخرى صورتها الرواية بصورة دراماتيكية لا تقل خطورة عن ضياع الأرض ، ومنها انحراف شباب المجتمع وهروبه من المجابهة نتيجة العجز وسوء مناخات الحرية ، وهو ما طال شخصية البطل في الرواية. فقد سجلت رواية شرق النخيل المثقف العربي مقموعاً وسلبياً ومداناً في آن معاً ، وهو نتاج مرحلة فقدان السلطة في العالم العربي ثوابت أجواء الحرية فكممت الأفواه بعد هزيمة وشبه هزيمة وأنيهار مؤسسات السلطة وعجزها عن النهوض والارتقاء إلى مستوى مواجهة الذات والنهوض الوجداني والفكري والمادي لتحقيق التوازن الذي يقود المسيرة في حتمية تقدمها من جديد.

وبعد.. فبين المبدع والمتلقي في هذه الرواية موقف إنساني يذهب مذهب الخصوصية في دلالات الأحداث ، ومذهب التفاعل الإنساني لمشروعية الثورة على الظلم ، والافتداء النبيل موقفاً وجرحاً. فلم تخن الكلمة النص في منظومة السرد. ولا في تكثيف الحدث المتكئ على ثقافة موسوعية أغنت النص ، فلا يفوت السردية والحوار حضور الرؤى المستوجبة للتحليل والإضاءة. ولأن "شرق النخيل" قاموس الحدث والمكان والزمان المصاحب لشاهد العيان ، فقد وصل إلى المتلقي شفافاً.. سوى حاجته إلى الحفر الوجداني في الرواية ، واستجلاء فضاءات التاريخ القومي الساكن فيها. ولقد آثرت تناول الرواية حفراً وجدانياً ومعرفياً محاولاً مطاولة مراقي بهاء طاهر الإبداعية.

ہ ناقد أردني

Date : 15-11-2008

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل