الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نصوص الشتاء

تم نشره في الجمعة 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 03:00 مـساءً
نصوص الشتاء هبة ملكاوي

 

 
أشعر أنني تائهة في وسط هذا العالم المترامي الأطراف ، يقولون أن العالم قرية صغيرة ، ولكنني أشعر أن قريتنا هي عالم لا نهائي الحدود ، بما فيها من ألم وفرح من شقاء وسعادة ، من بكاء وضحك ومن جوع وتخمة .

وأنا أقف في هذا العالم تائهة لا أعرف أين أنا ، ولا إلى أين أسير في هذه الدنيا ، وكأنني قطرة ماء تائهة في في وسط المحيط تتخبطها الأمواج من كل ناحية ، أو ذرة من الهواء عالقة في هذا الكون المتسع تلعب بي العواصف من كل اتجاه ، أو حبة رمل على شاطئ مزدحم آتي مع الم ومن ثم يأخذني الجزر ، أو علني حصوة صغيرة على سفح جبل شاهق تركلني الأقدام من كل جانب .

أجد نفسي حائرة ، أجلس وأفكر فأبكي إلى حد الانتحاب دون أن يكون هناك سبب لذلك ، وأضحك مجلجلا ضحكا هستيريا وليس هناك داع للابتسام . لا أعرف إلى أين تسوقني الأيام وكيف عساه يكون حالي في المستقبل ، أرتعد خوفا من التفكير في هذا الموضوع ، فالمستقبل المجهول مخيف ومرعب .



ہہہ

عندما أسير في الطرقات في فصل الشتاء ، وتهطل حبات المطر على وجهي الصغير ، ويبتل معطفي المسكين الذي لا يستطيع مقاومة هطول المطر ، وتعبق في أنفي رائحة التراب المبتل فتضيق أنفاسي ، ويسكن الحزن ملامحي ، أشعر بوحدة فظيعة ، فلا أنيس ولا مؤنس . أذهب بسرعة إلى بيتي فأبدل ثيابي وأنام في فراشي الدافئ ، لا أنام لأنني أشعر بالنعاس ، أو لأنني أنشد الدفء الذي في الفراش ، بل أنام هربا من شبح الوحدة .

أما في فصل الربيع عندما أتنزه في الصباح الباكر ، وأمشي فوق العشب الممتلئ بحبات الندى ، وأرى الفراشات تتنقل من زهرة إلى أخرى والأزهار تتمايل راقصة ، أرى عصفورا في عشه وحيدا ، فأحمله برفق وأقول للعصفور الحزين : لا تحزن يا صديقي الصغير لأنك وحيد فأنا مثلك ، وسآخذك لتعيش معي وتنتهي بذلك وحدتك ووحدتي .

وحين أفتح نافذتي في ليلة صيفية ، وتبدو لي السماء الصافية بنجومها الساطعة ، ويخيم السكون على الكون المتسع ، ويسود ظلام دامس لا يزيل ذلك الظلام إلا بضعة خطوط من الأشعة يرسلها ذلك القمر الهلال الذي يسهر معي . فأشعر بالوحدة الشديدة وأعرف أنني كالقمر وحيدة ، فأقرر أن أتصادق مع القمر وننهي وحدتنا .

ولكن المشكلة بقدوم الخريف ، عندما تتساقط أوراق الشجر الهشة الميتة على شعري وأنا جالسة تحت شجر حديقتي ، فأشعر أن هذه الأوراق تشبهني وأنه سيأتي اليوم الذي أسقط فيه وحيدة ، وعندما أريد الهروب من ذلك المنظر المحزن ، تدوس قدماي على الأوراق الصفراء المتساقطة ، فأسمع صوت تكسر وتحطم تلك الأوراق الهشة ، فأزداد حزنا وألما .

ولكني وأنا أحاول التخلص من ذلك المنظر أرى صديقي قادما يعبر باب الحديقة ، فيأخذ يدي ويضعها بيده ، ونسير معا إلى المالانهاية ، وأدرك أنه هو من سيؤنس وحدتي . فالنوم شتاء مها طال سأستيقظ منه ، والعصفور الحبيس لا بد أن يأتي له وليفا ويطير معه ، والقمر لا بد أن يأتي الصباح لتحل الشمس محله ، ولكن صديقي لن يغيب عني أبد ولن يتركني وحيدة بعد الآن .

ہہہ

صديقتي رند

القناعة كنز لا يفنى ، أعطيت لنفسي الحق لتغيير هذه العبارة الشهيرة لتصبح الصداقة كنز لا يفنى . كانت هذه العبارة شعاري دائما أردده كلما جاءت له مناسبة وأحيانا إن لم تأت له مناسبة ، لأنني أحب ترديد هذا الشعار .

صديقتي رند هي من جعلتني أتخذ هذه العبارة شعار حياتي والدتها صديقة والدتي ، ولدنا أنا وهي في نفس اليوم ، تربينا معا وكبرنا معا . أفكارنا واحدة ، وذكرياتنا واحدة ، وكذلك مبادئنا ومعتقداتنا واحدة ، حتى ميولنا وتصرفاتنا واحدة . تعاهدنا صغيرتان أن لا نفترق أبدا مهما اختلفت دروبنا ، وتعاهدنا كبيرتان أن نبقى سويا حتى بعد أن تزوجت كل منا وصار لها عالمها الخاص .

لم أكن أستطيع العيش يوما واحدا دون أن أراها ، خصوصا بعد أن توفى زوجها ، فاتفقنا أنا وزوجي أن نبقى بجانبها للتخفيف عنها ، فصرت أبقى معها حتى غروب الشمس ، وبعدها كل منا تذهب إلى بيتها أملا منا بلقاء أخر في الغد .

وفي يوم من الأيام المشرقة صحوت مبكرة جدا على غير العادة ، صحوت على صوت تغريد بلبل على نافذتي ، فتناولت فطوري مسرعة وركضت إلى بيت رند ، حيث أنني كنت مشتاقة جدا لها ، كانت بي لهفة غريبة لرؤيتها ، فأخبرتني والدتها أنها ما زالت نائمة ، فدخلت غرفتها لكي أوقظها ، حتى أكون أول من تراه في ذلك اليوم الجميل .

فمددت يدي إليها ورفعت عنها الغطاء ، فرأيتها تغط في نوم عميق وعلى خدها دمعة فضية ، ويديها على صدرها تحيطان بورقة مكتوب عليها بضعة أسطر من الخلف . فانتابني الفضول وسحبت تلك الورقة بكل هدوء وقرأت الكلمات المكتوبة . كانت كلمات عشق وغزل من شاب إليها ، أحسست من كلماته بمقدار المشاعر الكبيرة تجاهها ، ولكني شعرت بالألم ، لأنها أخفت عني هذا الموضوع مع أنها مطلعة على جميع تفاصيل حياتي ، فقررت أن أعاتبها عندما تستيقظ . لكن عندما قلبت الورقة التي في يدي ، وجدتها صورة لذلك الشاب الذي تحبه . فسالت الدموع من عيني على وجه رند ، فاستيقظت من فرط ما سال على وجهها من الدموع ، فلم تكن هذه الصورة إلا صورة زوجي العزيز.

ہہہ

عندما كان يأتي لزيارتنا وأنا صغيرة كان يجلسني في حجره ، ويلعب بشعري المسترسل ، ويربت على رأسي ، كنت أحس أن يده كبيرة جدا لأنها كانت تغطي رأسي كله وكنت أنظر إلى كرشه وقد امتد أمامه وأرى فمه الضاحك باستمرار وقد انكشف عن أسنان سوداء. كان في مثل سن أبي ، لكن عندما كان أبي يتحدث إليه أحس بكره أبي له مختبئ في عينيه ويطل من وراء جفونه .

كان يحبني جدا ويصر على اجلاسي في حجره ، ورغم أنني لم أكن أحب أن ألبي رغبته إلا أنني كنت أجد نفسي مضطرة أمام إلحاح أبي وأمي . وأنا جالسة في حجره كان ينتابني شعور غريب ، لا أعرف لهذا الشعور من سبب أو تفسير . كنت أحس أن هذا الرجل رجلا استثنائيا في حياتي ، ولن يكون مجرد صديق لأبي يلاطفني ويجلسني في حجره ويقرصني في خدي . كنت أكره هذا الشعور ولكن مع مرور الوقت أصبح هذا الشعور يلازمني . كانت تنتابني لحظات كره عنيفة له بسبب هذا الشعور ، وعندما كنت أبوح لأمي بأحاسيسي ، تضحك مني وتقول لي ساخرة : ما زلت صغيرة على معرفة الكره يا عزيزتي ، فأنا لم أكن قد تجاوزت الثامنة من عمري .

عرفت فيما بعد ما هو سبب هذا الشعور ، لم أعرف إلا وأنا أرتدي ثوب الزفاف الأبيض وصديقاتي منهمكات بتزيين شعري ووضع المساحيق على وجهي ، فتأكدت أنه لن يكون رجلا عابرا في حياتي فهو من سأزف اليه الليلة . بعد أن أغرى والدي بأمواله .

انتهى حفل الزفاف وعبرت بيت الزوجية بقدمي اليمنى كما طلب مني ، ويده الكبيرة تحيط بذراعي الضئيل ، وخرج آخر المهنئين من المنزل وقفل علينا بيت واحد . تشنجت أوصالي وتوترت أعصابي وصرت أفكر بسرعة ، كيف لي أن أعيش مع هذا الإنسان الذي في عمر والدي ، كيف لي أن أطيق منظر أسنا نه السوداء ، وكيف لي أن أنظر إلى عيونه الغائرة الممتلئة بالجشع . شعرت بأن حواسي قد فقدت الاحساس ، فذهبت إلى المطبخ مسرعة وأحضرت سكينا كبيرا ، وبسرعة البرق كانت هذه السكين تستقر في كرشه الممتلئ بأموال الحرام . نعم لن أعيش معه كزوجة ولو للحظة واحدة ، فانتزعت السكين من أحشائه وأغمدتها في صدري ، ولكن قبل أن تغادر روحي جسدي بكيت بحسرة ، لأنني قتلت نفسي بذات السكين ، ولأن دمه القذر الذي كان على السكين دخل إلى قلبي واختلط بدمي .

كاتبة من أسرة شباب الدستور

Date : 14-11-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش