الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فكرة الخطيئة عند »عجنون« و»برطوف«...يوسف يوسف

تم نشره في الجمعة 31 تشرين الأول / أكتوبر 2003. 02:00 مـساءً
فكرة الخطيئة عند »عجنون« و»برطوف«...يوسف يوسف

 

 
في قصة (المفتاح) لشموئيل يوسف عجنون اشارة الى ما تقول عنه احدى الشخصيات انه (الموت المقدس) الذي تتمناه، بل وترجوه خاتمة لكل شخصية يهودية تريد التطهر وارضاء الرب.
بيد أن (الموت المقدس) الذي يقصده السياسي الكامن في اعماق القاص عجنون، لا يكون في مدينة (كيشينوف) حيث تعيش شخصياته اليهودية، وتدور الأحداث، وإنما في (أرض الميعاد) التي يحلم بها، او بقول أدق في مدينة القدس، التي هي (مدينة الرب) في الخطاب الديني اليهودي. فالحاخام (شلومو) الذي يتخفى القاص وراءه، يحاول ان يفلسف معنى ما يسميه العودة الى أورشليم من المنظور التوراتي، وهو المنظور الذي يحوّل اليهودي الى جزء من كل قومي مقدس، يضع الربّ في وسطه، في عملية إذعان فريدة من نوعها، يتبادل فيها الاثنان: الرب والشعب اليهودي، الموقع فيها، فالأول يأمر تارة والشعب يتوجه الى الأرض الموعودة، والثاني يأمر تارة أخرى والرب يبارك ويحقق اطماع الشعب (بنياننا وقدمنا متجسد في القدس، والمبجل من يحترمها) و(اذا قبلت في مجموعة، سوف اسكن قرب القدس، ويكون النزول الى هناك يوم العودة لمحو خطايانا).
فما هي طبيعة الخطايا التي يعترف عجنون بها ويريد التطهر منها؟
ان فكرة محو الخطايا ترتبط بالعودة كما يظهر لنا من النص.
ومعنى ذلك، فإن هذه الخطايا ستظل عالقة باليهودي ما دام يعيش في الشقاق. وهي نغمة اعتاد الفكر الصهيوني ان يجلد اليهود بها، ليضعهم امام عقدة الاحساس بالذنب التي لن يستطيعوا الخلاص منها إلا بالهجرة الى فلسطين - ارض الميعاد المزعومة.
وعجنون في تصويره العودة، يحرص على احاطتها بدائرة الدين، وبذلك يصبح الفعل الذي يقدم عليه اليهودي عملاً مقدساً، والى هذا يقول على لسان الحاخام - الذي هو ظله على مستوى السرد (أخرجت التوراة، لعلها تبعث الطمأنينة في نفسي، طوقتها بإحدى يدي، وبالأخرى قبضت على المفتاح. إن علمي الذي أفتخر به من التوراة، وبه سوف تمضي الايام. اما المستقبل، مستقبلي، فانه يتحقق بالوصول الى القدس، قبل نهاية حياتي).
هكذا فان القدس التي يحلم بها عجنون، ليست البيت فقط، وانما يعطيها بعداً أشمل، في حياته كيهودي، بل وفي حياة الآخرين من اليهود. انه البعد الذي يحيل اليه المكان المقدس، بطابعه الصوفي، الذي تحيل اليه مفردات بعينها مما يرد في القصة: الموت المقدس، يوم الغفران، السبت اليهودي، الأمة الإلهية، محو الخطايا، المدرسة الدينية...الخ.
لقد شحذ عجنون مخيلته كقاص، فكتب قصة تسعى الى بناء المنظومة اليهودية التي لا تكتمل بغير التوراة والمدرسة الدينية التي تعتبر مدرسة الحاخام شلومو نموذجها. وهو في الوقت الذي يتخفى فيه وراء شلومو كما ذكرنا، يعمل من اجل دمج (الأنا) بالمجموع اليهودي، وهذا ما نستنتجه من احاديث شخصياته مع بعضها وهي تتحدث عن هذه المنظومة (لنبق في اماكن استيطاننا الى ان تتحقق الأهداف) و(مطلوب منا العمل كل ايامنا، حتى في يوم الغفران، وفي التاسع من آب، والسبت، لتوحيد هذه الامة الإلهية، وتعميق كفاحها من اجل القدس) و (لمحو خطايانا).. الخ.
وفكرة الخطيئة التي تلاحق (عجنون)، هي نفسها التي تلاحق قاصاً وكاتباً مسرحياً آخر، هو (جانوخ برطوف)، وإذا كان الاول - عجنون قد تكتم على الخطيئة، فإن الثاني - برطوف في قصته (عم وحيد) يكشف عنها بوضوح (لقد كان أبي رحمه الله يعيد ويكرر، ان هيكل الرب ما كان ليحل به الخراب، ولما عشنا في الشتات، لولا الضغينة بين الأخوة).
وكلاهما: عجنون وبرطوف يحرص على صياغة شخصياته صياغة دينية كاملة. الاول من خلال المدرسة والحاخام شلومو، والثاني عن طريق الحوار بين الابن وابيه. واذا كانت عين عجنون قد ألقت نظراتها على القدس كمكان عام، ولم تتوقف امام الجزئيات مثلما فعل قصاصون يهود وآخرون، فان عين برطوف اتجهت الى الهيكل، الذي هو اهم الرموز التي يحتقن المخيال الجماعي اليهودي بها، اي انهما يشتركان معا في البحث عن المكان المقدس، الاول من خلال شلومو، والثاني بواسطة الاب شموئيل.
لماذا يريد برطوف اعادة بناء الهيكل؟ ولماذا يتصور عجنون ان عودة اليهودي الى القدس تمحو الخطايا؟ سؤالان فيهما قدر كبير من الاستفزاز، لنا كأصحاب ارض على الاقل، فالمكان - القدس، حيث المسجد الاقصى، وقبة الصخرة، والحرم الشريف، وحائط البراق، والمحمول في الوجدان عن معراج النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) الى السماء، كلها رموز هامة بالنسبة لنا، اي ان الاثنين: عجنون وبرطوف اتيا عائدين لكي يزاحماننا من اجل الاستحواذ على مكاننا المقدس، الذي يظنانه مقدسا لهما كذلك، لا بل انهما يريدان احتلاله.
ان العودة، وكذلك الرغبة في بناء الهيكل، تطرحان علينا سؤالا ثالثا: لماذا الواحد منا يبني بيتا ويتحمل من اجل ذلك الجهد والمال؟ اننا في الغالب لا نفعل ذلك من اجل ان يقدم الواحد منا البيت الذي يبنيه هدية لغيره، فالاستثناء ان يقدم الباني بيته لغيره، اننا في مفهوم عام وسائد نؤسس لنمتلك، في حالة الفلسطيني، وربما العربي والمسلم فان كل ما يشحن العواطف باتجاه المكان - القدس موجود.
اما عن عجنون وبرطوف وسواهما من الحالمين بارض الميعاد فان الامر مختلف، انهما يبنيان على الورق اولا كل ما من شأنه ان يشحن العاطفة اليهودية باتجاه المكان، ليس من اجل ضرورة فنية يشترطها القص الناجح، فهذه اخر ما يفكران به، وانما يفعلان ذلك من اجل ايجاد التراكم العاطفي الذي يقيض للاحلام ان تتحول الى واقع، وهو نفسه الذي سينقل فكرة العودة، وكذلك الرغبة في بناء الهيكل، من بين سطور الكتابة، الى فعل يتوخاه الاثنان، يتطهر فيه اليهودي من خطاياه، بانتقاله الى المكان المقدس المأمول.
ان فكرة محو الخطايا بالعودة وببناء الهيكل، تحتل مساحة واسعة في العقل اليهودي، حتى قبل ان يتناولها عجنون وبرطوف، فهي مما تركز عليه التوراة، النص الادبي اليهودي الاول، وبدون هذه الفكرة، التي هي احد مفردات ما تسمى ثقافة التضحية عند اليهود، فان هذا العقل سيفقد واحدة من اهم خصائصه، وان شئنا التعبير بطريقة اخرى، فانه بمقدورنا القول، ان الحركة الصهيونية بدون اشاعة مثل هذه الفكرة، وتلك الثقافة، ستخسر الكثير من امكانيات الجذب، بصرف النظر عن كل اشكال التزوير التي تتبعها، والوعود الطوباوية التي تقدمها لليهود حول جنة الاحلام، والعيش بسلام.
ان كلا من عجنون وبرطوف يضعان القارىء اليهودي امام خيارين لا ثالث لهما، فهو اما ان يمحو خطاياه بالعودة الى ارض الميعاد ويبني الهيكل وبذلك يمتلك سموه، او ان يبقى في الشتات، غارقا حتى اذنيه في الخطايا كواحد من احط المخلوقات، وليسا وحدهما من يخطط لذلك، اذ ان عملية غسل الادمغة تجري بشكل متواصل، لتحويل العقل اليهودي الى حالة الاذعان الكامل لجلاده الذي يقدسه في الوقت نفسه.
رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل