الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المجلة العربية النخبوية: مثقفون حداثيون في مجتمعات تقليدية

تم نشره في الأحد 17 آذار / مارس 2013. 03:00 مـساءً
المجلة العربية النخبوية: مثقفون حداثيون في مجتمعات تقليدية * فخري صالح

 

كانت المجلات الثقافية الصغيرة المتخصصة الأرضَ التي انطلقت منها التيارات والحركات الثقافية والفنية، كما كانت مصهرا للتجارب الجديدة الطامحة إلى إحداث نقلة في رؤية الآداب والفنون، وتخليص الحياة الثقافية من حالة التكلّس والبلادة التي تصيبها في مرحلة من المراحل. مجلات عديدة في مشارق الأرض ومغاربها رعت حركات التجديد والتحول في الآداب والفنون بحيث يصعب أن ندرس نتاج الحقب التي ظهرت فيها تلك المجلات دون أن نلقي نظرة فاحصة على الأثر شديد الأهمية لتلك المجلات التي يغلب عليها الطابع النخبوي في العادة، ويتكوكب حولها أصحاب الرؤى المتقاربة من الساعين إلى تجديد الحياة الثقافية وتغيير رؤية العالم السائدة بين الأدباء والمثقفين والفنانين التقليديين في نظر الكتاب والفنانين الجدد الذين يطمحون إلى تغيير العالم.

ثمة أمثلة كثيرة يمكن ضربها في ثقافات العالم خلال القرن العشرين لمجلات مثّلت منصّات لانطلاق أصوات جديدة مؤثرة وحركات ثقافية قادت المشهد الثقافي بعد سنوات قليلة من انطلاقها على صفحات مجلات ودوريات طموحة تحمل مشاريع ورؤى مجددة وفكرا مختلفا عمّا هو سائد ومقبول في دوائر التقليد والمحافظة: مجلتا «تيل كيل» و»بويتيك» الفرنسيتين، ومجلة «بارتيزان ريفيو» الأمريكية، ومجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» البريطانية، لنذكر عددا قليلا من المجلات الغربية.

في العالم العربي عملت مجلات، مثل الرسالة والفكر المعاصر المصريتين والأديب والآداب وشعر اللبنانية والأقلام العراقية ومواقف (التي أصدرها أدونيس) والكرمل الفلسطينية التي أصدرها محمود درويش، على تجديد الوعي بالثقافة والآداب والفنون في مراحل وحقب مختلفة في زمان العرب الحديث. لقد سعت كل مجلة من هذه المجلات، ومثيلات لها في عواصم ومدن عربية عديدة، إلى إحداث تأثير في المزاج الثقافي العام، وكذلك إلى تحويل المزاج الخاص داخل المجموعات الثقافية التي تحلّقت حول مشاريع هذه المجلات. وبغض النظر عن المشروعات التي حملتها تلك المجلات، وكذلك رؤيتها للثقافة عامة والثقافة العربية خاصة، فقد تركت كل مجلة منها، وعلى نحو مختلف ومتفاوت، أثرا لا يمحى على طريقة فهم الآداب والفنون وطرق استقبالها في البيئات الثقافية العربية.

ما يلفت الانتباه، وينبغي التشديد عليه دائما، هو أن أثر هذه المجلات كان قوميا غير محصور في بلد بعينه. لقد كان طموح تلك المجلات متصلا بتغير مزاج إنتاج الآداب والفنون، والدراسات والبحوث والنقد المكتوب حولها، في مشرق العالم العربي ومغربه، من محيطه إلى خليجه، لكي يتسنّى للأجيال العربية الجديدة النظر بعيون أخرى إلى ميراثها الثقافي، وكذلك إلى حاضرها وعلاقتها بالآخر، خصوصا الآخر الغربي الذي فرض علينا منذ الاصطدام المبكر معه في حملة نابليون بونابرت على مصر وفلسطين في نهايات القرن الثامن عشر، أن نعيد النظر في علاقتنا مع ذاتنا وميراثنا والعالم الجديد المتقدم الذي كنّا غافلين عنه قرونا من الزمن بعد الاحتلال العثماني للعالم العربي.

كانت المجلة الثقافية العربية، التي يمكن أن نصفها بأنها ذات طابع نخبوي غير عام ومختلف عن مجلات ثقافية عامة مثل «العربي» الكويتية التي توجهت في خطابها للقارئ العام التقليدي أو شبه التقليدي الباجث عن معرفة عامة سائرة، ذات دور تحديثي بامتياز. كان هدفها الأساسي إدخال العرب في أزمنة الحداثة، الأوروبية بصورة خاصة، وفحص الموروث الثقافي والأشكال الأدبية والفنية بالقياس إلى أفق الحداثة الغربية. وبغض النظر عن النتائج التي توصل إليها الكتاب والأدباء والنقاد والباحثون والفنانون المنضوون في حلقة كل مجلة من المجلات العربية المؤثرة خلال القرن العشرين، فقد ظل التأثير نخبويا، والحداثة الناتجة نخبوية الطابع. هكذا استمرت المجتمعات العربية تقبع في أزمنة التقليد وما قبل الحداثة، باستثناء استيراد السيارة والهاتف المحمول وأجهزة الآيباد.. إلخ إلخ، فيما النخبة المثقفة تعيش زمانا آخَرَ مقيما في مكان آخر. ومن هنا فإن دراسة تأثير المجلة النخبوية العربية على المجال العام سوف يقودنا إلى وضع اليد على واحدة من الأزمات المعقدة التي تضرب العالم العربي الآن: المثقف العربي الحداثيّ الذي لا يعرف كيف يصوغ خطابه الموجه إلى مجال عام تقليدي وغير حداثي!

التاريخ : 17-03-2013

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش