الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نصوص : بـــــــــراءة

تم نشره في الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2007. 03:00 مـساءً
نصوص : بـــــــــراءة ابراهيم عقرباوي

 

 
أبناء أبيه أرسلوا عليه كالطير الابابيل. رجموا بيته بالثعابين ، والرعود ، فما اختلجت أطرافه بل شوهد حزينا ، وفي عينيه بروق . كانوا مدججين بالشهوات . وكان مكتظا بأوراق الورد والرحيق . حبيب اليتامى غاب فبكته السماء بعد أن شدوا حبالهم حوله ، واعتقلوه .

_ أين السلاح؟ نار السؤال تُصب في إذن الرجل الحجري . انهالوا عليه بجدائل فولاذ ، وحبال سياط . هدموا الكون فوق رأسه . وفي مربع يستقطب قذارات مجاري الأرض والمسكونة بالغمرات الحالكة شبحوه فصفا رقيقا كمصباح زيت الوهج الجميل ، وأمام عينه الوسنى تهاوت صروح يعرفها .

أبصر أبناء أبيه يشلحون جلودهم خلسة ، وما عادوا يسألون عن حاضرة ديارهم التي قذفها الفرس بالشهب وببساطير الأسلاك ، والدخان .

_ في أي أرض أخفيت السلاح ؟ العيون السابحة في مربع الظلام .

الثقوب المفتحة تصوب سكاكين الاستنطاق نحو الرجل الحجري . الصمت .

إلغاء اللسان .

إبقاء الجسد مطمورا في ثلج اللحظات يحيل تلك العيون الى ذؤبان تعمل مباضع فكيها في خارطة هيكله الناحل ثم تلقيه في حفرة من غباش وشباك .

تدق رأسه بأذرع القصب والخيزران ، فتحدث ثقبا في سماء ذهنه .

كانوا يودون لو يستخرجون ثمار سره على عجل في مربعهم ذاك . يعذبهم الصمت .

يعذبهم لون الغرفة الكابي الموشوم ببقع نار تتلظى ، ويودون لو أنها تمحى من الذاكرة . لكنهم ما أن يتركوه في قفار وحدته ردحا من نهار ، حتى يجثموا فوق أحلامه دهرا من ليل .

وتمسي الزاوية الضيقة مسخا صلصاليا ، يضرب بخراطيمه اللاسعة ، ومقابضه الكاوية كيفما اتفق .

ينقض على المشبوح .. يكر على الكتلة الصماء ، لكنه يبوء بالفشل ، ويصد خائبا .

زاره الموت وودع الحياة غير مرة .

كره النطق . حارب اللغة ، وقطع خيوط الحوار .

قال لهم : _ أنا بلا لسان .

فهدموا بنايات العالم فوق رأسه .

ورآهم يشاركون الفرس في قذف حاضرة ديارهم بالشهب ، وكرات السخط .

ولما علموا أنه أحاط بمكنون صدورهم ، استعجلوا تطويق انسيابه ، فحاصروا بيته ورجموه بالرعود ، واللعنات . فجروا في أذنيه الغام أسئلة :

_ لمن تخبئ السلاح ؟

سحب شريط الصور من رأسه ، من بئر ذاكرته ، وألقى به في موقد الحطب .

سرح نظره في أرجاء القبو الذي يجلله الغروب بلونه ، ويبث فيه السراج جوا جنائزيا ، ويرسم لوحات الأسى والوداع الأخير . هو ممدد في قبو حزين .

كان لاح له مربع اعتقاله ، فتلعبت به الذكريات ، ورمته مرة أخرى الى تلك الزاوية التي كانت تستحيل الى مسخ صلصالي غريب . قال مخاطبا اللاشيء :

_ لست منهم ... وان كانوا أبناء أبي الذي سكب في عروقنا دمه ، وأنفاسه ، وماضيه .

وسالت دموعه .

غمغم وقد صوب وجهه الى السقف المحفوظ :

_ سأخرج . سأقف وأرقى الدرج .

سأفتح بوابة السقف و أدق صدر الليل بالسلاح .

وستقبل حدقات رجال اعرفهم .

وسيضمون شقائق أرواحهم الى قلوبهم وسيميزون الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، ثم يمضون ليعانقوا القمر والأفلاك. كان علق ذات ضحى بالوحل ، والطين .

بذل وسعه لينحو من بقعة الطين الكثيفة .

وبعد أن غسله العرق وجلل وجهه اليأس الكامل تحرر غير مصدق .

والآن غلق الأبواب ، و نزل الى قبو سفلي ، لا يطرقه طارق ، ولا يلم به إلا الهواء وأحلام المساء الهزيل .

كان يرى في اضطجاعه امرأة تدني عليها ثوب بهاء بلون اللؤلؤ ، وعلى رأسها اكليل احلام .

تبسم بعينين ملؤهما الشوق ، وتحمل بيدها فانوسا يساقط رطب أضواء خضراء ، فيخفق صدره ، ويمد يديه ليمسكها فتذوب ... ثم تعود وتظهر مرة أخرى ويستدنيها ، فتختفي .

وبينما هو ساكن في خلوته سمع أنين يتامى ونباح كلاب الفرس في حاضرة الديار فشعر بغربة ، والتياع ، وتعب.



ہ روائي وقاص اردني

Date : 28-12-2007

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش