الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من يضمن أن يكون هذا دائما هو الحل؟

حسين الرواشدة

الأربعاء 11 كانون الثاني / يناير 2017.
عدد المقالات: 2197


سألت نفسي : ما الجديد الذي يمكن أن أضيفه او أكتبه  عن “وصفة” الحكومة لتسديد العجز في الموازنة ؟
لا شيء - بالطبع-، فقد قرأت على مدى الايام الماضية عشرات المقالات وآلاف البوستات، واستمعت الى فيديوهات مسربة واخرى مسجلة، بعضها يعكس اراء المسؤولين وبعضها يعبر عن غضب المواطنين، وهو مشهد القناه على مدى السنوات الماضية التي صدمتنا فيها الحكومات بقرارات اقتصادية صعبة، مقرونة بوعود لم يتحقق منها اي شيء.
 السؤال الذي حيرني هو : كيف حصل ذلك؟ ولماذا نتفاجأ كل بداية عام مع مناقشة الموازنة بان اوضاعنا المالية والاقتصادية ليست على ما يرام، فنلجأ الى جيوب الناس من خلال سلسلة من الضرائب، لا اتحدث هنا فقط عمن يتحمل مسؤولية ذلك فقط وانما عن الاسباب الحقيقة التي اوصلتنا الى هذه النتيجة البائسة.
لن اخوض في ارقام المالية والاقتصاد، فهذه مهمة رجال الاعمال وفقهاء المال ( وما اكثرهم في بلادنا)، كما انني لن اتطرق للسياسة التي تعطلت حركتها حتى عن اقناع الناس بما تريد ان تقرره عليهم، سأحاول ان افعل ما كان يفعله القصاصون ذات حقبة  مضت من تاريخنا حين كانوا وسيلة الحكومات لتسلية الناس واشغالهم، حيث كان هؤلاء ينتشرون في كل مكان ويبدأون بسرد قصصهم لجمورهم الذي تستهويه غواية الهروب من الواقع الى النوم في عسل الاحلام.
 لدي قصة حقيقية، رواها لي صديق كان شاهد عيان، وقد حدثت في إحدى الدول الاوروبية، يقول: دخلت احدى الشاحنات الكبيرة تحت احد الانفاق وكان ارتفاع سقفها أعلى بقليل من ارتفاع الجسر، لكن السائق غامر وحاول ان يمرّ، ليكتشف بأن شاحنته قد علقت بين الطريق والجسر فتوقفت، استنجد بالشرطة فجاءت، وحاول الجميع جرَّ الشاحنة لكنهم أدركوا ان النتيجة ستكون تحطيم الجزء الاعلى من الشاحنة فتريثوا، وتداولوا الحلول الممكنة، وفجأة توقفت احدى السيارات ونزل منها رجل ومعه طفله الصغير، سأل الطفل والده: لماذا عجز هؤلاء الرجال عن سحب الشاحنة من تحت الجسر؟ شرح الرجل لابنه مخاطر ذلك، وحاول ان يقنعه بأن المسألة صعبة، نظرا لما يترتب على السحب من اضرار، قال الطفل: اعتقد ان القضية ليست صعبة يا أبي كما تتصور انت وهؤلاء الرجال، اندهش الرجل مما قاله الطفل، وسأله: هل لديك حل؟ قال: نعم، يمكن ان نقوم  بتنفيس عجلات الشاحنة فقط، وبهذا يسهل  سحبها  من تحت الجسر دون ان تلحق اية اضرار بالجزء العلوي منها.
فرح الرجل  بذكاء  طفله، وأخبر رجال الانقاذ  بالفكرة  العبقرية التي انتهى اليها، وفعلا اخذوا بالنصيحة وقاموا  بتنفيس  العجلات وسحب الشاحنة بسلام، لكن القصة ظلت تشغل الرجل، وتتفاعل في داخله لأيام طويلة، سأل نفسه: لماذا  غامر  السائق بالدخول في هذا الممر الضيق وهو يعرف تماما ان ارتفاع سيارته اعلى من ارتفاع الجسر المعلّق؟ لماذا لم يلتزم بالشاخصة الكبيرة التي كُتب عليها الارتفاع المسموح لمرور السيارات الكبيرة؟
 سأل نفسه ايضا: لماذا غاب عن مهندس تصميم  الجسر  امكانية مرور شاحنات عالية، وبالتالي رفع سقف الجسر بما يكفي لمرورها بسلامة، ولماذا لم ينتبه الكبار من المنقذين والمتفرجين لفكرة  التنفيس هذه التي خطرت الى ذهن طفله الصغير؟ سأل نفسه ايضا: ما الذي يمنع من ان تتكرر الحادثة مع سيارات اخرى، واذا حدث ذلك، من يضمن ان يكون  تنفيس  العجلات دائما هو الحل؟
 تفرغ الرجل شهرا كاملا للبحث عن اجابات لهذه الاسئلة، وبعد طول استقصاء تبين له ان سائق الشاحنة كان يعمل مهندسا في البلدية، وكان احد الذين قاموا بتصميم الجسر، وتبين له ايضا ان ابنه سرق فكرة  التنفيس  من  فيلم  كان شاهده قبل ايام، وان بعض رجال الانقاذ لم تغب عنهم الفكرة لكنهم ارادوا ان يعاقبوا السائق  على فعلته بجر سيارته والحاق الضرر بها، وان ما قدمه الطفل من  نصيحة  قد دفعهم  مكرهين  الى فعل عكس ما ارادوه.
هنا، اشرق الصباح وانتهى الكلام المباح، لكن ظل سؤال واحد عالقا في ذهن الرجل وهو : من يضمن أن يكون تنفيس العجلات دائما هو الحل؟

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل