الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة نقدية في ديوان «شاطئ من نار» للشاعر محمود فضيل التل

تم نشره في الاثنين 31 كانون الثاني / يناير 2000. 03:00 مـساءً

د. زياد أبولبن *

إنّ الوقوف على ديوان واحد لشاعر تمتدّ تجربته إلى نصف قرن من الكتابة، واثني عشر ديواناً، هو وقوف منقوص في القراءات النقدية، ولا يخفى على أحد أن محمود فضيل التل الشاعر له تجربة عميقة وواعية وتحمل رؤيا جديدة للعالم، وهذه التجربة أخلصت لعمود الشعر العربي من جانب، ومن جانب أخر خاضت تجربة قصيدة التفعلية، هذا من ناحية البناء أو المعمار الشعري، أما من ناحية المضمون فوقع في منطقة وسطى ما بين القديم والحديث، فشعره امتداد للقصيدة العربية عبر مراحلها التاريخية، كذلك معاصر في ابتكاره للصور الفنية، وسبق لي أن توقفت عند ديوانه «آخر الكلمات» عام 1998، وهو الديوان السابع في الترتيب الزمني للنشر، في حين يأتي ديوان «شاطئ من نار» في الترتيب الاثني عشر، أي آخر ما نشره مطبوعا في كتاب.

يضمّ ديوان «شاطئ من نار» ستاً وأربعين قصيدة، وفي حدود مئة وستين صفحة، من القطع المتوسط، وهذا يعني أن قصائد الديوان قصائد قصيرة، وهي في مضامينها متنوعة، لا يحكمها خيط ناظم من ناحية المضمون والبناء (عمودي وتفعيلة)، وإنما تخوض تجارب مختلفة في الحياة، هذه التجارب تحكمها رومانسية الشاعر، في رقة وعذوبة مؤلمة، فمنذ القصيدة الأولى «قد لا أجيءُ غداً» رومانسية الولهان المتعب من عمر مضى بين العتاب والرضى، فيشي عنوان القصيدة بين الشك واليقين في اللقاء، ويبقى الحلم هو حضور للأنا أو اثبات للذات، فما أجمل مطلع القصيدة الذي يأخذك في رومانسية عالية، حيث يقول:
«قد لا أجيءُ غداً فالمشي أتعبني/ آتي ولا نلتقي فالقلب ينكسرُ. أمشي طريقاً وأبني خطوها حلماً/ إذا افترقنا تلاشى الحلم والأثرُ. قد عشتُ عمراً وما آنست لي أملاً/ إلا بحبكِ كي يحلو به العمرُ».
في القصيدة اللقاء بين الرجاء واليأس، وبين الموت والحياة، فبعدما تيأس النفس من حلم التلاقي، ويموت الهوى والشوق للحبيب، يبقى قلق الروح معلقا بالحلم، فيأتي قول الشاعر:
«لكنني إنْ أتَتْ عيناكِ تحضنني/ أحيا وما كان يحيا فالهوى قدرُ».
هذه حال العاشق المتقلب على جمر النار أو على شاطئ من نار، فالشاعر يستعيد المكان والزمان الذي يحمل الصور والذكريات، فالمكان هو الحبيب والحبيب هو المكان، كما كان في الطلل عند شعراء العربية، بل الشاعر محمود فضيل التل يستعيده في أحد أبيات قصيدته: «يشتاقنا مثلما نشتاقها طللاً»، فالصورة الشعرية في ثوب جديد، حيث الاشتياق متبادل ما بين المكان والحبيب، فيتبادلان الشوق والحنين والذكريات وصور الماضي المنكسر.
ثم نتابع قصائد الديوان، فنجدهها تنقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث الموضوعات، قسم يتعلق بالحبيبة، وقسم يتعلق بتأملات الحياة والكون – وهو أقرب للتأمل الفلسفي -، وقسم إخوانيات ومناسبات. ففيما يتعلق بالحبيبة من قصائد، فهي موزعة في الديوان دون أن تستقل بقسم أو ترتب بالتوالي، وكذلك بقية القصائد، ولا أعرف لماذا قصد الشاعر إلى ذلك، أو لم يقصد.
تشعل قصائد العشق وجدان القارئ بالعاطفة القوية المتدفقة منذ القصيدة الأولى مرورا بالقصائد جميعا، فهي تنم عن مشاعر صادقة عند الشاعر، فيها الألم والحزن والعذاب واللوعة والفراق والغربة واللقاء والفراق مرات ومرات والدموع وقسوة الحياة والحنين والشوق واللوم والعتاب والليل الطويل ...الخ، وفي المجمل ترتبط هذه المفردات مع عنوان المجموعة «شاطئ من نار»، والذي حملته قصيدة في الديوان وترتيبها الرقمي تسع عشرة، وللحق ليست هذه القصيدة بمنزلة قصائد العشق في الديون، فهناك ما هو يفوقها في جماليات الصورة وتشكّلها.
عندما تقرأ في قصائد ما جاء يحمل مناسبة، تجد فيها مفردات العشق والعشاق ولولا إشارة افتتاحية جاءت لتكشف عن مضمونها لقلت هذه القصيدة أو تلك من متممات قصائد العشق، ومن يقرأ قصيدة «دائماً سوف أعود» المهداة إلى مدينة بيشيليه الإيطالية، بعيداً عن الإهداء فهي قصيدة عشق في امرأة وليس في مكان:
«ها أنا عدتُ إليكِ/ مرة أخرى أعودْ/ أُولَدُ الآن ببحركِ/ مُبحراً خلف الحدودْ/ أيّ حسن يتهادى مثل موجٍ!/ ضمني شوقاً وحباً/ يعتلي فوق الخدودْ/ ما الذي طوّق جيدكِ؟».
كما نقرأ قصيدة «هل تفي الكلماتُ؟» وهي مهداة للشاعر نايف أبو عبيد بمناسبة حفل تكريم أُقيم له، وهناك قصيدة رثاء في جَدّ الشاعر بعنوان «لجدّي الذي أناجيه شوقاً»، وقد كان له إهداء الديوان كله: «إلى جدّي الذي ما رأيته من قبل، إحياء لذكره.. وامتناناً لفضله واعتزازاً بمحبته»، ففي القصيدة ذكريات المكان المحمّل بأيام الطفولة والشباب، وهناك مرثية في أخيه صباح، ومرثية أخرى في أخيه عوض، ومرثية ثالثة في أخيه فؤاد، وهي قصائد تعتصر بالألم والفجيعة التي ألمت بالشاعر.
وتبقى فلسطين حاضرة في وجدان الشاعر، يجسدها في قصيدة «من هنا أنت أتيت»، كما أن للأردن مغناة بعنوان «لولا العشيات»، وله أيضاً «فأنت جمال هذا الكون يا بلدي»، وخاتمة الديوان جاءت بقصيدة «عمان والنيل» وهي بمناسبة حفل تكريم للشاعر في مؤسسة نغم الثقافية العالمية في القاهرة.
أما قصائده التأملية نجدها في قصيدة «سقط الراوي»، كما هي في قصيدة «دم ابنِ يعقوب»، وفي قصيدة «للإنسان أسئلة»، وهي تأملات في الحياة والفناء:
«إن الحياة لها وجه يؤمّلنا/ أما وجوه الردى كُثْر وتخفيها. فاسمعنيَ الآن مما قد خبرتُ بها/ كيما أريحك من نار تعانيها. لا تأسفنّ على عمر مُنيتَ به/ هذي الحياة سوى المأساة ما فيها. ما أنت وحدك فيها كي تحاربها/ فيها الأراذل قد صاروا أعاليها».
كذلك ضجر الشاعر من الحياة، عندما يتساوى الأبيض والأسود في قصيدة «الوردُ إذا يفنى وردُ»، كما نرى في قصيدة «خدعتني حتى عين عصاي» كيف يمضي العمر، حيث يصبح الإنسان حِمْلا زائداً في الحياة، وتتفتق رؤيا الشاعر للحياة والموت في قصيدة «جلجامش»، وهناك لوم وعتاب لمن أسماهم الشاعر في عنوان قصيدته «صبية التاريخ!!»، كما نسمع صوت الشاعر يخاطب نفسه في قصيدة «لكل إنسان طريق»:
«تَعِبَ الفؤاد ومَلَّ من كُثْر الكلامِ/ فزادني يأساً/ لهذا قلت لكْ/ هذي الطريق بلا معالم لا تَسِرْ فيها/ فأخشى أن تضلّ من البدايةِ/ ثم تنسى أن تعودْ».
يبقى القول إن القصائد العمودية في الديوان كانت أكثر عمقاً للتجربة الإنسانية، وفيها جماليات الصورة الشعرية، في حين جاءت قصائد التفعيلة أقل فنية، وأضيق في التعبير عن الحالة الشعورية.
* أكاديمي وناقد من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش