الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وداعًا.. ساحة النخيل!

تم نشره في الجمعة 3 شباط / فبراير 2017. 01:00 صباحاً

محمّد عبدالله القواسمة *
استيقظت لا أعرف متى، رأسي ثقيل، فتحت عينيّ. أين أنا؟ لا أدري. يحيط بي سور من الستائر الخضراء، وينغرس في يدي أنبوب من البلاستيك، يتسلق عمودًا ينتهي بكيس التغذية. الأضواء خافتة، أشباح بملابس خضراء وبيضاء تتراءى في المكان، وتمتمات أو ربّما آهات، أو أنفاس متقطّعة تضرب أذنيّ. لم أسمع ذلك الصوت الذي اعتدت سماعه، انطبق جفناي، غفوت. وقع أقدام يوقظني، حرّكت رأسي قليلًا، احتضنت أذناي صوتها وهو يهمس: «الحمد لله! صحوت؟! خبر سعيد!! كنت أتوقّعه». لمن هذا الصوت؟ لقد رافقني في رحلتي وآنسني في نومي. أطلت التحديق إلى وجهها، وجه فيه أسئلة وإجابات مفرحة. لم أستطع أن أخمّن من تكون، ولم أردّ على قولها. شعرت بأنّي طفل لا يقوى على الكلام. عادت عيناي إلى النعاس. ألقت جسمها على حافّة السرير، وأمسكت بيدي الطليقة وهزّتها:»الله يخليك بلا نوم! أمّك تنتظرك» ونادت ــ كما خمّنت ــ الطبيب أو الممرّض، ربّما لبّى نداءها، لا أدري فقد غلبني ما يشبه النوم.
شعرت بجسمي يرتعش، وأنا أراني بين جماعات من الناس يسيرون في شارع عريض، وجوههم يعتريها البؤس والكآبة، وبأيديهم الفؤوس والبلطات، وأصواتهم تهدر مطالبة بالثأر والانتقام. ممّن؟ من أعداء لا أعرفهم ولم أرهم. فجأة، حلّ طائر أسطوريّ، التقطني وحلّق عاليًا، ومن فوق رؤوس الناس علا صوتي أدعوهم جميعًا للعودة إلى بيوتهم، واستخدام ما بأيديهم في حراثة الأرض وزراعتها. لم يهتمّوا بقولي، وزاد صراخهم، ورموا ما بأيديهم نحوي. لم تصبني فؤوسهم ولا بلطاتهم وارتدّت إليهم؛ وزاد طائري بي تحليقًا.
أفقت على تلاوة آيات من سورة الفلق، وعلى يد تجفّف العرق عن وجهي وجبيني:» أحمدك يا ربّ! « عرفت بعد مشقّة أنّها أمّي، كان على إحدى وجنتيها بقايا ورم، وبجانبها كانت الممرّضة. بدا المكان يتضح لي، فأنا في مستشفى ما وهذه أمّي. ولكن تلك الممرّضة من هي؟ أين رأيتها؟ قسمات وجهها ليست غريبة عليّ. حاولت أن أعصر فكري فأتذكّر، فشلت، وأنهكتني المحاولة. نادت الطبيب الذي كان يدور في الغرفة أو القاعة الكبيرة، سمعتها بوضوح: «دكتور، صحا جلال من الغيبوبة». اتجه الطبيب نحوي كطائر يفرد جناحيه. هنّأني وهنّأ أمّي بسلامتي، وذكر أنّه توقّع أن أصحو، فقشرة الدماغ سليمة، فليس غير خضّة قويّة سبّبتها ضربة على الرأس. وطلب من الممرّضة أن تراقب حالتي قبل نقلي إلى عنبر المرضى. وددت لو أتكلّم مع أمّي فأطمئنها على صحّتي، أو مع هذا الطبيب فأسأله عن حالي وعمّا جرى لي، وأشكره على عنايته بي، أو مع هذه الممرّضة التي صحوت على كلماتها، ولكن لم تكن لي قدرة على الكلام. ثمّ تركني الطبيب ولحقتْ به أمّي.    
أمّا الممرّضة فكشفت الغطاء عنّي، استسلمتُ لها، جفلت وهي تخزني الإبرة التي أعدّتها بعد ذهاب الطبيب. قالت: «خبرتُك أقوى». استنكرتْ أن أتألّم وكأنّي جسد من فولاذ. خبرتني قويًّا! متى خبرتني؟ هل يا تُرى وأنا في غيبوبتي كالميت؟ إنّها تعرفني، أين رأيت هذا الوجه؟ لا بدّ أن أتذكّر. تذكّرت. هي تلك التي كنت أسمع صوتها في أحلام الغيبوبة اللّذيذة. لا، لقد رأيتها قبل ذلك، لا بدّ أن أتذكّر. ما بال النعاس يغلق جفنيّ؟ هل سأنام؟ أنام؟ سهوت.
ما كدت أسهو حتّى جاءت أمّي، انحنت تقبّلني، وتركت بعض دموعها على وجنتيّ. قالت إنّ الطبيب طمأنها على صحتي، وإنّي سأخرج من المستشفى بعد يوم أو يومين معافى من آثار الضربة. وذكرت بأنّها جاءت وحدها: والدي لا يعلم بصحوتي من الغيبوبة، فهو في المقهى ولا يأتي البيت، كعادته، قبل منتصف الليل، وينام دون أن يحسّ به أحد، ولكنّه سيطير من الفرح عندما يعلم بذلك. أمّا عن أختي هبة فقالت إنّها كانت في جامعتها عندما جاءها الخبر، وربما من شدّة الفرحة نسيت أن تتصل بها لإعلامها؛ أمّا أختي الأخرى هناء فاتصلت اليوم من أمريكا لكن لم تشأ أن تخبرها حتّى لا تقلق في الغربة، وتغرق في شرح تفاصيل ما جرى، فهي لا تعلم عن الأمر شيئًا. وقالت إنّها أسرعت إلى المستشفى حالما أعلمتها سوسن بعودتي للحياة. انفلت لساني فجأة:
ــ من سوسن هذه؟
التمعت عيناها فرحًا:
ــ سوسن، أنسيتها؟
قالت سوسن التي كانت تسمع حديثنا:
ــ نسيني، يا خالة!
خجلت من نفسي، تظاهرت أنّي لم أنسها، وأسفت أنّي لم أعرفها حين استيقظت. وظلّ السؤال يتردّد في ذهني: من هي سوسن؟   
بعد مدّة، طلب أحد الأطباء أو الممرّضين من الزائرين الخروج. غادرت أمّي المكان. دون أن أسألها عن سوسن. خفّت الحركة من حولي. شعرت بتحسّن  في صحّتي، فتحرّكت قليلًا. توجد آلام في ظهري وقدمي، لكن فرحت أنّ أعضائي معي. انتبهت على مجيء سوسن. ابنة حلال، جاءت بعد أن تخيّلتها قادمة. كانت قد تخلّت عن ملابسها التمريضيّة. لأوّل مرّة أمعن النظر إليها: بشرتها بلون القمح، وعيناها ضيّقتان كعيون الصينيّين أو اليابانيّين، تميل إلى البدانة، شعرها الذي تحت منديلها خمّنته أسود فاحمًا. حاولت أن أكون محايدًا في تقييم جمالها، لم أستطع، وترسّخ في ذهني أنّها أجمل من رأيت. اضطربت أفكاري عندما عرفت بأنّ مناوبتها انتهت وستعود إلى البيت. تبادر إلى عقلي أنّها عاينت الحزن في عينيّ؛ فقالت إنّها ستكون في المستشفى غدًا قبل الظهر، وسألتني إن كنت أحتاج إلى شيء. أجبتها بأنّي أحتاج إلى المعرفة فقط؛ فلم يعلمني أحد حتّى أمّي أين أنا، وكيف جئت إلى هنا. نظرت إليّ باستغراب، كأنّها ارتابت في عقلي، ومع ذلك مضت تخبرني بأنّي في الغرفة المركّزة في المستشفى العام وهو مستشفى النّصر، وجيء بي يوم الجمعة الماضي، في حالة غيبوبة، وعلى جسمي آثار ضربات ورضوض ممّا نالني في أحداث ساحة النخيل. وهي حينها، فوجئتْ عندما عرفتْ بأنّي جلال ابن جيرانهم القدامى، فاتصلت على الفور بأمّي وأخبرتها بأنّي في المستشفى. ثم قالت:
ــ أنت الآن بخير. ربّما ينقلونك الليلة أو غدًا إلى عنبر المرضى. 
عندما خرجت شعرت بألم الفراق، هممت أنّ أدعوها للعودة فتراجعت. هي ليست أمّي أو إحدى شقيقاتيّ، هي ــ كما قالت ــ سوسن ابنة جيراننا القدامى. من هم هؤلاء الجيران؟ هل كان لجيراننا القدامى بنات في مثل عمرها؟ هل؟ هل؟ كيف لم أعرفها؟ كيف غابت عن ذهني تلك السوسنة السمراء؟ سوسن، إنّها سوسن ابنة جارنا عدنان، جيراننا في جبل المهاجرين الذين رحلوا منذ سنوات إلى منطقة المدينة الرياضيّة.
ربما قبل الغروب، قطعت أفكاري حركة غير عاديّة في الغرفة. ارتعدت. ثمّ دخلت امرأة وهي تنتحب، وعلا الصراخ. عرفت أن المريض على السرير المقابل لسريري توفّي، وسمعت ممرّضة  تواسي زوجة الرجل أو أمّه: «الموت حقّ وكلّنا سنموت. لا يبقى غير الله». رحت أقلّب التفكير في هذا الحقّ، ارتحت إلى ما انتهيت إليه: الموت جميل مثل الغيبوبة تمامًا، الإنسان الميت يظلّ على تواصل مع الحياة يستمع إلى أحبابه، ويفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، ويحلم أحلامًا لذيذة. الموت حياة من نوع آخر، فيه سكون رائع ولذيذ.
جاء الطبيب بعد أن جفّ جوّ الغرفة من الصراخ والنحيب، سحب صفحتي الملتصقة بمقدّمة السرير، قرأ ما كتب فيها، نظر إليّ مبتسمًا:» إلى متى تظلّ هنا؟» تساءلت في نفسي:»هل يرغب مريض في البقاء بغرفة العناية المركّزة؟ إنّه ــ وإن كان تحت رحمة الله ــ بين الخوف من مشرط الطبيب، ومن إرهاب ملك الموت». أجبته بأنّ الأمر بيده. نادى الممرّضة، وأمر بنقلي إلى غرفة المرضى. لحظات، وفارقت غرفة العناية المركّزة. شعرت والممرّضات يدفعن السرير بي كأنّي أطير من الجحيم إلى الجنّة.     
أدركت أنّي في مستشفى شعبيّ عام؛ عندما صرت في الغرفة التي نُقلت إليها لم أجد فرقًا كبيرًا بينها وبين ما تسمى غرفة العناية المركّزة؛ فكان فيها ثلاثة أسرّة بعضها بجانب بعض. وُضعت على السرير الأوّل بالقرب من الباب. لم أتبيّن زميليَّ الآخرين، كان سريراهما محاطين بالستائر العالية. وأنا أخاف من الأسوار العالية حتّى ولو كانت من قماش. ألحّ عليّ الخوف أن أزيح الستائر لأتعرّف إلى من هما خلفها، حاولت النهوض، شعرت بحرقة في ظهري وألم في قدمي. عدت أنزوي في السرير والرعب يملأ نفسي متوقّعًا أنّ يثب من خلف الستائر كائن يؤذيني، وزاد من رعبي كآبة الغرفة بضوئها الخافت، وجدرانها المتآكلة، وأنابيب التدفئة وهي تتمدّد عليها مثل أمعاء مندلقة من شيخ جريح. وليس بجانبي غير خزانة حديديّة صدئة، مخلخلة الأبواب، متهدّلة الأدراج. وفي يدي لمّا تزل الحفرة التي كان ماء التغذية ينسلّ منها إلى جسدي.
جاءت الممرّضة مقطّبة الجبين. ربّما لم يعجبها حالي، فدعتني بما يشبه الأمر إلى ترك الفراش والتحرّك في الغرفة أو في الممرّ، وأن أقفز وأمرح حتّى ينشط دماغي. برقت أمام عيني سوسن. قلت لها إنّي جائع وأريد أمّي. أجابت بحزم بأنّ الطعام يأتي في موعده، وأعادت الطلب منّي أن أتمشّى في الغرفة. سألتها عن السريرين الآخرين، فقالت إنّه ليس غير سرير واحد، وأزاحت الستائر عنه، وأما الآخر الذي بجانب النافذة فقالت إنّه سرير تالف، ولم تشأ أن تزيح ستائره.
بعد خروجها، رفعت الغطاء عنّي، وفي ذهني أنّي فوق الألم، ويجب أن أعالج ضعفي، فنزلت عن السرير ووقفت بصعوبة، ثم خطوت كطفل يخطو أول مرّة. كشفت الستائر عن السرير الآخر، الذي قالت عنه الممرّضة إنّه تالف، لم يكن سوى كومة من الحديد العاري، لم أعد الستائر كما كانت. درت قليلًا، وقفت بباب الغرفة، شعرت بدوار، عدت إلى السرير، ودفنت جسمي تحت الغطاء. نمت.
لا أدري كم مضى على نومي. صحوت. جاء الطبيب وبرفقته الممرّضة. سألته وهو ينظر في أوراقي: متى أخرج؟ أجاب بأني في تحسّن واضح، وسوف أخرج بعد أن يطمئن على سلامتي، وقال بإمكاني تناول الطعام والمشي، وطلب منّي بعد خروجي من هنا، وهو يبتسم، عدم الاقتراب من ساحة النخيل. بعد ذهابه، لم أقدر على النهوض واستسلمت إلى نوم لذيذ. ربّما يكمن سرّ هذا النوم في تلك الحقنة التي غرزتها الممرّضة القاسية في جسمي.
حين صحوت كان ضوء النهار يتسلّل عبر النافذة، ومعه تسلّل الفرح إلى روحي. كأنّه أوّل ضوء نهار أراه. ثم جاءت ممرّضة لم أرها من قبل وهي تقود عربة الطعام. تركت لي نصيبي على الطاولة الصغيرة التي سحبتها من جانب السرير. أكلت بنهم وأنا أحسّ كأنّي أقوم بعمل عظيم. نشط الدم في عروقي، ودبّت الحياة في أعضائي، فنهضت أتحرّك في الغرفة، ووقفت أنظر من النافذة. بقع من أضواء الشمس تتوزّع في الشارع وعلى سطوح السيّارات. بدت أفكاري تتضح، ورأيت عمّان جميلة على غير عهدي بها.

* روائي وناقد من الأردن
* النص فصل أول من رواية «وداعًا... ساحة النخيل» التي ستصدر قريبًا عن دار ورد في عمان.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل