الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عين الشرق: السيرة الروائية لإبراهيم الجبين

تم نشره في الجمعة 3 شباط / فبراير 2017. 12:00 صباحاً

د. نزار قبيلات *
ثمة الكثير مما سيُقال ويروى  بعد حقبة صمت مديدة  أطبقت على كل تفصيل من تفاصيل سوريا الحارات  والمدن التاريخية والأنهر والمناضلين والمثقفين، ثمة الكثير من الدّفق الذي أفرج عنه الشعب السوري الذي لم يكن ليصمت لولا إيقونة الممانعة التي انهارت على نحو مريع وتحطمت على أسوار مدرسة ابتدائية في درعا. سوريا عين الشرق التي عرف العثمانيون والفرنسيون مكانتها كبوابة للشمال العربي ومنصة للنهوض أدرَكَها الأوربيون والقياصرة الروس والسلاطين العثمانيين قبل العرب، لذا فإن الانفتاح على هذا الحقل والتحطيم  المهول لإطار صورة الزعيم الأكبر ليدفع بكمّ هائل من «الحكي» جراء السكوت الجبري الذي مورس على المثقف السوري ذلك الذي لم يشهد قاموسه حضوراً طائفياً أوتوظيفاً نفعياً لها، فقد حدَث أن أتى النظام الحاكم هناك بتيّارات ثقافية فخنقها في مدار واحدٍ يخدمه؛  فقد زرع النظام مثقفين طائفيين عُرفوا بـ»حرّاس الأرض» السورية ووجّه وعي الآخرين بحيث لا يلتفت لجسمه الذي تقرّح وهَرم، اليوم فتحَ مثقفون سوريون مخازنهم وأطلقوا أقلامهم بعد ان انفجرت تلك المخازن، وصارت المستندات عطشى لأن تُنسج مِن جَديد مسرحاً وقصصاً ورواياتٍ وحتّى لوحات فن تشكيلي ومنحوتات، وأمام هذا الكم الضخم من الحكي والتفاصيل أصابت الحيرة أقلام المثقفين وصدّعتهم، فمن أين يبدأون؟
رواية عين الشرق لـ»ابراهيم الجبين» تطرح على الغلاف عنوانا لا يحمل  الكثير من التأويل والتوهيم، فهوعنوان صريح ومكاشف يردفه الكاتب بمصطلح الـ «هايبرثيميسيا 21» التي تعني مرض التفاصيل حين تحيل صاحبها ذاكرة يقظة رغم سنوات التعب؛ تفاصيل الإحاطة بها لا تكتفي بالرموز ولا بالأقنعة ولا التجسيم المنمّط، فهكذا ودفعة واحدة تظهر شخصية «إخّاد» اليهودي في قبوٍ يضمّه مع الكاتب الذي يلعب سردياً أيضا دور الراوي الشاهد والعليم، فيرويان دون فواصل أونقاط سكت وتعمية أشياءَ من سيرتهما الدمشقية لا بل السورية، فثمة كمٌّ من المعلوماتية البشرية تصدر من حقول وحقب متعددة تخصّ سوريا الشّرق لا سوريّا الأسد، وعلى هذا لم يُحدث النص زجّاً غير متوقع للتاريخ أوالمحمول السياسي بل كان عفوياً رَغم ازدحامه ورغم التقطيع السردي البائن و الناجم عن تدفّق كبير من التفاصيل الخاصة بالكاتب وبسوريا الثورات والشخوص السياسية التي هربت أوبقيت هاربة أوانتحرت بثلاث رصاصات! وكذا سرد يخص جوانب من حياة بعض القيادات العسكرية والمنظومة السكانية المختلطة....، وبلا تحفّظ يذكر الكاتب قصته مع القاضي العسكري وملاحقة الأمن السياسي له (الشعبة الثانية) وذكرياته مع المثقفين، فيطرح بعضا من مفارقاتهم الموقفية ويشير إلى دور الأعور الذي قبِلَ به بعضهم وراح يسير مع القيادة المعصومة عن الخطأ والزلل، فقد صار السجن ثقافةً وسوريا أرضاً للجميع لكنها ليست لأي أحد منهم.
في مكوّن المكان يزاوج «الجبين» بين الأمكنة المغلقة والمفتوحة، لكنه غالباً ما يترك السرد ينطلق من المغلق فينتشر في فضاء حرّ ومعلن؛ مكان  لم يعد يأبه بسلطة الديكتاتور أوبالمحرر الأمني، وبهذا كان الجبين يطرح وجهة نظره دون وجل فيقول بالإسلاميين ولا ينسى الشيوعيين:.....»الإسلاميون، فهؤلاء قضوا حياتهم في التحريم، تحريم كل شيء، أما الشيوعيون، فقد كانوا يميلون إلى اليأس....»  ويقول كذلك الأمر رأيَه في الوحدة الطوباوية التي زمجر له البعثيون طويلاً وأغرقوا إسفنج الثقافة في حوضها، فخَدَعت بذلك العقلية الأمنية المثقف السوري بعد أن كانت «السلطة قد صنعت هندسة الحياة، وصارت أكثر حقيقة من الحقيقة» كما يذكر ويقول الجبين....أما الزمن فلم يكن الكاتب معنيا بطريقة حبكه  بقدر ما كان يعنيه أن يدير عدسته القلمية وينضّد من جديد تفاصيل كان المكان الدمشقي  فيها حثيثاً بليغاً. وأما الحدث فهوسوري، ولا يرى الكاتب هنا أهلية في هذا السؤال، فيقول: « لا يسألني أحد عن الحدث، فالحدث في هذا الورق هوالحركة الكبيرة للوحة الرمل في تكوينات الشام، لا حركة الشخوص»  .
قارئ هذه الرواية لا تزعجه التفاصيل الدقيقة، والمتمهل يُدرك أن خطاب هذه الرواية يتجاوز واقع المشاهدات التسجيلية والسيرية ويرهن ذاته للحديث عن الأزمة السورية باسترجاع يحاول إدراك كل ما فات، وذِكر مَن قضوا دون تحقيق في الأقبية والسجون، فمجرد العودة للمستند التاريخي لسوريا تَظهر حاجة ماسة لإعادة سرد ما أخفي وأغمض عنه بعد أن فقدت السلطة ألسنتها وهيبتها هناك، وعلى هذا فإن تجنيس هذا العمل الفني الذي عنونه الجبين بـ»عين الشرق» يقبل القسمة على العديد من المسمّيات التي جاء بها النقد؛ فهي رواية أزمة، ابنة تُنسب لحقبة الصمت الأسدي التي لم يُصدق أويتوقع أحدٌ حدوثها أوشكل نهايتها، وهوعمل يصنف أيضاً ضمن «البلدانيات»  التي تمور تفاصيل المكان السوري وتعيد بثّ فضاءاته العبقة في المدن والمقاهي والشوارع والحارات...، فهي أماكن تعجّ بخليط من المكونات البشرية المختلفة التي أوتها الأرض السورية وعاشت رغم ذلك بقهر مناخَ الفساد الأخير بعد أن كانت قد استحقت لقب الامبراطور الروماني «يوليان» عين الشرق.
رواية ابراهيم الجبين هذه رواية سيرية بامتياز، عرف كاتبها كيف يزاوج بين التاريخي والروائي والخاص، فلم يدخل التخيّل الفانتازي ولم يطرب له، فكان وفيّا للسرد الوقائعي يشير باقتصاد في الوصف والاستطراد إلى سوريا الأمة والتاريخ ، سوريا التي تعافت بعد طوشة النصارى فأخمدت الفتنة التي تطل هذه المرة  برأسها ليس من قبل علويين الساحل أوبافتعال من نصارى دمشق، بل يراها الجبين وصديقه امتدادا لحرب القرم التي يرى إخاد اليهودي أنها لم تنته.ص:231. صورة المثقف وأزمته مع النظام الحاكم حاضرة  في هذا العمل وممثلة بِجلاء عَبر صوت الراوي ظل الكاتب الفني، فهويَرى أن نخبة المثقفين المتمردين على الطائفية والبعثية كانت محاصرة من قبل السلطة الأمنية ومن قبل مثقفيها، ولا يتردد الجبين حين يذكر أسماء بعض أولئك المثقفين أمثال الماغوط والإخوة الجندي وغيرهم.
لا بداية أونهاية للمحكي في هذا العمل، بعد أن كان  الدفق الشعوري واللامنتهي للسرد قد سمح بالتوالي والتمدد ما شاء، ومن دون ان يدرك القارئ قربا للنهاية، فمخزون الكاتب زاخر والتناول لم ينفد بعد، فهنا تبدومقاربة هذا العمل من باب السيرية الروائية أقرب من اي تجنيس آخر يحاول تاطير المدخل الفني لعمل الجبين المهم والمعنون بـ»عين الشرق».

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل