الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

شجرة النخيل ...في الموروث الشعبي العقباوي

تم نشره في الجمعة 3 أيلول / سبتمبر 2010. 02:00 مـساءً
شجرة النخيل ...في الموروث الشعبي العقباوي

 

العقبه - الدستور - ابراهيم الفرايه

احتلت النخلة في العقبة حيزا وافرا من تراث أهل المدينة منذ نشوئها فكان اسم العقبة القديم (أيلوت) تعني (شجرة النخيل المقدسة ) مما يوحي أنها كانت تعج بشجر النخيل وغيره حتى اشتهرت به وأطلق عليها هذا الاسم تأكيدا وتكريما لهذه الشجرة .

وقد دلت المكتشفات في تل الخليفي في العقبة على وجود النخيل واستعماله على نطاق واسع قبل أكثر من خمسة آلاف عام ، حيث عثر على ليف النخيل وسعف النخيل وبقايا سلال وآثار حصر من السعف ملونة وحبال مصنوعة من نسيج النخيل يعتقد أنها تدل على استخدامها في صناعة القوارب.



النخلة هوية العقبة وشعارها

فمن حيث الصورة والهوية يتمنطق ساحل العقبة بنطاق أخضر من النخيل يفصل بين صفاء الماء الأزرق وبريق الرمال البيضاء ممتدا على طول الساحل ، وهذا النطاق الأخضر أصبح هوية المدينة ، وأهم ملامح شخصيتها التي تتميز بها عن سائر المدن وشعارها الذي تعرف به .

ويعرف الزائر أنه وصل العقبة أو اقترب منها عندما يتراءى له نخيلها ، فهو أول من يستقبله وآخر من يودعه ، فعلى مدخل المدينة الشمالي كانت تقوم هناك نخلات تسمى (نخلة مسمح) يستظل المسافر قبل أن يدخل المدينة فيصلح رحله وهندامه ويهيئ نفسه لمقابلة مضيفيه في العقبة ، وكم كانت تلك النخلات ميعاد الأحبة وملتقى الخلان ومجالس القضاء وفض الخصومات .

أما الزائر من الغرب فأول ما يستقبله (نخيل الساقية) فينزل هناك ويغتسل ويشرب من ماء البئر ويأكل من تمر النخيل ويربط دابته ثم يدخل المدينة يقضي حوائجه ويعود مودعا العقبة ونخيلها .

أما القادم بحرا فأول ما يلوح له من العقبة هو نخيلها مرحبا به ومهللا بقدومه ومودعا له هند سفره ، حتى الصياد الذي يتجهز لرحلة الصيد يحمل متاعه وشباكه ويضعها تحت نخلته انتظارا لزملائه في رحلة الصيد ، وإذا ما انطلق مع زملائه بسفينته في عرض البحر تلفت نحو الشاطئ فإذا بسعف النخيل يتراقص له مع نسيم البحر كأنه يودعه ملوحا بيديه لتكون النخلة آخر من يودعه من أهله عند ذهابه لرحلة صيده ، وإذا ما عاد من صيده بدت له النخلة من بعيد ملوحة له بسعفها كأنها ترقص طربا وفرحا بعودته .



النخلة حياة (العقباوي) ورأس ماله وشاهدة أفراحه وأتراحه

وللنخلة في تراث أهالي العقبة مكانة متميزة وفقا للباحث عبدالله كرم المنزلاوي .. فهي تتربع في سويداء قلوبهم وأعماق نفوسهم ، وهي هويتهم ورمز وجودهم ، بها يتفاخرون ولها يعملون منها يأكلون وبها يتغزلون ، لقد كانت النخلة جزءا من حياة (العقباوي) بل هي والبحر حياته كلها ، فلم يكتف (العقباوي) بزراعتها في بستانه الذي كان يسميه الحفيرة بل زرعها في وسط بيته كأنها ابنته بل كان يسميها بأحب أسماء بناته ، فيناديها صبحه أو زهرة أو سلمى .

و أحب الصياد (العقباوي) النخلة فهي أنيسه في سفره ورفيقه في صيده لأنها طعامه ومتاعه فهو يحمل بعضا منها من تمر وحبال وسلال .وعندما يعود الصياد من رحلة صيده فأول ما يستقبله نخله حيث ينزل عندها ويجلس تحتها ويلقي بأعباء الحياة وعناء السفر تحت ظلها قبل أن يصل بيته ، فيحتضنها وتناجيه ويناجيها ، ويعلق عليها حاجياته من شباك ومتاع كأنه يستأمنها على متاعه فتحرسه له وتحفظه وتحميه لحين عودته للصيد من جديد ، وكم اقتسم الصيادون صيدهم تحت ظلها فكانت شاهدة قسمتهم وحافظة سرهم.

وفي المساء يكون الصياد قد باع صيده ، واغتسل من عناء سفره واطمأن على أحبائه وأهله ، فيجتمع مع أقرانه وأصحابه تحت النخيل قبالة الشاطئ ويسند ظهره إلى جذعها ، ثم يحدثهم عن رحلة صيده وقصص البحر وأهواله ومخاطره ، وفي تلك الأثناء يقوم أحد الصيادين بالعزف على السمسمية والصدح بمواويل البحر والصيد ، فتعلوا أصوات الصيادين ضحكاتهم على أنغام السمسمية وخفقات أمواج البحر ورقصات سعف النخيل ، ثم يقوم صياد آخر بإيقاد النار وشوي السمك للمتسامرين .

النخلة رمز الخير وشعار البركة وإشارة الترحيب والإكرام

ويتفاءل أهالي العقبة بالنخل لذلك تراهم يزينون شوارعهم ومنازلهم بسعف النخل في أعيادهم وأفراحهم ومناسباتهم ، وقد جرت العادة أن ينصب سعف النخل على منصة العروسين في الأفراح (اللوج) ، وعلى مداخل الأزقة والبيوت في احتفالات الختان .

كما يعتبر أهالي العقبة النخيل شعار الترحيب بالضيف والمسافر ، لذلك يزينون الشوارع والمنازل بالسعف احتفالا باستقبال القادم من الحج أو السفر أو أي زائر جديد

وترمز النخلة أيضا عند أهالي العقبة إلى القوة ، فقد كان أهالي العقبة في بداية القرن الماضي يحتفلون بالمولود الجديد بعد أسبوع من ولادته ، حيث يجتمع الأهل والأصدقاء لتبدأ مراسم الاحتفال بوضع الطفل في غربال والرقص والغناء ، كما كانوا يضعون الماء في الإبريق ويبقونه عند رأس الطفل طوال الليل ، وفي الصباح يسكبون الماء على النخلة ، وذلك اعتقادا منهم أن هذا العمل سيجعل قلب الطفل قويا .

ولم تقتصر مشاركة النخل لأهالي العقبة على الأفراح ، بل شاركتهم أتراحهم أيضا ، فقد كان أهالي العقبة يضعون سعف النخيل على جنازة الميت وعلى قبره بل ويزرعون النخيل بجوار قبور موتاهم .

أما تمر النخل فيعتبره أهالي العقبة جزءًا من مناسباتهم وأفراحهم ، فعندما يجني (العقباوي) التمر ، يقوم بادخار التمر الجاف(القصب) للمناسبات والأعياد ، حيث كان أهالي العقبة يوزعون التمر في الأفراح والموالد والمناسبات الاجتماعية ، ففي احتفال تخرج الطالب من المدرسة بعد ختمه للقرآن في الصف الرابع في منصف القرن الماضي ، يقوم الأهل بتوزيع التمر على المهنئين والطلاب .



النخلة سلوة الأطفال ومؤنسة الكبار

يدخل النخيل في كافة تفاصيل الحياة في العقبة ومن بينها الألعاب التراثية وألعاب الأطفال ، وأهم هذه الألعاب لعبة الطاب ، والطاب عبارة عن أربعة عيدان صغيرة تصنع من جريد النخل ويقذفها الأطفال على الأرض ويتبادلونها ، كما كان الأطفال يصنعون من جريد النخل الرماح والسيوف والسهام ، ومن العرجون يصنعون القوس ، فيتبارزون في معارك طاحنة بجريد النخيل في الحفاير وخاصة وقت جني المحصول .

أما نوى التمر فكان الأطفال يلعبون به لعبة (الجورة) ، وتبدأ اللعبة بحفر حفرة صغيرة ثم يقذف النوى فيها عن بعد ومن يدخل أكثر عددا من النوى في الحفرة يفوز .



النخلة في قصص وأساطير العقبة

ولأهالي العقبة مواقف وقصص تراثية طريفة مع النخلة ، فلا عجب مثلا أن تجد (العقباوي) يحدث نخله أو يداعبه وخاصة عندما يحرث الأرض أو يسقي الزرع ، فتراه يغني ويتغزل بنخلته كأنها فتاة أحلامه ، ولقد حفل تراث العقبة بقصص وأساطير النخل والتي تدل على مدى تعلق (العقباوي) بالنخلة ورعايته وإكرامه لها حتى أصبحت بعضا منه وأصبح بعضا منها ، ولكم روى الأجداد للأحفاد عن قصصهم مع النخلة ، فقالوا مثلا : إن نخلة فلان لم تثمر منذ موت صاحبها ، وأن نخلة فلان ماتت بموته أو مرضت بمرضه .

ومن شدة تعلق (العقباوي ) بنخله أنه ما إذا ما مالت النخلة أو سقطت فسرعان ما يحملها صاحبها إلى بيته فيعالجها ويغرسها وسط بيته لتحيا من جديد ، أما إذا ما ماتت فتلك هي المصيبة بعينها حيث يطول حزنه وأسفه عليها لدرجة أن أقرانه يواسونه بفقدها ، ولا يترك (العقباوي) نخلته حتى بعد موتها بل يزيل السعف عنها ويثبتها في سقف أو جدار بيته وإذا ما زاره ضيف حدثه عنها وكيف كانت وعن تمرها وعن قصة موتها لتكون حديث مجالسه وقصص أضيافه .



موسم جني البلح

النخلة هي شغل (العقباوي ) الشاغل وثمارها هو موسمه الذي ينتظره بفارغ الصبر ، فإذا ما بدت الثمار بالظهور أسرع إليها فقلمها ولقحها بالطلع واعتنى بها حتى ينضج تمرها ، ويبقى المزارع يتابع نخله ويتعهده وعندما يحين موسم القطاف في الصيف يتحول هذا الموسم إلى عيد وعرس فلكلوري ، حيث يعد أهالي العقبة العدة لهذا اليوم ويتجهزون له قبل أيام من قدومه ، وإذا ما أشرقت شمس ذلك اليوم خرج الجميع إلى حفائرهم واصطحبوا النساء والأولاد والطعام والسلال ، فيتسلق الرجال النخيل وتنشغل النساء بإعداد الطعام ويتراكض الأطفال في الحقول فرحين بهذا العيد ، وبعد قطف التمر يتم تجميعه على الحصر وسط الحفيرة ، ثم يتناول الجميع طعام الغداء تحت ظل النخيل ، ويشربون من ماء البئر ويستريحون قليلا . بعد ذلك يجتمع الشركاء في الحفيرة ويتم فرز التمر حسب نوعه وحالته ثم يتم تقسيمه على الورثة والشركاء حسب التقاليد المتعارف عليها .

ولم يكن موسم القطاف هذا يقتصر على (العقباوية ) فقط بل كان يتعداهم إلى جيرانهم البدو ، فهم شركاء أهالي العقبة في النخل ، وفي موسم القطاف هذا يتوافد البدو من الصحاري والبوادي المجاورة فيجتمعون في العقبة ويضربون خيامهم وسط المدينة في (سيح أبو سلامة ) وهي ساحة وسط النخيل والمنازل ، ويوقدون نيرانهم ، ويلتقون مع شركائهم من أهالي العقبة فيستضيفونهم لعدة أيام يقيمون الأسواق الموسمية و الولائم ويحيون ليالي الصيف بالرقص والغناء والسامر والدحية والرفيحي والعزف على الربابة والسمسمية فيتحول موسم قطاف البلح إلى عرس فلكلوري رائع .





التاريخ : 03-09-2010

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل