الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فيروز والرحابنة كتاب نقدي جديد

تم نشره في الجمعة 18 كانون الأول / ديسمبر 2009. 03:00 مـساءً
فيروز والرحابنة كتاب نقدي جديد

 

 
دمشق - سفيان أحمد

العودة لزمن فيروز ، هي عودة لبلاغة زمن ثقافي بامتياز ، ولعل ما يحمله استنطاق سيرة السيدة فيروز بالمعنى الشخصي والفني ، سيحيل إلى ما هو أكثر من مجرد تسجيل وقائعي ، أو إذكاء لهوى انطولوجي ، أو رصد محايد لتجربة عميقة وفريدة في الآن عينه.

بمعنى انفتاح الكتابة على عوالم متعددة وخصبة وذات دلالة تاريخية حاسمة ، لاكتشاف جغرافيا الماضي ، بل تلك الكينونة الفيروزية الباذخة الموجودة في كوامن "القارة الأسطورية" للغناء باحثة عن السياقات الدالة لعبقرية الصوت ، وعن جذوره داخل تربة التجربة ولتقتسم الكلام مع الحضور والصيرورة ، وبلاغة الإبداع ، مع ألق يؤسس تاريخه داخل التاريخ.

هكذا يقارب القاص والباحث والصحافي "أحمد عساف" في كتابه الجديد"فيروز والرحابنة" الصادر حديثا تجربة "فيروز" بعد أن استغرق وقته في التصنيف وإعادة القراءة ، وهو لا يدّعي أنه يقدم نقداً أكاديمياً لمنعطفات تلك التجربة وعلاماتها ، ثمة تأليف يجمع شذرات سيرتها ، لتتشكل من جديد رؤيا لا تقف عند ما أنجز لتعبره ، بل لتضيء مفاصل وسياقات لحضور سيد جليل بزخمه ، إذ لا جديد سوى الهاجس ، هاجس الباحث "عساف" ليبلور معرفة إضافية ، بما أدهشنا وأمتعنا طويلاً.. انه زمن "فيروز".

"أحمد عساف" في كتابه الجديد "فيروز ودولة الرحابنة" يقدم جهداً لافتاً ، يحفر في ماضْ مترع بالشغف ، فهو إذاً يجوب في تضاريس الأفكار والبدايات المؤسسة دون ادعاء منهج دقيق وصارم ، سوى كيمياء الرغبة بترتيب الوقائع وتنسيقها ، أي تنسيق تلك الذرى المعرفية المتداولة في الأعم الأغلب ، لكن تنضيدها بكيفية معينة يعكس للمتلقي تلك الرؤيا بالاستعادة التي تروي مجموعة الأحداث وهي تصوغ هرماً غنائياً عصياً على النسيان.

يلتفت الباحث في كتابه الجديد إلى تحليل الظاهرة الفريدة "فيروز والرحابنة" ، ويرى أن ثمة روحا خلاقة انتقلت في كل واحد من أسرة الرحابنة وأولادهم ، لتكون مزيجاً قلّما توفر في عالم الفن والغناء والموسيقى ، وتلك الإشارات لا تعني ذهاب الكاتب إلى التحليل والدراسة المستفيضة ، لكنها تمهيد لما يوثقه ويجتهد في البحث فيه كإطار مرجعي يعزز الاكتشاف ، لاسيما حينما ينقل ما قيل عنها لمبدعين وعمالقة وكتاب ومؤرخين من أمثال أم كلثوم ، ونزار قباني ومحمود درويش وغيرهم ، فضلاً عما كتبته الصحف مثل "لومانيتييه ونيوزويك" فهو يستهل بالبدايات والولادة والعائلة ، والأهم حبها للغناء ، استراقها السمع - آنذاك - إلى المذياع من خلال أبواب ونوافذ بيوت الجيران ، فتحفظ تلك الأغنيات التي تنبعث من مذياعهم ، ثم تبدأ بتردادها وهكذا.

والحال إن "فيروز" لا تخجل من حكايات طفولتها الحزينة ، كحكاية الحذاء الأبيض في الصيف ، وهي وليست "شهرزاد" ، هذا هو اسمها الذي اختاره لها "حليم الرومي" لتبدأ شهرتها ليس كمعلمة مدرسة كما كانت تحلم ، وإنما كفنانة أرست تقاليد عريقة في الفن والغناء منذ أغنية شهرتها الأولى في بداية العام 1953 بعنوان "عتاب" بتوقيع "عاصي ومنصور وفيروز" ، وهي تزوجت من "عاصي" رغم قناعتها بأنها لن تتزوج أبدا.

وهكذا توالت محطاتها الفنية مع أساطين التلحين "محمد عبدالوهاب" فيلمون وهبي وزكي ناصيف وسواهم ، إن دلالة "دولة الرحابنة" سنتعرف إليها من خلال وضع اسم الفنان الكبير "عاصي الرحباني" رئيساً فخرياً لدولة الرحابنة ، إلى جانب أسماء رؤساء الدول وملوكها وعظمائها ، ورد ذلك في المنجد في اللغة والإعلام ، اعترافاً بـ"عاصي" كواحد من عظماء التاريخ ، حينما يحكي عن الفن اللبناني في ريادته فكراً وكلمة وموسيقى ، ولنذهب مع مجاز دولة الرحابنة في دستورها المكون من ثلاثة أقانيم (الله ، الأرض ، الإنسان) ، وقانونها "الحرية ، العدل ، المساواة" ، وعهدها "الكرامة ، التضحية ، العنفوان" ، وركائزها "الفكر ، الموسيقى ، الابداع" ، وأركانها الثلاثة "عاصي ، منصور ، فيروز".

فالكتاب ينطوي على ما يشبه السيرة بالمعنى التاريخي ، السيرة التي توثق ، وتستظهر شغف البدايات ، خصوصاً حينما يذكر الباحث ان فيروز وقفت للمرة الأولى أمام الجمهور الدمشقي في عام 1957 وأنشدت في نادي الضباط قصيدة بردى ، لتطل من جديد في صيف عام 1963 على خشبة مسرح معرض دمشق الدولي... تتذكر السيدة "فيروز" ذلك بقولها.. "كلما سمعت فاصلاً من موشحاتي ، تذكرت دمشق وجمهور معرض دمشق الدولي بحرارته ودفقه".

ولأن شغلت حنجرة فيروز ومساحات صوتها وأبعاده ، النقاد والموسيقيين والمبدعين والدارسين ، فلأن أسلوبها المشرقي قد استمد من كل الروافد العربية العامة والمشرقية ، ليضاف إلى العناصر المميزة في معدن صوت فيروز وعناصر أسلوبها المميز.

ويلفت الباحث إلى الأساليب الرحبانية المطعمة بالميل للموسيقى الغربية ، ويذهب إلى استنتاج ان ثمة إغراقاً في الافتتان بالمساحات العليا من صوت "فيروز" على حساب المساحات الوسطى والمنخفضة ، وهي ملاحظة جديرة بالانتباه لجهة استقراء جماليات الصوت الفيروزي ، بحثاً عن المختلف والمؤتلف ، ومن الطبيعي أن يتوقف عند مسرح الرحابنة الشامل ، ليضع ثبتاً بأسماء المسرحيات يأخذ منحاً ببلوغرافياً ، يتضمن تحليلاً سريعاً ونبذة عن الأعمال من أشهرها: موسم العز ، بياع الخواتم ، هالة والملك ، وميس الريم ، وغيرها في مراحل زمنية متعددة ، تتوزع على الخمسينيات وإلى عام 2000 وإلى لحظتنا الراهنة ، وما يميز ذلك التحقيب حرص الكاتب على دقة معلوماته وتسلسلها ، ليحظى القارئ بتاريخ فني متواصل بمعطياتها الفنية أيضاً وعلاماتها الفارقة ، وكثافة نشاطاتها في الخمسينيات إلى وقتنا الحاضر حيث يقدم ملاحق كتابه صوراً إضافية ، تستكمل ملامح التجربة الفيروزية - الرحابنة - ومنجزها الغنائي الثري ، لتعود "فيروز" في مسرحيتها "صح النوم" والتي عرضت في دمشق في إطار دمشق عاصمة للثقافة العربية ، مؤكدة سعادتها بلقاء شباب دمشق الواعد ، فحضورهم وتفاعلهم أكد لها أن دمشق ستبقى قدوة الفن والثقافة والأصالة لأجيال.

ثمة حاجة معرفية تظل متعالقة مع النزوع للتأريخ تسكن الكاتب ، ليدهشنا بذلك الجهد الكبير ، حينما يروي السيرة مقتصداً سوى من الضروري ، لكأنه يحاور شعرية كبرى تظل إحدى أهم علاماتها "فيروز" ومسيرتها الإبداعية. "أحمد عساف" في كتابه النقدي الجديد يتكئ على لغة واضحة وشيقة ليقدم ما يفيد المختص والمهتم وعاشق الفن ، وهو يجمع نبل الفكرة إلى جانب حصافة المعلومة ، بكفاءة سرد ما نعرفه أو نتعرف إليه من جديد.

Date : 18-12-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش