الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رجاء بكرية: أن تكتب يعني أن تعثر على أجمل المُتَعِ

تم نشره في الجمعة 17 شباط / فبراير 2017. 12:00 صباحاً

حاورها: نضال القاسم* 

تمكنت رجاء بكرية من خلال ما قدمته من أعمال إبداعية أن تحقق وجودها وتميزها، مع أنها لم تستقر على شاطئ بعد. و رجاء بكرية  قاصة وروائية وشاعرة وناقدة سينمائية تكتب بوعي نظري، وبتوظيف واعٍ للأفكار والرؤى الشخصية من الكتابة ومن الذات ومن العالم، وكتابتها عميقة وسلسة وملتزمة بالمعنى الجمالي والفني. وقد بدأت الكاتبة شوطها مع الكتابة منذ ربع قرن، حيث صدرت في مدينة الناصرة مجموعتها النثرية الأولى عام 1991 بعنوان (مزامير لأيلول)، وصدر لها في عام 1995 رواية بعنوان «عواء ذاكرة» ولقيت أصداء واسعة في حينها، مما شكّل لها حافزاً للاستمرار في الكتابة، وفي عام 2003 صدر لها عن المؤسّسة العربيّة  للدراسات والنشر في بيروت مجموعة قصصية بعنوان «الصندوقة». أما روايتها (امرأة الرّسالة) فقد صدرت عن دار الآداب في بيروت عام 2007.  

ورجاء بكرية من مواليد قرية عرابة البطوف إحدى قرى الجليل عام 1972، وهي تعيش في حيفا منذ عام 1990، وهي حاصلة على بكالوريوس في الفنون التشكيلية والأدب العربي من جامعة حيفا وعلى الماجستير في اللغة العربية وآدابها، وقد نالت العديد من الجوائز الأدبية والثقافية، وشاركت في العديد من المعارض الفنية المحليّة والعالمية، في القدس وحيفا وفرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا وبلجيكا وإسبانيا والسويد. 

ولتسليط مزيد من الضوء على تجربتها الإبداعية والفنية فقد التقيناها في حوار خاص لصحيفة الدستور وكان معها الحوار التالي:

] كثيراً ما ترتبط بدايات المبدعين بمحفز ما، أو موقف ما، أو ذكرى ما، كيف كانت بدايتك مع الأدب؟  وما هي المؤثرات والروافد الثقافية التي أسهمت في تكوين تجربتك الإبداعية؟ وهل لطفولتك من تأثير على مشروعك الإبداعي؟ 

- البدايات سرٌ مفتاحهُ الطّفولة. كنتُ طفلة نهمة، أقرأ كلّ شيء، وأبحث عن أيّ شيء تقع عليه يداي، بما في ذلك الكتب الخاصّة بأبي عن عبد النّاصر، والثّورة العربيّة برغم عدم فهمي التّام لما عثرتُ عليه. كنتُ في عمر الثّامنة يوم بدأتُ أعتدي على كتبِ أبِي القليلة، وكُتُبِ أُمّي الغريبةِ في علاقاتِ الرّجالِ بالنّساء، حتّى أنّي ألغيتُ جميع الهوايات الّتي يتقنها الصّغار، وتفرّغتُ تماما لمشروع قراءة طويل اكتشفت معه عوالم سحرتني، كُلّما ازددتُ بحثاً عن خطوط تماسّها مع الرّوح والتّاريخ والجسد. هي متغيّرات ثلاثة بدأتُ اكتشافها باكرا بعيدا عن عيون أمّي المتشكّكة والباحثة، وسؤالات صديقاتي الغريبة، الّتي لم أفهم أسبابها يوما. 

تلك الطّفولة العازفة عن كلّ ما عدا الكتب بجميع ألوانها وأشكالها ورائحتها كانت بطاقتي لعبور الصِّبَا والشّباب معا. وما اختلف حقّا، بين المرحلتين، هو خطّ عبوري إلى مصادر قراءاتي. استزدتُ من ترجماتِ اللّغة العبريّة وتجربة كتّابها، كان يجب أن أفهم ماذا يكتبون عنّا وعنهم، فوجدتُ أنّهم طوّبوا الأماكن بأسمائهم على نحوٍ يُرعِبُ. الحقائق الّتي وجدتها هناك كانت مواجهتي الأولى مع عالم أصبح خارجيّا تماما عنّي.    

] د. رجاء، ما هي غاية الكتابة؟ ما علاقتها بالحياة؟ 

- أن تكتب يعني أن تعثر على أجمل المُتَعِ، وأنت تجرِّبُ قلبكَ، كي تنحاز لمشروع الحياة. بارتباكاتِهِ، وشكُوكِهِ، وتوابل شُخوصِهِ وأبطالهِ. هوامشهِ ومحاورهِ. بُكاءاتِهِ وأفراحِهِ. عتمِهِ وأضوائِهِ الّتي تختارَ شوارِعها وأرصفتها ومدنها. الحياة هي مُتَعُ ما أعثُرُ عليهِ مادّة لانتفاضةِ القلبِ وشغف المخيّلة. حين أقود سيّارتي  بغير هدف، أجاور البحر مشيا على رمله الرّطب، أو أسافر لمجرّد أن أعثرَ على أسواق غريبة، وأقف أمام نوعٍ خاصٍّ من الأسماكِ البحريّة لأتأمّل وجه الله في خلقهِ مثلاً، وأن أزور مُدُناً عِشتُها حُلُما لتصيرَ متاعي الشّخصيّ حين أختارُ الذّاكرة سكنا. لقد تنازلتُ عن حكايا عشقٍ كثيرةٍ مُقابِلَ أن أُبقِي على هذا العِشق، عشق الكلمة وخضرة جبالها. ولقد اكتشفت ليس بكثير من البحث، ولكن بقليلٍ من التأمّل أنّ علاقاتي بمعظمها كانت مسرحا لروايات، وقصص كتبتثها بفنيّة عالية حدّ الإنفصال عن أصولها. ولقد فهمتُ في هذه المرحلة، الورديّة من حياتي، هكذا أسمّيها، أنّها الحياة الوحيدة الّتي أقدر عليها.   

] لمن تكتبين؟ وهل تعانين من مأزق الورقة البيضاء، وكيف تبدو لك لحظة الكتابة، وماذا تقولين عنها ؟ وما هي القضية الرئيسية عند رجاء بكرية؟

- أكتبُ لكَ ولِسِواكَ. أكتبُ للرّجل الّذي أحببت، والّذي تركتْ والّذي سيأتي. أكتبُ للحياةِ وعنها. أكتب للمرأة المجروحة والمنتصرة فيّ أوّلا وآخرا، ولأنّي أضمّد خيباتي بمثلِ ما أطلقُ انتصاراتي أستطيع أن أفتحَ جرح قضيّتي بكثير من الوعي، كامرأة من مكان اسمه فلسطين احتلّه اليهود ذات يوم، وجعلوه  بهويّة مزدوجة. أجرؤ أن أنسى أنوثتي اليوم كي أسجّل بنفس الدقّة الّتي أمارسها في وصفها، نكبة وطن لم يعد وطني. أستعيده برائحة الورق، أعيش لحظات تاريخه فوق المساحات البيضاء كأجمل مكان يسعُ الذّاكرة.  

بالعادة يكذب الرّوائيّون حينَ يدّعون أنّهم يكتبون للآخر، مثلما يكذب العشّاق على حبيباتهم حين يضبطنَهُم في حديث أوّل فَجر مع امرأة عابرة لمجرّد أن يثبتوا قدرتهم على التّواصل مع كلّ النّساء. لكنّ الكتّاب غير العشّاق تماما يمكنهم الكتابة للآخر أو عنه، لكن ليس قبل أن يفكّوا إسار تجاربهم الشّخصيّة دما ودمعا فوق الورق، ليس قبل يتصارحوا علنا مع أعمقِ جُرحٍ فيهم. فما يسجّله الرّوائي خصوصا ليس ملكا له هو يجتاز خطوة مفصليّة في تجربته بعد أوّل مصارحة مع القارىء، ولا يمكنه أن يتراجع. يستطيع أن يغلق ورقَهُ وحياتَهُ لكن، إذا قرّر الإستمرار عليه أن يتابع مصارحاته الجزئيّة مع قارىء قرّر أن يثقَ بحرفِهِ وعِطره، ذلك لأنّ الحرف يستحيل مع الوقت إلى عطرٍ يخصُّ أًصابِعَهُ وقارئه.

ولذلك أتهيّب من فكرة الكتابة، وأمنحها من العشق ما أمنحه للوحة جديدة أوقظُ حياتها تحت الأقمشة، وليس لديّ إشكاليّة مع أرصفتها الخالية من خطوات المارّين عليها قبلي. أحبّ نصاعتها وقفرها. لا أخدش بدنها قبل أن تنضج صور الحالة الّتي  لاحقتُها، أو لاحَقَتني. لا أؤمن تماما بالخربشة، ولكن بالبعثرة. بعثرة الرّجال والنّساء وإعادةُ لَمِّهِم من تُرَبِ الحكاية.

] مفهومك للحداثة، كيف يتحدد؟ هل من داخل العمل أم من خارجه؟ من التراث الذي يجب الاتكاء عليه وتمثله، أم من الغرب الذي تنبثق منه الآن الحداثة ويؤسس لها؟

- أختلف مع كُثُر في تحديد معنى الحداثة، لأنّها لا تشغلني. وبرغم انكشافي على مصادرها وتعريفاتها غير أنّي لا أجدها مصدر جاذبيّة وغنى لنصوصي. شخصيّا أعتبرها قيمة نوعيّة عبر تذويت مفاهيمها، والتصرّف بما يلتصق منها في وعي الذّاكرة وغيابِها بتلقائيّة, كجزء من النّضج الفكري لي ككاتبة. 

الحداثة الّتي ابتكرها الغرب بعد تحقيقات أدبيّة طويلة موجودة لدينا بعمق ما للأدب الصّوفي من اختلاف وابتكار، وخروج عن مألوف اللّغة والمعاني، والإيقاع الدّاخلي لجرس الرّوح، ومنذ مئات السّنين. وفي سبائك المعلّقات المذهّبة، أليس في ترك امرؤ القيس لملكه، ونثر سبائكهِ على مخادع النّساء ضمن مفردة جزلة متداخلة الصّور في عصر أسميناه جاهليّا حداثة بالغة، مثلا؟ غالبا أعتبر التّجربة الصّوفيّة في الأدب الإنساني الإسلامي أوّلا، مصدرا ثريّا لتحديث الفكر عبر فلسفة نوعيّة نادرة, تشفُّ حدّ تَقلُّب النَّفسِ في مداراتها. هذا ما لم يبتكره الغرب، بل سحبهُ من موروثنا واشتغل على صياغته. 

] كيف ترين علاقة المرأة بالأدب ؟ وهل توافقين على تعبير الأدب النسوي والأدب الذكوري؟

- باعتقادي, على الأدب أن يُحْسِنَ استخدام مُحفّزات الأنوثة ليتعرَّفَ إلى مواطن سحره. ازدواجيّة المصادر الّتي تنهل منها المرأة الأدب تفرض عليها لغة أخرى من التّواصل مع الكلمة. وبالمناسبة، المرأة واعية جدا لهذا الإختلاف، لذلكَ يستطيع القارىء، غالبا، تمييز أنوثة الحرف من السّطرِ الأوّل، لكنّي لا أقبل أن تكون المرجعيّات السيكولوجيّة والبيولوجيّة  سبباً في تأطير أدب المرأة والإغلاق عليه، كحارة أدبيّة تخصّ النّساء دون الرّجال. فكلّ تأطير يُنتِج ثقافة جديدة دخيلة على المنظومة الأدبيّة، تنضوي تحت ما يسمّى ثقافة التّهميش. وتهميش أدب المرأة بذريعة نسيويّتها مسألة مرفوضة وغير محتفىً بها عندي. 

لا أتبنّى فكرة التّسميات الّتي تجىء بنيّة أن ترفع فتهشّم، ومع الأسف شرقنا ضليع في تهميش وتهشيم أدب المرأة دون أن ترفّ له عين لمجرّد أنّها امرأة. قد يتفاوت تأثّر المجتمعات الذّكوريّة بالتّسمية، لكن ما أعرفه جيّدا، أنّ الرّجل لن يتوانى عن استغلال أوّل نقطة ضعف يميّزها في كتابة امرأة، كي يمسحها. 

الغريب أنّنا شرق لا يحبّ، بل يعشق الحصر والعصر والتّأطير في معظم مجالات الحياة. فيه تمارس المرأة صفات الطالبة النّجيبة حسنة السّلوك. ولذلك يحدث أن يكون سقوطها أسهل ممّا تتوقّع. وحين تبصم المرأة، ولمرّة واحدة، على نسويّة ما تكتب تسلّم، سَلَفاً،  بفكرة سجنها الأبدي داخل مفردة، بحيث يقاس كلّ ما تكتبه مستقبلا على الأوّل مرّة.

شخصيّاً، قاومتُ فكرة تأطير ما أكتب، ولو أنّي مفتونة بأنوثتي ومعتزّة بنسويّتي. أعتب أنا على النّساء المحنّكات في رياضة القفز على الجليد، والرّجال الضّعفاء الّذين يعجبُهُم أن يغزلوا  رواية امرأة رخوة، ترى هل يتفقّدُ هؤلاء رجولتهم بعد أن يفرغوا من رغو المديح؟

     ] ماذا يعني المكان لرجاء بكرية؟

- حين توجّه سؤالاً كهذا لغير الفلسطيني سيجيبك بطريقة مختلفة. فقد يعني له امتطاء صهوة صحن طائر أكثر ممّا يعنيه مكان هبوطه. أما نحن، فهاجسنا هو موطىء القدم، وسؤالنا لا يزال، أين سأضع ساقي حين أستيقظ، لأنّنا شعب مهدّد يعيش فوبيا المكان، كأيّ مرض مستعصٍ. والتّكنولوجيا باستحداثاتها الكثيرة لم توفّر لنا آليّات لاختراع مكان نذهب إليه لمجرّد أن نعيش بسلام، فنحن نعيش على بخور التّاريخ، وتعنينا ديمغرافيّة المكان بمثل روحانيّته. ولا زلنا نعلّم أطفالنا أسماء المدن الفلسطينيّة، والقرى، وحواريها بإصرار. نقاطع التّاريخ الّذي يقرّر شواهِدنا الأثريّة دليلا على خيارنا بالهرب في أل 48. نحن ملاحقون بلا آخر بعكّا وحيفا ويافا، وفي كلّ مكان نصل إليه نغنّي عكّا فيغرق العالم موجا لا يراه سوانا نحن.

شخصيّا، المكان بعينيّ صورة لمدينة بموج وقارب ومجذاف. صبّار وقمح، شعيرٌ وسنابل وتُراب. أنا ممّن اكتشفوا هويّة المكان بعد النّكبة بعقود، وفهم التّاريخ على مُرّ، والجغرافيا على قضيّة حقّ يجب ألا أكون فيها الخاسرة، لذلك اعتدت أن أقطفَ المكان زهرا في المخيّلة،  وأجمعة حجارة على الأرض. ولأنّه هويّة قبل أن يشكّل خارطة جماليّة تفتن العالم، لا نوافق على مصادرتهِ غيبا ووعيا، ولا يجوز أن نتجاوز تقنيّات سَلبِهِ من قبلِ اليهود، ولو في الأدب، بدعوى المخيّلة. هكذا أرسلونا ذات يوم عبر ذات المُخيّلة، فاجتزنا جبالا وبُحورا معلّقين بحبل عودة وهميّة.

والآن أعد سؤالك عليّ، سأجيب، «المَكان، هو أنا»  

] ثمة دائماً سر خلف نجاح أي عمل إبداعي، فأين يكمن سر نجاح رجاء بكرية في رواية (امراة الرسالة)؟ وما هو برأيك الشيء الجديد الذي يميز هذه التجربة عن بقية أعمالك الإبداعية؟

- (امرأة الرّسالة) شكّلت بطاقة عبوري الحرّ إلى العالم، والعربي خصوصا. عالم ينكرني كفلسطينيّة ذات هويّة نصفها حقيقة ونصفها الآخر خيال. حين كتبتُ هذه الرّواية، واطلِقت، مباشرة بعد حرب لبنان الثّانية، كنتُ أقف خلف قرار واضح،  أنّ صَوتي سيصل إلى العالم العربي برمّته، عبرَ عراقةِ الأماكن ووجع الحكاية. فالرّواية عموما تزخر بالحكايا عن المدن الفلسطينيّة عبر قصّة عشق عاصِفة حدثت بين رجُلٍ من عكّا وامرأةُ من حيفا. رحلة شاقة قطعتها الأنوثة، عبر حقل ألغام نَثَرهُ رجلٌ في بدنها أوّلا، وعلى أرصفة الرّوايةِ طولا وعرضا. ولعلّ المعاناة، تطرّف المعاناة في الحكاية مقابل تطرّف العشق هو ما أوجع كلّ من قرأها خصوصاً وأنّها حدثت في محيط وَجِعٍ أيضا. يوميّات السّجن والعشق عبر رسائلهما تصنع حالة نادرة للشّوق والشّجن. 

وسط ذلك كلّه تثار قضيّة فلسطينيّي الدّاخل الفلسطيني. علاقتهم بالدّولة الإسرائيليّة، صدامهم اليومي بالمجتمع اليهودي. تمزيق كرامتهم في مطارات الدّولة، وكيف يحدث أن تلبس تهمة جنائيّة أي فلسطيني مرّ لحظة انفجار ما لمجرّد أنّه فلسطيني، ولو كان فنّانا لا يفهم أبعد من ألوان الغرف الّتي يُصَنِّع فيها شُخُوصَهُ. ولعلّ الجزء الحقيقي المُقَشعِر في هذه التّجربة أنّ حكاية الحافلة الّتي انفجرت بعد خروجها من الكابري إلى إحدى محطّات عكّا شكّلت المغناطيس الّذي استقطب القرّاء. النّازحون شأن الموزَّعين في أقطار العالم، والضّمير الإنساني عموما. هناك تمرّ الكابري وشوارع عكّا كَمَحطّاتٍ، لا تزال، تستوقف الذّاكرة النّازحة حتّى يومنا هذا.

لقد نثرت المرأة شِعْرها على طول الرّواية، مستغلّه نَفَسها الطّويل في فنّ الوَلَه. شخصيّة مزدوجة خلطت توابلَ العشقِ بالسّياسة والمجتمع، صَدَمتْ الأنوثةَ بالذّكورةِ، وأثّثتْ روحَ من يقرأُها بالمواجهة، وحشدتْهُ بالإستفزار. يُضافُ لذلك فَرْضِي لمسألةِ الجنس في مجتمع يعاني من الخوف والرّببة تجاه هكذا مواضيع حساسة. فالجسد رؤى فنيّة بالدّرجة الأولى يجب أن تتجاوز حساسيّتها في شخصكَ كي تبدع فيها، كي توردها كجزءٍ ممّا تعرفهُ عن الحياة والكون. وأن تصل لجماليّات الجسد في أعلى صور تجلّياته يجب أن تمتلك القدرة على تجاذب عالمين المادّة والرّوح معا، هذا هو الجسد بمفاهيمه الجنسيّة. كيف تقدّمه لقارىء يحتاج أن يحسّ بكينونتهِ دون شعورٍ بالذّنب أو الخوف، وهذه هي حرفيّة الموهبة.

وتلك الحالات والشّخوص الزّخمة الّتي قدّمتُها لا تبعد كثيرا عن الحاصل في فلسطين الـ 48. لكنّ التّلميع الفنّي بطبيعة الحال، يمنحها من أبعاد الفتنة ما لا يمكن تفسيره إلا بالقراءة. أتمنّى أن أراها مترجمة للغات العالم عمّا قريب.    

] كيف تقرأ الكاتبة (رجاء بكرية) تأثير الربيع العربي على المشهد الإبداعي في السنوات القادمة؟

- نحن نحتاج ربيعاً أجمل من ربيعنا القاحل هذا، ونستحقّ حقولا بخضرة أعمق أثراً على حضارتنا وتاريجنا. ما يحصل الآن أنّا نعود لما قبل الوثنيّة بعقود، وننسى أثر عصورنا الزّاهرة على حضارات العالم أجمع. انشغلنا بالرّدحِ على مخلّفات الدّم، ونسينا العِطر، نسينا الورد. خالفنا العقيدة، واعتنقنا البدعة. نعم ما يجري في ربيع الدّول العربيّة بدَعاً فرّضَها الفّراغُ، وانمساحُ الثّقافة.

ولا أشكّ أنّ أثرها آنيٌّ، فالمدن الّتي تحضّرت على دلالِ الورق لا يمكن أن تدوسهُ وتمشي على خطى الأرَق. لكنّ الجيل الّذي يعاني في عقرِ تاريخِهِ سيستغرق وقتا لتجاوز ندوبِ مآسيهِ. كلّ هذا  يحدُثُ بسبب زحف همجيّ لقبائل شربت من بئرِ بُؤسِها، وجفاف منابعِ روحانيّتِها.   

] ما هي حدود العلاقة بين الأدب والحرية من وجهة نظرك ؟  

- شخصيّا أعتبر الحريّة مرادفا نوعيّا لسيرورة الكلمة. لا أستطيع أن أرى كبتا وخنقا لمشاعر الحرف وإبداعا. قد يحدث إبداعا لكن على جُثّة الحرف. وسجّاني الكلمة لا حضور لهم في حياتي. ولعلّه من الطّريف أن أذكر بعد سنوات شرط رجل مرّ في حياتي، ملخَّصاً بتنازلي عن إهداء امرأة الرّسالة لأجلِ أن يتابع ترجمتها، وطبعا خَسِرَني، وخسرَ رهانَهُ. لا تَنازُلَ، إلا إذا كنتُ على قناعة أنّ من أتنازل لأجله يثمّن قيمته، ولا اعتذار إلا إذا كنتُ أعرف مسبقا أنّ من أعتذِرُ لهُ يقدّر مساعيّ لاحتوائه. وفي الكتابة لا آخر لحدودِ الكلمة، ولا يمكن الحدّ من بُعد الأُفُق الّذي يصل إليهِ انطلاقي. خُطوطي أعرفُهَا جيّدا بما فيها البيضاء، لذلك لا مساومة على الحريّة حين يجري الحديث عن حدود الكلمة، لا حجمها، ولا شكلَها.  

] رجاء بكرية، ماذا عن سلطة النقد؟ وما هو تقييمك للحركة النقدية في فلسطين وكيف يخدم النقد الحركة الثقافية؟ 

- ما دمنا نستعرض الأزمات، فأعتقد أنّ النّقد وحده في أزمة، وأزمة حقيقيّة لا تُداوى. وباعتقادي يجب أن تحدث سابقة في الكتابة حتّى يعلن النّقد أنّه على قيد الحياة. الغريب في شكل الحالة، حالة الحياد البارد، أنّ النّقد استحال شأن عُلَب التّموين، لقطاع خاص جدا شريانه العلاقات الشّخصيّة الفاجعة. وكلّ من لا يفهم في معايير الأدب أصبح يعتدي على لغة الأدب. بهذا المعنى، أصبحت قلّة الأدب معيارا لنقدهِ. وتمّة رتل طويل ممّن يشتغلون في القانون والمحاسبة والاقتصاد يشكّلون نسبة عالية من نقّاشي الكلمة، ومُعلِّقي الرّأي. وأن يجرؤ محامٍ أو محاسب على نبش تجربة روائيّة، بدل جريمة جنائيّة  بتلك الفِجاجة، أوجع مصيبة يمكن أن تضرب قوما.

وهذا تماما ما يجري في فلسطين أل 48، وبرأيي في أقطار أخرى من العالم. صفوة النّقاد تعرف أنّ قلّة الأدب الجيّد تفرض عليها لياقة الصّمت، وهذا غير صحيح. وفي هذا السياق عليّ أن أعلن اعتزازي بالنّاقد ب. ابراهيم طه، الّذي يحترم الكلمة حدّ شجاعتهِ في جَرحِها حين تسيء لمعايير الأدب. 

لقد شرّعَتِ المنتديات الأدبيّة ازدهار ثقافة ضحلة، وأجازت رواج بضاعة سيّئة في الشّعر والنثر على حدِّ سواء، والشّعر خصوصا. والغريب أنّ القائمين عليها لا يفهمون أنّ ثراء مصادر دعمهم لا يعني بأيّ حال ثراء ما يروّجون له. استغربتُ، مثلا، الإحتفاء بروائي طبع نهاية روايتي «امرأة الرّسالة» أسلوبا ومضمونا. أليس في هذا النّقل ما يعيب على الأدب خزفيّيه، وعلى النّقدِ نُدرةِ المتبحّرين فيه؟

في أجواء خريفيّة يتساقط فيها كلّ ما حولك لا تملك أقلّ رغبة في المحاججة والنّقاش، بل المزيد من الإصرار على تسجيل رؤياك الرّوائيّة بقتنة تَشُلّ حفلات التّخريب في الأدب. أنت لن تنهي الفوضى، ولا الإعتداءات على قيم الجمال، لكنّك تستطيع أن تفرض مرايا جديدة يرى الجنائني، وطالب المدرسة، وربّة البيت، شأن المرأة العاملة ورجل السياسة أبعاد الجمال عبر تكافل المسافة.      

] في رأيك، أين تكمن سلطة المثقف؟ وماذا تقولين عن واقع الثقافة العربية؟

- في مسار الثّقافة الأدبيّة، الرّوائي والقاص هما مصدر التّأثير. هُما وليس المثقّف. المثقّف فكرة تابعة لرؤيا الذّي يكتب في الثّقافة، والمثقّف كمتلقٍّ وفاعل يملك سلطة استمدّها من الكاتب عموما بغض النّظر عن تخصّصهِ الأدبي. شخصيّا أعوّل على دور الكاتب، وأثره على الأجيال. حتّى الرّوائي الّذي يكتفي بإصدار رواياته يملكُ سُلطة عُظمى على المحيط الإجتماعي والثّقافي عموما. فالمتلقّي يظمأ لما يجدّد قريحة قلبهِ حينَ يَهُبُّ عِطرا خفيفاً ناعما على وسائد قلبه فيلقي عليها ظلّ رعشة، وكمشةُ أثَرْ.  

وأضيف أنّ المجتمعات العربيّة تستطيع أن تملأ الأسواق والبطون، وتسدّ جوع الشّهوات، وتحقّق سبقا في صيحات الرّفاهيّة باختلافها، لكنّها لا تستطيع سدّ جوع الرّوح، لكنّ أدب القريحة الخصبة يستطيع أن يملأ ظمأ بشريّة واسعة، ويهذّبها بتعقيداتها وقسوة طباعها. الفنّ الجميل وظيفته أن يُكسِب العقل مرونة والرّوح شفافيّة، ويُمدّهما بأجنحةٍ وهمية لتحرير النّفس من شرورها وصحرائها. وسلطة الكاتب هنا بعيدة إذ يستحيل إلى نموذج للقيم المنسيّة والمبتكرة. 

نحن اليوم بحاجة ماسّة للمثقّف الإيجابي الّذي يملكُ التّأثيرَ في الجُموع، لأنّنا نملك جموعا ضائعة، قليلة الحظ في فهم واقعِ قدراتها الخام، وتحتاج إلى صفعة قلب كي تتأكّد ممّا لديها.  

] ماذا عن أحلامك المؤجلة؟ ما هي تطلعاتك ورؤاك حيال مستقبل الثقافة والمثقفين في فلسطين؟ وبماذا تختتمين هذ الحوار؟

- لأنّها مؤجّلة لا يُقالُ عنها الكثير، ولن أتوقّف عند كثير أو قليل ما أعتقده عن الثّقافة الفلسطينيّة ومثقّفيها. قلتُ الكثير، ولن أتوقّع أكثر ممّا يبذُلُهُ كلٌّ منّا كي يصلَ إلى ذاتِه لِيُدهِشَ أناهُ أوّلا، لأنّها اختبارهُ أمامَ مَراياهُ، وأمام المرايا لا نقبل الخُسارة. 

همّي الآن روايتي الجديدة، «عَيْن خفشة» الرّواية الّتي أمضيتُ ستّة عشر عاماً في كتابتها. رواية ستقول الكثير عن حجرتي السريّة الكبيرة في فلسطين ال 48 . والقرية الفلسطينيّة تحديدا. ولديّ عمل آخر للصّبيان أنشغلُ بوضعِ اللّمسات الأخيرة عليه. أحاول العودة للّون من جديد، ووسط ذلك أهجس بعمل روائيّ جديد يخيّل إليّ أنّي سألتقي شخوصهُ قريباً، والباقي في جيبِ السّترةِ الدّاخليّة للشّتاء القادم. سيحملُ لوعة تكفي ليبكيهِ بحرٌ كبير، ويرتفعُ فوقهُ كرمِلٌ جديد.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل