الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تعدد الخطابات قراءة في «وقائع ليلة السحر في وادي رم» لتيسير نظمي

تم نشره في الجمعة 17 شباط / فبراير 2017. 12:00 صباحاً

د. محمد عبدالله القواسمة *

الظاهرة التي تلفت الانتباه في العمل الذي نهض به تيسير نظمي « وقائع ليلة السحر في وادي رم»(عمان: المؤلف، 2016) تعدد الخطابات وتنوعها، فتواجهنا خطابات سردية حكائية، وسردية تاريخية توثيقية، وخطابات شعرية وحوارية. تنبثق كلها -كما يقول العنوان - في ليلة غريبة مليئة بالأحداث التي يمتزج فيها الواقع بالخيال. 

تبدأ الخطابات السردية بحدث مهم، يتمثل في هبوط كائن فضائي في وادي رم حيث كانت الاستعدادات تجري لبدء احتفالات مهرجان جرش لعام 2004. ويختفي هذا الكائن دون أن يحدد العمل مكان اختفائه؛ أكان بين شقوق مرتفعات رم أم في الرمل الذي تكوّن في الوادي من المحيطات والبحار القديمة. 

ويرافق هذا الحدث وصول الرحلة السياحية، التي أعدتها إدارة مهرجان جرش لمجموعة من الصحفيين والمثقفين العرب والأجانب إلى المكان، وتبدو من بينهم شخصيات بأسمائهم الحقيقية، وتصل الرحلة الى خيمة نُصبت في الصحراء وقد جُهّز لأعضائها عشاء فاخر. 

ونجد ضمن الخطابات السردية نصوصًا تقترب من القصة القصيرة، مثل ما جاء تحت عنوان «الشمس لها قاطفًا»، فهذا النص ينبني على حدث يعلن فيه السارد عن هويته، وهو تيسير نظمي، يسرد لابنته عما وقع له ذات ليلة عندما سدت في وجهه الأبواب، لا يملك من المال أجرة سيارة تقله إلى مكان يؤويه، فيلجأ إلى بائع القهوة أمام جريدة الدستور، يصعد معه في سيارة استأجرها ليصل إلى مكان سكنه. يترجل السارد في الطريق ويسير وهو يرغب في المشي طوال الليل؛ لأنه لا يملك حتى ولو دينارًا واحدًا يكفي لينام في فندق رخيص في وسط البلد لكنه كان يخشى أن تصادفه دورية أمن فتشتبه به. هكذا ظل يمشى في شوارع عمان حتى تعبت قدماه، واهترأ حذاؤه. وتبلغ المأساة في داخله حدًا لا يطاق، وهو  يتأمل البنايات الشامخة والسيارات الفارهة التي تمر عنه؛ عندما يرى عمان مدينة ناكرة لأمثاله، كارهة له: « عمان أخذت شمسي وما زالت تنكرني، لا لشيء سوى لأنها مدينة عمياء أبصرها كل يوم لا يمكن لها أن تراني لمرة واحدة «(ص159)

وإذا كان هذا النص يقترب من القصة القصيرة ذات الفكرة المتمردة على الواقع، فإنه يرد بضمير المتكلم الذي يتبناه تيسير نظمي نفسه. والحقيقة أن في العمل رقاعًا أخرى من النصوص تكشف عن شخصية نظمي بوضوح. فقد ورد ما يشير إلى علاقته بناجي العلي في أثناء وجودهما في الكويت، فيتحدث عن لقائهما وناجي متوجه إلى جريدة القبس ومعه محمد الأسعد. يسأله عن أسباب صمته؛ فكان أشدَّ ما يزعج ناجي الصمت، ويتولى الأسعد الإجابة عنه. ويفجر هذا اللقاء مونولوجًا طويلًا تتداخل فيه الأمكنة والأزمنة، وتمتزج فيه الذكريات عن تلك الحياة التي عايشها تيسير منذ مجيئه إلى الحياة. يقول: «إذا صحت النظريات العلمية عن التكوين فإنني بدأت أتشكل في أجواء جنائزية جعلتني فيما بعد قريب القلب واللسان من جنوب شرق تركيا ومن الموسيقى والتراتيل الحزينة أكثر مني قريبًا من الفرح، توالت الخسارات ومتتاليات الفقدان في كل شيء وصولا للنصف قرن الذي عشته»(ص102-1039)

ومن الخطابات التاريخية الخطاب الذي ورد تحت عنوان «عمان.. نخبة الدهر في عجائب البر والبحر» وهو عنوان يلتقي مع كتاب شمس الدين الأنصاري (727هــ) عنوانه «نخبة الدهر في عجائب البر والبحر»  يستعير نظمي الجزء الكبير من العنوان ليظهر اهتمامه بعمان على نكرانها له، وهو بحق بحث علمي متماسك يمكن بعد تشذيب قليل نشره في مجلة تاريخية أو ثقافية، يتناول الحديث عن عمان من العهود السابقة حتى العصر الحديث، اعتمد فيه تيسير على المصادر التاريخية، مثل:   كتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة (ت 893م) والمقدسي (ت990م) في كتابه أحسن التقاسيم، وعبدالله البكري الأندلسي (ت 478هـ) في ومعجمه معجم ما استعجم. وكما استعان في وصف عمان بالمؤرخين المحدثين مثل عبد الكريم غرايبة في كتابه «سوريا في القرن التاسع عشر 1840_  1876» والمستشرقة فرنسيس املى  نيوتن في كتابها «خمسون عاماً في فلسطين « التي زارت عمان عام 1900، وقالت عنها بانها «خربة شرقية قذرة» ص163، ونزل بها عام 1921م خير الدين الزركلي وذكرها في كتابه ( عامان في عمان) بأنها قرية قليلة السكان، ضئيلة المباني مظلمة السبل....»(ص164)

أما عن الحوارات التي ترد فيلاحظ أن بعضها يتم على شبكة الإنترنت باللغة الإنجليزية بين أعضاء الرحلة السياحية(ص40-41) وبعضها يجرى في رسائل أو في كلام عادي بين الشخصية الساردة وبعض الشخصيات الحقيقية. ومن أهم هذه الحوارات ما كان مع رجال الأمن حول فقدانه بطاقة الأحوال المدنية، والذي انتهى بتوقيفه في المركز الأمني(ص45-46)

وترد في العمل ثلاث قصائد تقرأها شخصية تدعى روديكا: القصيدة الأولى هي «وقت لاستحمام الديناصورات» لا تتناول الديناصورات كما في العنوان بل تتحدث عن تردي الشعر في العصر الحالي؛ فهو فارغ المعنى وعديم الموسيقى:»إنه كلام منثور منثور / لم يعد يصلح إلا  للمهرجانات»(ص103)، والقصيدة الثانية عنوانها «وحشة الطريق» وفيها يتبدى الفراق والوحدة والإحساس بالنهاية والمصير المجهول: «إننا فقط ماضون / ليظل وحده الطريق»(ص145)، أما الثالثة فعنوانها «امرأة الكلام» وتبدو فيها شخصية المرأة فاقدة الأنوثة شرسة ومتمردة، كأنها كما ورد وصفها في موضع آخر:» كلما اقتربت منها استعدت للنزال» (ص136)

كانت هذه أشكال الخطابات التي استخدمت في «وقائع ليلة السحر في وادي رم»، وهي تثير أسئلة عن هذا الكائن الفضائي الذي تردد ظهوره في كثير منها، وكذلك عن الجامع بينها، والعلاقات التي تربط بعضها ببعض. 

من الملاحظ أن الكاتب لا يفصح عن حقيقة هذا الكائن الفضائي ودوره النصي، فهو يشير إلى أنه قد يكون تيسير نظمي نفسه بصفاته الرصيفية، كما يبدو في الحكاية التي وردت في  الرقعة النصية التي جاءت تحت عنوان «ختيار السيرفيس»: ففي يوم قائظ يحل السارد عمان قادمًا من الضفة الغربية، ويصعد إلى السيرفيس، ويجلس في المقعد الخلفي، يسأله شريكه في المقعد إن كان من الضفة، فيجيبه بسخرية إنه من المريخ. وهنا تحدث المفارقة عندما يقول الرجل إنه ساكن هناك، أي في جبل المريخ. 

ويظهر الكائن الفضائي بأنه رمز واضح للقوى الخفية التي تمارس عملها في المنطقة في رسالة الراوي السارد إلى السيدة شيند، وهي شاعرة أيرلندية. يقول السارد: «أريد أن أسألك أنت بالذات عن الكائن الفضائي الجاري البحث عنه بسرية تامة هذه الايام في ربوع الشرق الأوسط الصغير ..»(ص21) 

ويبدو في موضع آخر أن هذا الكائن الفضائي لعبة اخترعت من أجل خلط الأوراق، وتشتيت الانتباه عن قضايا مهمة في المنطقة، أو أنه مخلوق غامض يظهر في مكان ويختفي من مكان آخر، وبناء على حركته تلك كما نقرأ في العمل:»فإن التطورات وربما كوارث قد تقع في أنحاء متفرقة من العالم ويبقى السؤال: لعبة من هذه المرة حكاية الكائن الفضائي؟ وهل هي إعلامية سياسية أم لمجرد الهاء الرأي العام عما يجري في فلسطين والعراق من تطورات» (ص 44)

أما عن الجامع بين هذه الخطابات وميزاتها فيمكن القول إنه يتمثل في أنها تدور كما يظهر من خلال العنوان « وقائع ليلة السحر في وادي رم» حول غرابة هذا العالم، وبيان أن ما يجري فيه يشبه ألاعيب ساحر؛ لهذا لا غرابة في أن تتعالق هذه الخطابات وعتباتها بتعاليات نصية مختلفة؛ فعلى سبيل المثال، تلتقى مفردة «وقائع» الواردة في العنوان الرئيسي بعنوان رواية إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» ورواية ماركيز «وقائع موت معلن». وتحيلنا بعض العناوين الداخلية، مثل عنوان «العشاء ما قبل الموسيقى» إلى ما ورد في «العهد الجديد» عن عشاء السيد المسيح مع تلاميذه قبل اعتقاله ومحاكمته وإلى لوحة «العشاء الأخير» ليوناردو دافنشي، ويذكرنا عنوان «النمور في اليوم ال23» بقصة زكريا تامر «النمور في اليوم العاشر».

وفي النهاية، يمكن القول إن ما جاء تحت عنوان « وقائع ليلة السحر في وادي رم» بنية خطابية كلية تتكون من بنيات خطابات متعددة، تقدم من وجهة نظر الراوي الغائب أو الذاتي القريب من الكاتب تيسير نظمي، من خلال استدعاءات زمكانية توالت على شكل موجات وقفزات فكرية وتخييلية دون اهتمام بالتجانس والتلاحم بينها، ودون اهتمام باللغة وسلامتها حتى إن بعض العتبات النصية جاءت بأرقام لاتينية. إنه التمرد التام على كل شيء، ولكنه حقًا تمرد مثير يشير إلى الحس المتوثب لصاحبنا تيسير، وينبئ بثقافته الواسعة. 

 

* روائي وناقد من الأردن

 

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل