الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«أكلتني الشجرة».. أن تربي القصيدة في الداخل

تم نشره في الجمعة 17 شباط / فبراير 2017. 01:00 صباحاً

عاصف الخالدي *

أبحث بين القصائد عادة، كقارئ، أبحث عن سهم يصيبني فيتدفق مني الخيال، في قصيدة، في مقطع أو مشهد، وتكفي الجملة أحيانا، لتأخذني معها في الخيال وفي البعيد، أو، لتخدش موطناً في روحي، وتترك أثراً ما. وعادة، حين أقرأ قصيدة من هذا القبيل، فإنها تظل معي، ولا تنفك تكبر وتكبر، كأنني أربيها في داخلي. فلا أعود اتذكر من كتبها أحياناً، وفي أحيان أخرى أنسى، وأنسى، حتى أظنني أنا، من ولدت من هذه القصيدة، قرأتني كأنني لم أقرأها يوماً. فماذا إذن عن قصائد جميلة كهذه، وماذا لو ربيت شجرة في داخلك كما القصيدة، في أرض تقل فيها القصائد، ويولي الشجر القليل فيها ظهره، إلى الريح. 

« كأي قطعة أثاث تمر عنها يدها، يتطاير الغبار حول رأسي» 

لعل الشاعر يعيش حالاته المتنوعة محاولاً التماهي مع روح الأشياء، ويقيس علاقته معها من خلال الشعر نفسه، فهو يبحث أولاً عن الشعر الكامن في كل شيء حتى الغبار، لأن روح الأشياء كلها شعر في النهاية ربما، ولأنه يغيب عن نفسه ليختبر شعور الأشياء تجاهه، ومن ثم شعوره هو لو كان شيئاً مختلفاً عما هو عليه، يدها التي تمر، لا تمر على رأسه إنما تنفض كتلة غبار. ولعله يتغلغل في كل المكان إذن، ليبقى فيه، ولا تتجاوزه اليد بأي حال، ولا يتجاوزه الزمن. 

من زاوية أخرى، أعتقد أن الشاعر: «محمد عريقات»، في ديوانه هذا «أكلتني الشجرة، صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر مؤخراً» استطاع فعلا أن يربي الشعر في داخله ككاتب أيضاً، فعباراته التي استخدمها كانت بسيطة، لنقل يومية ومتداولة، وتحيط بالفرد في غرفة بيته أو في مكان عمله وإلخ. لكن الشاعر برأيي لم يعتمد على رؤية الأشياء وعادياتها اليومية، بقدر ما حاول أن يسألها إن كانت تراه أم لا، والأهم أنه لجأ للتعبير عن حالاتها المتنوعة، وما فعله بها الزمن، أو الوضع المؤلم، أيا كان دون تحديد. فقرر وضع نفسه في الغياب، واحتمى بصور الأشياء المتكررة في يومياتنا، تلك التي لا نراها من كثرة ما هي موجودة، فغامر الشاعر بشكل جميل وحاول جعلها تراه:

«واللمبة المتدلية لم تعد مشنقة للظلام والفراشات» 

ثم يعود وينهي قصيدته الأولى مؤكدا تماهيه هذا: « كأي قطعة أثاث تمر عنها يدها يتطاير الغبار حول رأسي دون أن أسعل، فلا فرق بين أنفي والنقش المحفور في ترويسة السرير».

في المقابل، الأمكنة داخلية، والأزمنة داخلية، ولا يفرق بينها سوى أنها دائماً على النقيض. وبالطبع، لطالما كان الشعر على النقيض أحياناً، ربما، من القمع، من الحزن، أو من الخريف، حين تكون الحبيبة «مزهرية الله على طاولة الكون» كما يقول الشاعر، خضراء أبداً كقميصه الأخضر الذي يعبر قفار الروح والمدينة وهو يرتديه. أو بين العتمة والنور حين يرى الشارع الذي لا ينفكون يزرعون فيه أعمدة النور التي لا تثمر أبداً، فيظل الشارع في الظلام!. وفي مشهد آخر، في يوم حارٍ جداً، فيما الشاء يتلاطم في جوف الشاعر، حين تنتابه القسوة فتحطمه فيسأل : « من ينتبه إلى مكنسة القش مدحورة في ظل الزاوية، لحظة تحتفلون بثريا السقف». 

في الواقع، ربما لن يتذكر أحد تلك المكنسة إلا في حال تشظت تلك الثريا، فالشاعر يبحث عن الشظايا، وينتزعها طوال هذا الديوان ليقدمها في قصائد، شظايا الذات، والحياة، والأمر الواقع الذي يرفضه في كل قصيدة وفي كل مرة، ويعود ليحتمي بما ترويه الأشياء عن نفسها، ولا يقبل ربما بأي عاديات، جاهزة. 

«قلبي يتضخم كالفطر في الظل، 

فالخميرة سقطت في جرن حزني».

ربما، كان من الحماقة، أن يبني الإنسان الصروح الكبيرة، لتحوي معاني كبيرة، الحقيقة تمكن في أن المعنى له موطن واحد، هو الإنسان نفسه. وأن تحبس المعنى في مبنى، فمعناه أنك تحبس هذا الإنسان بحد ذاته، وتلزمه بما لا يلزم. وسيصير لزاماً عليه حينها أن يبحث عن التفاصيل، وأن يحفر ولو بشوكة الأرض، بحثاً عن فرحه أو خلاصه، كما أنه سوف يغني ويسخر، ويستخلص الشعر حتى من الرماد. إن عزلة الإنسان في مدينته، في مبانيه، لم تنسه يوماً، كيف يعثر على الشعر، هذا الإنسان، هو الشاعر. «عتبي على قلبك الذي يرسم بالأسود أحلام الغلابى، تعالي نتعلم المحبة من قسوة الوحش، فعلى أكتافك تترامى البيوت كالثآليل، باردة وعمياء».

 عثرت في هذا الديوان على ما أصابني كقارئ، وبقيت في خيالي، مع العزلة، والأشياء المقموعة التي ينطق الشاعر بها حتى لا تصير عادية أو يأخذها الغياب، مع الحب، كوجهة نظر في مقابل قبح العالم، مع الكلمات التي تخدش القلب، والشاعر يتحدث عن قلبه المليء بالخدوش كركبة طفل. طوال ستة عشرة قصيدة هي قصائد هذا الديوان، والفرح الممزوج بالحرية، طفل يقف خلف الباب، يطل بعينيه، ولا يدخل، هذه القصائد تناديه، لعله يترك غيابه، ويدخل، إلى غرفة الشاعر، والقارئ، ويلمس حياتنا من جديد. 

«بالنكتة والإزميل، تستعين الابتسامات لتسهر ممجوجة في صورنا، الفرح الذي انتظرناه تدلى مشنوقاً من جرس الكنيسة، والطمانينة فوق، ترتعد على رأس مئذنة، لنتجمهر دونهما، حول طاحونة الهواء». 

 

* روائي ومترجم من الأردن

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش