الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بعيدا عن السياسة، قريبا من الينبوع

محمد داودية

الثلاثاء 20 حزيران / يونيو 2017.
عدد المقالات: 138

كان الراتب الشهري 20 دينارا و 18 قرشا فقط وكان الدوام طويلا ومتعبا 6 ايام في الاسبوع. كان في الراتب بركة. كان يكفي ويفيض، أقدم منه الى أهلي 9 دنانير شهريا وادفع منه أجرة غرفة دينارا شهريا، وبدل خبز قمح شراك طازج ساخن يوميا مع بيض بلدي نصف دينار في الشهر.

ومرة في الشهر، كنت ادفع دينارا ونصف الدينار بدل مواصلات، أركب عصر الخميس من الشوبك الى معان الى عمان الى الزرقاء فالمفرق!! واعود مساء الجمعة!! ودينارا ونصفا لشراء روايات ودواوين شعر ومجلات سياسية، ودينارا قسط شهري لبنطلون «هيلد» صوف انجليزي اصلي، أقسطه على خمسة شهور. ودينارا شهريا ثمن جدي بلدي، نطبخه منسفا او «زَربا» مساء كل خميس، يتولى احدنا دفع ثمنه كل اسبوع:  عدنان آل خطاب أو محمد الملكاوي أو محمد موسى النعانعة، نطبخه -بلا ارز- بخبز القمح البلدي وبالسمن البلدي.

باقي وجبات الاسبوع، كانت وجبات المعلمين الاساسية، زيت وزعتر وجبنة بلدية وجبنة صفراء ومربى وعلب السردين والتونا و»المذبلة» وهي قلاية بندورة بالبصل بلا لحمة، او مقلي البيض والبصل والطحين والبقدونس «العجة» او المجللة بالسمن البلدي او بزيت الطفيلة الاشهى..

 كان الاصدقاء من كل الاحزاب: الشيوعيين والبعثيين والقوميين العرب والتحريريين والإخوان المسلمين، ولم يكن أحد يستخف بأحد او ينتقص من برنامجه او حزبه.

كان الطلاب ابناءنا، نمضي معهم في رحلات الكشافة الليلية الخلابة، نسير في مجموعات نسترشد باشارات الكشافة، من الدجنية الى نادرة ونحن نهتف ونغني ونمرح.

لم يكن في المدارس «اذنة» ومراسلون، فكان المعلمون «يشطفون» المدارس وكانت  المعلمات يُحَممن الطالبات ويمشطن شعورهن وينزعن منها القمل والسيبان. 

 لم يكن في بيوتنا حنفيات ماء ولا تلفزيون ولا مذياع ولا كهرباء ولا ثلاجات. لم يكن في البيوت خادما سيرلانكيات ولا فلبينيات ولا اندونيسيات، كانت الامهات والبنات ينهضن فجرا لإنجاز أعمال البيت، غسيل وكوي وشطف وقطف وقلي وجلي، وكان عمال النظافة منا وفينا، ابناء وطن فعلا.

 في كل العطل الصيفية، كنا نعمل 18 ساعة في اليوم، بخمسة قروش يوميا، نعمل في المطاعم والكسارات وتعبيد الطرق ورصفها وبيع المجلات والصحف وقطاف الزيتون –الكتات- في بساتين الطفيلة وقطف القراصيا في قصايل معان.

كنت اتشارك مع الاهالي في زراعة القمح والحمص، ادفع اجرة التراكتور، ويقدم صاحب الارض: عواد المحمد - نص الدنيا أو ابو ناصر الخزاعلة أو ابو عواد الخزاعلة، الحبوب والارض، وغالبا ما كان متعذرا ان استرد راسمالي، بسبب شح الامطار، لكنها متعة كبيرة، انتظار المطر ومتابعة الزرع وهو ينمو سليما من الافات، واشعال النار لعمل «الفريكة» التي لها رائحة نفاذة جميلة لا توصف.  

 كانت بنات الثانوية، يدفعننا إلى التظاهرات السياسية، برسائل يكتبن فيها: غدا في ساحات الوغى، منكم الشهداء والجرحى ومنا الممرضات.

كنا نخرج في المظاهرات السياسية فنتعرض للضرب المبرح ونحن نغني لفلسطين والجزائر وعبد الناصر وضد الاحلاف وخاصة حلف بغداد.

وكان قرض البنك- الإدانة- من 20 الى 40 دينارا، كنا نقرأ ونقرأ ونقرأ، حتى تكل أيادينا، فيقع الكتاب منها ولم نكن نجرؤ على فعل الكتابة المقدس، او نتطاول عليها، باستثناء رسائل الغرام التي كنا نضعها داخل رغيف الخبز الكماج.

 لم يكن خطباء المساجد يحنّون اللحى، ولا يلبسون الرداء الافغاني القصير ولا يضعون الساعة في المعصم الايمن – تشبها بابن لادن- ولا يضعون على رؤوسهم الشماغ والحطة والشورة بلا عقال، ولم يكونوا يصرخون او يولولون او يفتعلون البكاء أو يرعبوننا بالنار، فكنا نحب الله والرسل، لا خوفا ولا طمعا بل شغفا وحبا.

كنا نركب من الاغوار، الباصات المتوجهة الى اريحا والقدس ورام الله والخليل ونمضي عطلة نهاية اسبوع في افياء الاقصى والقيامة والابراهيمي ونرى الى اليهود من بعيد نتوعدهم باجتياح قريب وبتحرير ناجز لفلسطين. لم يخطر في بالنا ان هناك فرقا بين الخليل والطفيلة وبين عمان والقدس ولا يخطر الان.

تلكم الايام كانت شاقة وجميلة، مليئة بالقسوة ومليئة بالفرح. ايامنا هذه ايضا جميلة ولا تقل عنها روعة، وتحديدا عندما يضع المرء هدفا عاما كبيرا امام عينيه.    

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل