الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سلام على الآباء في العالمين

رمزي الغزوي

الاثنين 19 حزيران / يونيو 2017.
عدد المقالات: 1617

  تذكرنا مواقع التواصل الإجتماعي بعيد الأب. فمن ينسى أباه؟ وهل يُنسى الأب؟. كيف أنساك؟ والمكان يمتلئ بك حتى شوشة الروح؟ كيف ننسالك وأنت تروي قوارير الزريعة لتمنحها وهج المساء للمة العائلة. كيف ننساك وأنت فينا. وأنت نحن: كلنا كلنا. في مرج الذكريات أنت. في حنين السهرات وخيوط الحكاية. من ينسى ضحكة الأحفاد يدورون حولك لنيل أحضانك الوارفة. أيها القريب القريب. أنت ما بعدت ذرة رغم التراب والبعاد.  

أستعيدني يا أبتي طفلاً تمتشقه على كتفيك، إذا ما نال منه تعب الطريق، وتمشي به أرض الوعر والصعود، وحين تسأله: هل تعبت؟!، كنتُ أهز رأسي نافياً بخبث عجيب. فكيف سيتعبُ الراكب يا أبتي؟، كيف سيتعب من تداعب ركبتيه بهذا الحنان؟ وهل يتعب من (تزغون) عليه بكل هذه الأغاريد. 

وسأستعيدني يوم جئتك حاملاً فسيلة توت، أرضتني بها خياطة ثوب روضتي، بعد أن صفعت يدي؛ لأنني كسرت ورودها، حين لعبت مع فراشة عابرة. يومها أخذت الفسيلة مني، وحفرت شقاً صغيراً في الصخرة، عند عتبة الدار وزرعتها. وأمي تقول: يا رجل، كيف ستعيش هذه النبتة الضعيفة بالصخر العنيد. لكننا كبرنا معاً يا أبي، أنا والتوتة: كبرنا رمحاً لرمح، وتتطاولت فينا أحلام الحرير رغم أنف الجدران. 

وهل أنسى سفري للدراسة في بغداد مطلع تسعينيات القرن الماضي، كان ذلك عناداً من عند نفسي، والحرب كانت تتحمحم في أفواه المدافع آنذاك، والجيوش تحتشد هناك. كنت تريدني صلباً رجلاً كما ربيتني. 

في لحظة الوداع بحثت في عينيك عن بعض دمعة، فما وجدتها، وقلت في نفسي والدمع يغالبني: يا قسوة الآباء. بعدها بأعوام تخبرني أمي أنها للمرة الأولى في حياتها تشاهد غزارة عينيه لحظة غابت الحافلة التي أخذتني.

قبل عامين في مثل هذه الأيام كنتَ يا أبي تصارع مرضاً خبيثاً باغتنا وباغتك. وكنتُ أتلمسُ الأمل في أنفاسك، ونظراتك، وكلماتك. وكنا نستبق أنا وأخوتي أيانا يفوز بالمبيت جوارك. وحين أطعمتك بيدي، قلت لي ورغرغة الدمع تزلزلني: هذه اللقمة ليست لي. لكني لم آخذ الكلمة على محمل الجد. وخطفك الموت في ذلك المساء الحزين. 

لأجلك اليوم أيها الأب الجد، ولأجل الأبوة في الأرض والحياة، لأجل من انحنت قاماتهم وتقوست، تحت ثقلنا وثقل مطالبنا وزراعة أحلامنا. لأجل تعبهم النبيل، سلام عليك يا أبي، وسلام عليهم ورحمة. سلام على عنائك وصبرك وتعبك، وسلام على التراب الذي سففته؛ لننعم بلين العيش وكرامة الحياة. وسلام على التراب الذي يحتويك.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل