الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سوريا لن تعود كما كانت!

عبد الحميد المجالي

الخميس 21 أيلول / سبتمبر 2017.
عدد المقالات: 73


بعد سنوات من الحرب المدمرة التي خلفت اكبر كارثة انسانية بعد الحرب العالمية الثانية باتفاق المراقبين والخبراء، تبدو سوريا وكأنها تقف على ابواب مرحلة جديدة تحدد مستقبلها ومصيرها كدولة، وتتضح فيها خياراتها وخرائطها الداخلية، الجغرافية والسياسية، وعلاقة هذه الخرائط بالخارج المجاور، وبالخارج البعيد الذي يفرض أاثيره ونفوذه، سواء كان له حضورعلى الارض او في الافق السياسي للدولة السورية.
فالواقع الذي خلفته الحرب التي توشك ان تتوقف وليس ان تنتهي، يشير الى بعض ملامح طبيعة هذا المستقبل، الذي لايزال يلفه الغموض رغم بعض المعطيات الظاهرة؛ لان الصورة النهائية له تقبع في دواخل تصورات القادرين على تحديده ورسم خرائطه. فتدمير المدن وتهجير الملايين وقتل وجرح مئات الالاف، وعمليات التغيير الديمغرافي المتعمد، وتدمير النسيج الاجتماعي، ومحاولات تغيير الهوية الثقافية لسوريا، بالاضافة الى التواجد الاجنبي المتنافس او المتوافق على الارض السورية، كلها معطيات يجب ادخالها في حسابات من يرغبون في فهم او استقراء المستقبل السوري المجهول في اطاره التفصيلي حتى الآن.
ورغم التضحيات الكبيرة والمؤلمة التي قدمها السوريون من الجانبين خلال الحرب، فان خواتم ماحدث تؤكد ان تحديد مستقبل سوريا ككيان، لم يعد بيد السوريين لا معارضة ولا نظاما . بل بات بيد روسيا والولايات المتحدة في السطر الاول، ويأتي بعدهما في السطر الثاني ايران ومن ثم تركيا ومن بعدهما دول تقف على الهامش، منتظرة منحها ادوارا لا تخرج عن وظيفة المراقب او الشاهد على مستقبل سوري لم ولن تساهم فيه، والدول هي، العربية وجامعتها المغيبة، والاوروبية واتحادها الهش.
في العلن، فان جميع الدول المؤثرة تشدد على ضرورة الابقاء على وحدة سوريا وسيادتها، غير ان محاولة تفكيك معنى الوحدة والسيادة كطرح عام، لايعني ان تبقى الدولة السورية موحدة داخليا كما كانت، فالروس حلفاء النظام، طرحوا حل الفدرلة، اي انشاء كيانات داخلية تتمتع بالحكم الذاتي وتتبع حكومة مركزية محددة المهام، وتبدو في الصورة المشوشة حول المستقبل حتى الان، ثلاثة كيانات او اربعة مرشحة للظهور، وهي الكيان الكردي في الشرق الشمالي، والكيان السني في الوسط، واخر علويا في الساحل والغرب السوري، وربما يحظى الدروز بكيان اخر.
اما عن السلطة وقمتها وهي التي كانت سببا رئيسا في الحرب، فان اتفاق الطائف اللبناني، قد يكون نموذجا لطائف سوري تتقاسم فيه الطوائف السلطة اما عن طريق التداول ضمن ترتيب محدد، او ان تخضع سوريا لحكم ترويكا طائفية تكون كفيلة بتحقيق الاستقرار في قمة السلطة. ومن يراهن على ان الدستور السوري المقبل سيترك هذا الامر لانتخابات حرة ونزيهة فهو واهم، لان اي انتخابات شاملة وحرة، تعني بالضرورة سيطرة السنة على الحكم، وهي التي تمثل الاغلبية بنسبة تزيد عن خمسة وسبعين بالمئة من السكان، فحكمها امر غير مرغوب فيه بل ومرفوض، من قبل النظام وايران وروسيا وربما الولايات المتحدة، وكل هذه الطروحات مجرد افتراضات لاتخترق غموض المشهد المستقبلي الذي يفكر به الكبار .
وفي اي ترتيب مستقبلي، يجب ان يكون الاسد ورجاله في النظام خارج الحكم وخاصة بعد المرحلة الانتقالية التي يرجح ان يبقى فيها رئيسا بشكل او بآخر، فالقناعة التي ربما ترسخت في تصورات الدول الفاعلة، هي ان بقاء الاسد ونظامه يعني احتمال عودة الازمة وربما اكثر شراسة في المستقبل، وهوما لا تسعى اليه هذه الدول.
اعادة اعمار المدن المدمرة ربما يكون الاسهل في المستقبل السوري، غير ان الاصعب هو كيفية اعادة بناء مجتمع تم تدمير نسيجه خلال الحرب، بحيث اصبح تعايش طوائفه واعراقه اقرب الى المستحيل، فالثارات والقتل على الهوية والتهجير والالم الذي خلفته الحرب، ربما يحتاج الى عقود واجيال لكي تصبح جزءا من الماضي ويطويها النسيان، في مجتمع اصبحت فيه القطيعة المغموسة بالدم هي العنوان الرئيس لوصفه في الشكل والجوهر.
المشكلة الرئيسة في سوريا وفقا لاستراتيجية الدول العظمى كانت وجود تنظيم داعش، وحجة محاربته هي التي وضعت تسوية الازمة السورية على قائمة الانتظار، وهاهو التنظيم يتهاوى ويفقد وجوده على الارض يوما بعد يوم في كل من العراق وسوريا، وعلى وشك ان يخرج من المعادله . وبناء عليه فان الدول الكبرى بدأت بوضع تصوراتها لمستقبل سوريا، وهو ما تحدثت عنه مندوبة واشنطن في الامم المتحدة، والمتوقع ان تصبح وزيرة للخارجية الامريكية في المستقبل ليس بالبعيد حسب المراقبين الامريكيين لما يجري في ادارة ترمب، وحديث المندوبة الامريكية يعني ان كل ما يتعلق بالمستقبل السوري اصبح فوق الطاولة الامريكية الروسية، ولن ننتظر طويلا قبل ان نسمع ثم نرى ما سيقرره الكبار لبلد يقع في قلب العروبة السياسية والجغرافية. وبالتاكيد فانه سيمضي وقت ليس بالقصير، قبل ان نتعايش او نتعرف اوحتى نفهم ماهية الوجه الجديد لسوريا الذي لن يعيدها الى ما كانت عليه !. 

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل