الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

اختناق

تم نشره في الخميس 21 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً


] محمد عبدالكريم الزيود
ينتصفُ العمر كهذا الليّل الثقيل، ويُقرعُ جرس الثانية عشرة كمطرقةٍ في رأسي، يجرفني سواده كبحر لزّج مملّ، وحيدا أقاتل جيوش الملل، تنفتحُ أبواب الهموم وتطير حولي ثم تبدأ بقرض ما تبقى من الذكريات العالقة . أفتحُ النافذة لا هواء يدخل غرفتي، يرفض ويتوقف على حافة الزجاج، يتمّنع كدلال أنثى راغبة، ثم أسحبُ نفساً من سيجارتي وأرتمي على سريري وحيدا كمقاتل مُنهك وكعاشق مخذول..
أشعر بالإختناق وحيدا، رغم هذا الهواء الذي يملىء السماء ويجرّ الغيّم، والغّيم يرفع ثوبه حتى لا يلامس رؤوس الشجر ... أصحو من نومي فزعا، وكأنّ شيئا يربضُ على صدري، أحتاجُ مزيدا من الهواء!
كنتُ طفلا أبحث دائما عن الهواء، أفتحُ يدي كجناحي طائر وأمشي على طرف السور الحجري، أقفُ على ساق واحدة وأطوي الأخرى كطائر أبو سعد، وأغمضُ عيوني ثم أكتم الهواء بصدري، وأتابع المسير بقدمي وكأني أمشي على حبل مشدود، مثل ذاك المهرج في سيرك المدينة، وكثيرا ما خذلني الهواء وأنا أجاهد محاولا التعّلق به خشية السقوط، حتى أقدامي تتبعان بعضهما، وكثيرا أيضا ما إصطدمتا ببعضهما وأنا أظهر شجاعتي أمام أولاد القرية الذين راهنوا على سقوطي .
مرّ باص القرية وقد علا دخانه فوق الرؤوس، لمحتها قبل الجميع، تشبه «سارة»، إبتسمتْ لي والتصقتْ بزجاج النافذة، الغبار تطاير من عجاج الطريق، شعرتُ أني أطير بالهواء، فقدتُ توازني، حاولتُ الطيران لألحق بالباص، لكنّ الأرض كانتْ أقرب لي، سقطتْ على مؤخرتي فهي من تحتملني في الزّلات، نهضتُ وأنا أصطنع إبتسامة الإنتصار أمام الأولاد الذين غابوا بالضحك والشماتة، المهم أنها شاهدتني وأنا أطير!
كانتْ سارة تحلم بالطيران مثلي، وكثيرا ما كانتْ تلاحق الفراشات، وتركضُ وراء الغيمات، كان في عينيها بريق يخطف قلوب الرجال، لكنّ القرية إستيقظت ذات صباح على صراخ أمها، كانوا يقولون أنها ماتتْ مخنوقة! وجدوها في إحدى مغارات القرية، وإنطفئ ذاك البريق .. يومها تذكرتُ أنها ماتتْ مثل ذاك القط الصغير الذي قلتُ لشقيقي الأكبر أنني إصطدته، تبسّم بخبث وطلب مني إحضاره، لم أنمْ لأيام عندما شاهدتُ القط الصغير معلّقا من رأسه مشنوقا على الشجرة، أخي كان يضحك هو والأولاد، لكننّي بكيته كثيرا كما بكيتُ سارة، الأثنان ماتا مخنوقين!
السماء واسعة هنا، والمروج تموج بالسنابل، لكن الهواء قليل، ما زلتُ أشعر بالإختناق، وما زلتُ أذكر سارة وقطي الصغير، كان القليل من الهواء ربما يبقيهما على قيد الحياة!

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل