الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قطمت البغل الله لا يوفقك !.

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الثلاثاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
عدد المقالات: 1804

كنت شقيا في طفولتي؛ وما زلت كذلك، حيث لم يسلم مني بغل من بغال الشحادين، الذين كانوا يزورون القرية يقفون بالباب، ويقومون بتلاوة ديباجة ضحلة من الأدعية، تصدع رأس السامع..ولا يهونوا السامعين:
الشحادون الأغرار، كانوا هم هدفي وساحة شقاوتي، حيث كنت أسايرهم أولا، خشية أن يكونوا قد حفظوا صورتي من العام السابق، فأقول لهم ويشدّك؟! فيقدم «سحلة» مصنوعة من الألمونيوم قائلا: «شوية طحين ألله يوفؤوك «بتضخيم كل حرف في العبارة..صوت يشبه الجعير حين يدعو لي بالتوفيق، فأقبض على «القيشانية» وهي «السحلة»، وأحولها أحيانا الى كرة قدم، أو أضعها على رأسي وأقوم بتلاوة الأدعية وأختمها بـ»ألله يوفؤك».. وحين يطاردني الشحاد المبتدىء، لا يمكنه أن يقبض عليّ، فهو يطارد جنيا بالتأكيد، حيث كان يشكوني للمارة والمتفرجين بأن هذا العفريت سرق «الطاسة» أو أتلفها، إن أكثر شيء إجرامي كنت أفعله أحيانا يتعلق بالبغل الذي يحمل «الخرج».. كنت أبتعد قليلا عنه، وأرجمه بالحجارة ليهرب ويطارده صاحبه، وإن كان البغل مربوطا فإن الشحاد يركض خلفي لكن سليم القدمين، بعد أن كان يتصنع العرج (جاي يعرج بحارة الكحيانين الكادحين).. وحين يعجز عن الإمساك بي، ودوما كان يعجز، كان يقول كلمته «كطمت البغيييل ألله لا يوفؤوووك»..بتضخيم الواو ما استطعت الى التضخيم سبيلا، وتضخيم البغال كلها..وذهبت قولا بيننا نحن أطفال القرية، أعني قول «كطمت البغيييل ..ألله لا يوفؤوووك»، وبمجرد أن يقولها أحدنا نفهم أن في القرية زوارا يدعون الفاقة والحاجة، ويدعون المرض والعرج، ويملكون أكثر مما يملك أهل القرية من المؤونة والمال والبغال أيضا، فنسير إليهم مدججين بـ»الدموس».
أريد أن أستمر في تكسير أقدام البغال، حتى تتوقف حملات التسول على أبواب الدولة وأبواب الفاسدين، وكنت سأحترم الذي يتسول أمام باب فاسد ولص، لو أصبح هو السارق الفاسد بدل أن يتسول من لص، لكنها استحقاقات الزمان والمكان، أن ينقلب هؤلاء الى دعم الفساد وأهله، ويهاجمون كل محاولة تقوم بها الدولة للخروج من مآزق نجمت عن آخرين «برطعوا» في المزرعة وجعلوها على حافة هاوية، ليتطوع هؤلاء من جديد ويلثغوا باسم الخوف على الناس، وباسم النضال والخبرات التي لا تنتهي، وهاهم يفهمون التوجه الذي تتحدث عنه الحكومة، ويعلنون بأنها حكومة مجرمة، تريد قتل الأردنيين جوعا !!
حديث الطوابين والأرغفة لا حاجة لنا به، فالحكومة لن تمنع خبزا عن مواطن غالبا هو لا يعرفه، والذين يتحدثون عن ملايين من الأردنيين لا يأكلون الا الخبز الحاف عليهم أن يخجلوا من هذا الحديث، فالناس بخير، وقليل منهم من يلجأ الى خبز مدعوم، بينما يستفيد منه تجار سوق سوداء ومن كل الألوان، فيقدمونه للناس على أنه من أفضل أنواع الخبز ومصنوع من أجود أنواع الطحين، فيسرقون الناس والوطن والدعم الحكومي البالغ 140 مليون دينار سنويا..قلنا لا حاجة لنا بحديث الطوابين والأرغفة وأعدادها، لأن الحكومة باختصار تريد تقديم الدعم لمستحقيه وليس لتجار وغيرهم.
المنطق والقانون يقولان إن الدعم للمواطنين الأردنيين، ويجب أن يصلهم وحدهم مهما كانت الطريقة، فالمهم هو الهدف «وصول الدعم لمستحقيه»،وهم أردنيون بالتأكيد، وهم أحرار في اختيار ما يريدون من أنواع الخبز، علما أن المجال مفتوح لكل مواطن أن يذهب الى المخبز القريب ويراقب كم زبونا يشتري خبزا مدعوما ثمن الكيلو 16 قرشا..ابحثوا في عمان والمدن الكبيرة فهي تحتوي أكثر من 90% من الأردنيين، والغالبية الساحقة من هؤلاء لا يشترون الخبز المدعوم، وهاهي مخابزكم أمامكم وهاتوا أرقام وأعداد الأرغفة..ثم كلوها.
فكرة تقديم الدعم لمستحقيه كلها نزاهة وعدالة، وهي مطلب أردني قديم، لأنها منطقية، فالدعم يجب أن يوجه مباشرة للناس بلا وسطاء ولا تجار ولا سماسرة ولا لصوص أو «شحادين»، ولو ثار جدل وحوار بشأن طريقة توصيل الدعم لتقبلنا الأمر وتقبلنا «التخبيص» أيضا، لكن المطالبة بتبديده بين أيدي الوسطاء والمتاجرين وبياعي الهواء، أمر لا يمكن قبوله ولا تأييده.
حين يتحدث الرسميون بأن ثلث سكان الأردن غير أردنيين، وأن 60 مليون دينار من الدعم تذهب الى هؤلاء، فالكلام يستحق التوقف، وهو مبني على منطق علمي، فالثلث الأجنبي يستهلك ثلث الدعم، يضاف إليها حقيقة أخرى، وهي أنهم فقراء بلا شك ويأكلون الخبز المدعوم ويستهلكونه أكثر من غيرهم، نتوقع هذا بناء الحقائق التي بين أيدينا عن حجم اللجوء وأوضاع اللاجئين المالية..وإن ثمة وحشية في هذا الكلام فالمسؤول عنها ليس أنا ولا الأردن، بل هو المجتمع الدولي والوحوش المتصارعة في تلك الدول والتي أدت لخروج هؤلاء الناس من بيوتهم، ثم تخلي هؤلاء جميعا عن الأردن بل وقيامهم أيضا برسم تحالفات جديدة تستهدفه وتريد إنهاء دوره على المدى القريب والبعيد.
الذي يتصيد شعبية ويتلهف لصناعة أزمات بحجة تخلي الدولة عن مواطنيها، يفعلها بعلم ولن أقول بغير علم، ويعنيها تماما، أعني رغبته في توتير الجو العام بناء على أكاذيب وتضليل، فالحكومة لم تتخل عن دعم المواطنين الأردنيين، بل هي تريد أن تقدمه بطريقة مسؤولة وقانونية وقابلة للمساءلة، بدل تركها بين أيدي المسترزقين والمغامرين الذين سيكونون أول المتأثرين من تغيير آلية الدعم، فهم كانوا يستغلوننا جميعا، وهم من يسعون لحماية مصالحهم، فلا تذعنوا لهم، وهاتوا «القيشانية» أو «الطاسة» أو السحلة» أو حتى «الزبدية» لننطلق في لعبة كرة قدم ونقوم «بتطبينها» لأننا لا حاجة لنا بها ولن تنفعهم بعد اليوم..
ولينقطم البغل وصاحبه، ليست مسؤوليتنا، إنما مسؤولية الدولة هو المواطن الأردني فهو صاحب الأرض وهو الوطن والجمهور.. هاتوا «القشانية» قلنا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش