الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الغرابة السّردية في «مصرع الشمس»

تم نشره في الجمعة 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

أحمد الشيخاوي/ شاعر وناقد من المغرب
غالبا ما يسجّل ضدّ التاريخ قصدية خلط أوراق الحرب والحب، تاركا مساحات فضفاضة للتأويل رهن تداخل فصول إمكانية ترجيح أحد الغريمين وتغليبه على الآخر، ومتيحا للمتلقي المولع بانسكاب السّرديات الموغلة في ملمح عالمية الخطاب الإنساني، إذ ينهض على إحالات المشاهد الأكثر تركيبية وضبابية وتعقيدا .
هو غمار استكناه حالات الاستشكال والاستعصاء في شمولية المشترك، وفي معزل عن جملة من المعوّقات التواصلية التي قد يمليها قانون اختلاف الألسن.

 لعبة الأقنعة:
في قصّة «حي هادئ في بيونيس أيرس» لـ أيزاوبل ستراش، تتمّ مقامرة منح الدور البطولي لشخصية قادرة على التّدرج في أقنعة صانعة لطقوس لعبة كلامية تلهج بغبننا الوجودي، وبالتالي وضعنا إزاء حكاية لا تقاس بمعايير الواقعية أوتتقيّد باعتبارات زمن معيّن، بقدر ما تبحر في تلافيف المكبوت،وتضيء نتوءاته، فتلفح باستدراج ذكي للضحية المفترضة، التي هي حسب المستشفّ من تواتر الأحداث وتدفّق الرؤى في خضم الفعل الإبداعي، حضور الأنثى، بما هو سلطة رمزية في مقدورها قلب نظم و علائق الذات بمن وما سواها.
مربية أطفال ،سيدة بريطانية، تأسر قلب «جراي» أو « الرمادي» من أولّ نظرة، كي تفسح لانرسام آفاق سردية تستغرقها الحمولة الوجدانية الرافلة في لبوس الغرابة المقلقة والمستفزّة لذهنية لا تكفّ عن السؤال.
«دورو ثي» هذه والتي من المحتمل أن يُترع حضورها، بعضا من فراغ في حياة «الرّمادي»، واتكاء على أسلوبية مراوغة عكست وإلى حدّ بعيد، نبوغ السارد، بحيث استطاع جذب المتلقي خطوة خطوة، إلى مشارف الكامن،أو المتبلور في الحاجة التي تحرّك بطل سائر الشخوص هاهنا، دون أن يفقد التشويق تصاعدية إيقاعه أو ترتبك خيوط نسج الحكاية حتّى منتهاها، ظلّ عنصر الإدهاش قائما، إن لم نقل الإرباك، وبذلك إنما قد صان لذاذة المتن الذي فخّخه السارد بجماليات وغوايات التصوير ،مذ أولى أحرف العتبة وحتّى قفلتها التي تركت مفتوحة عنوة ووعيا بآليات الحكي.
وهو لا شكل هامس و محمول على جراحات كامنة ،فاضت بها دون سابق إنذار، روح « الرمادي» في إخلاصه لطيف أنثاه الأصلية،وأيضا لالتزامه بنصيحة معالجه النفسي المفتي بضرورة إيجاد حبّ بديل.
وإذن... «دوروثي» هي تلك الأنثى الثانية المطلوبة لتلوين أحد أجزاء هذا الفراغ المُهلوِس والرّهيب.
بعد موت زوجته « ليتيتيا» إثر تيه أبدي، أودى بها ورفيقتها «ماري» في السفوح الوعرة والجرداء لجبال الأنديز، وغير المأهولة إلاّ من نزر قليل للهنود الحمر.
ولعلّ ما يجبرنا على ما يشبه القيام بدورة حلزونية والتفافية على صلب العنونة التي وسمنا بها هذا المقال، سقف الجنون لدى «جراي» ، وكيف أنه طاوع نفسه في الاحتفاظ بما تبقّى من جثة زوجته وقد أكلت لحمها النّسور وكان عثر عليها أحد الهنود ، أو بالأحرى هيكلها العظمي، بعد تحويله إلى دمية عقب المعالجة والتنظيف، لكي يُلبسها ثوبا جميلا مما استقرّت عليه في الذوق،توهما بالطبع،  روح الخليلة الراحلة « ليتيتيا»، وبغرض خلق وابتكار أجواء استئناس من خلالها لا تعطّل الذاكرة، تصنعها دمية شبيهة على مقاس جنون هذا العاشق النبيل.
بيد أن ما يسترعي الانتباه في نظير هذه السردية، تقنية المضمر، ورشاقة الوقوف على حواشي الملهم، ومخملية التماس مع حدود القضايا الإنسانية الأكثر سجالا وتعقيدا وتحريضا على الشحناء،هي من قبيل النزوع العنصري والطبقي المتجسّد في اضطهاد أقلية الهنود، كما سوف يأتي لا حقا، مع قصة» مصرع الشمس» لمبدعها ويليام اشيلاك، وضمن أفلاك تهكّمية ضاجة بخطاب الدونية وصور البربرية والتدجيل.
(كان هو النسر الأخير في المنطقة. وقد أسماه الهنود الحمر» الشمس» لأنه كان يدور في هذا الجزء من المنطقة المحرّمة مثل قرص الشمس.كان « شمس» يطير كحزمة من الضوء الذهبي القاتم،بلا حركة كأنه مدفوع بقوة أبدية مطوفا حول كوكب الأرض ليضيء فوق عشه الذي صعد منه. وهكذا كان « شمس» مساويا للآلهة في العظمة والسمو.كان بلا قوة ظاهرة ــ يصعد ليعتلي قمة عالية في الفضاء فوق المنطقة الهندية ، بجناحيه الطويلين، ثم يستقرّ ثانيا في عشه ــ العرش ــ في بهاء حزين وكأنّ قدر الموت رابض إلى جواره.).
 هيمنة الخطاب الاصطفافي:
إنّ تملّي قصة» مصرع الشمس» يقود بشكل أو بآخر، إلى نقاط أشدّ عتمة في تاريخ سكان أمريكا الأصليين.ونحن إذ نتوسل شقوق هذه الإرسالية الحوارية الطاعنة بلغتها العرجاء، نقف على ثغرات جمّة تطفح بها خلفية هذا الصراع المحكوم بثقافة منقوصة يحيكها منطق التمايز بين ألوان البشرة بدرجة أولى.
فالسيدة البيضاء» ماري فورج»  معلّمة الهندي النفاجو،  على اعتبار نموذجيتها في عشق الهنود الحمر مشفوعين بحضور النسر « شمس» الوازن، كدال قوي على انتسابهم إلى جد أول هو أصل هذه السلالة التي باتت تشكل تهديدا وضيفا ثقيلا على جيش «الويسترن» المغتر بأسلحته وخيله و قطعه أشواطا في الحضارة الإنسانية،لهو داء وجب استئصاله، حسب المستفاد من رسالة المؤلف بهذا الخصوص.
حكاية فوضوية تحاول أن تشرعن إبادة الهنود الحمر، توكلا على ذرائع واهية،ونعرة مريضة تروم ما يخول لانقراض نسل بأكمله، تجرف كلّ ما يجيء في طريقها ليحول دونما تحقيق كهذا مأرب خسيس، وتطحن رحاها حتّى البيض المتعاطفين والمطبّعين.
طائر طبيعي في رمزيته الكبيرة، مقابل طائر معدني (هيلكوبتر) وفق معادلة غير متكافئة، تحول سماء نيو ميكسيكو إلى أفق دام، شاهد على جلال الجنائزية وغطرسة النخبة المهووسة بمصالحها الضيقة، والسافرة والمنحازة إلى ديدن إقصاء الآخر ورفضه ومكرّسة لمشروع الهيمنة وتنافر واقتتال الأجناس.

جدلية التمدّن والغربة الروحية:
في قصة «يوم سعيد من أيام أغسطس» للكاتب الأمريكي تنسي وليامز، تطفو على سطح الحكاية أوبئة اجتماعية واقتصادية ، تنفّر الذات وتنبّهها إلى شرودها في سراديب الحياة الشاقة والمحمومة تبعا لتعاليم تعسفية بحقّ الروح الآدمية، هي من إفرازات مدينة عملاقة من حجم «منهاتن».
بوصف الإبداع صرخة من الأعماق، تدين عالم التحجر و اللحظات الإسمنتية، مؤمنة بألاّ سمو لسوى الروح، ومنادية بأنه، لربما، لم يفت أوان نجدتها من هذا الاغتراب الذي بات ينثالها كأخطبوط، كي يهديها في نهاية المطاف ، وهي تتوسل سبل وأسباب المعافاة، يسوقها مخدّرة إلى الطبيب النفسي كأحد مخترعات هذه المدينة البعبع المكشرة على أنيابها في حقّ أبناءها على الدوام .
داخل حدودها تغيب السعادة والحب والدفء وتتبلد المشاعر.

 بعد رسالي:
(كان ضوء الصباح غير مبال بالمدينة، كان يزحف داخلها وحولها محملا بكراهية غير مفهومة.كانت المدينة ، وكان الصباح،يعانق كل منهما الآخر كما لو أنهما مؤجران لأداء مشهد تمثيلي عن الحب الدافئ ، ولكنه بغيض لكليهما.).
ترصد قصّة» الوحوش « لــــ دافيد بوتوول واقع الشجاعة في غير محلّها، عبر تدخل يد البشر في الطبيعة، وكيف أن عواقبها غالبا ماتكون كارثية ووخيمة.
كوبل يبيت بنزل « الروندافيل» ،لينطلق صباحا في رحلة صيد، تقلّهما، الزوج وزوجته، سيارة تخترق الغاب وقوانينه، وبعد فترة وجيزة من تكحيل الطرف بشتى صنوف الوحوش ،يذيّل المشهد بفصول فجيعة سوف تعمّر في ذاكرة الزوجة حدّ استحالة محوها.
تطفّل قاد إلى الحتف، وقفل بصورة أرملة ما انفكّت تمزّقها ذكرى بعل قبل وحوش الغابة افترسه سوء تقديره.
(كانت الوحوش السوداء تحيط بها من كلا الجانبين،وقد جلست ممسكة بعجلة القيادة ترقب الجسد المترنّح وهو يقطّع ويمزّق على الطريق.
وحين ذهب القطيع جلست ساكنة صامتة، والموتور دائر والأضواء مُضاءة.).
* «مصرع الشمس وقصص أخرى»/ مكتبة مدبولي / القاهرة/ ترجمة شوقي فهيم.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل