الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تيسير سبول في ذكرى رحيله: الرواية والنهاية

تم نشره في الجمعة 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

 د. محمد عبدالله القواسمة
لا شك أن الرواية دون غيرها من الأعمال الإبداعية تعرض كثيرًا من الأحداث التي مر بها صاحبها، وتبين ملامح عديدة من شخصيته. وربما تنبئ بما يمكن ان يقوم به، أو يكون عليه في مستقبل أيامه إذا كان مازال على قيد الحياة. ولكن الوصول إلى هذه المواضع وتعيينها يتطلب ناقدًا فذًّا، أو قارئًا حصيفًّا مطلعًا على حياة الأديب أو الروائي. وحبذا أن يكون أديبًا يجمع بين كتابة الرواية وكتابة النقد.
يعترف كثير من الأدباء في حواراتهم وسيرهم الذاتية بأن ملامح من شخصياتهم، وأحداثًا كثيرة من حياتهم مبعثرة في أعمالهم، وقد يختلط عليهم إذا ما عادوا إليها بين ما كان حقيقة وما كان خيالًا. أعلن نجيب محفوظ أكثر من مرة أنه كمال عبد الجواد الشخصية التي ظهرت في الجزء الثالث من «الثلاثية»، كما أن الطيب صالح اقتربت شخصيته كثيرًا من شخصية مصطفى سعيد في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال». وبدا الروائي غالب هلسا شخصية رئيسية باسمه الحقيقي في روايتيه: «ثلاثة وجوه لبغداد»، و»الخماسين».
لا شك أن ملامح من شخصية تيسير سبول (الذي رحل في 15/11/1973)، وجوانب من حياته مبثوثة في روايته الوحيدة «أنت منذ اليوم»، التي نالت جائزة النهار اللبنانية عام 1968مع رواية «الكابوس» لأمين شنار.
ولعل الجانب الظاهر من حياة سبول هو ذلك القلق الوجودي، الذي عاناه إثر هزيمة العرب أمام إسرائيل في حزيران عام 1967. نلمح هذا القلق في عنوان الرواية من خلال سؤال الذات عن موقفها مما جرى، وسعيها إلى معرفة ما يمكن أن تكون عليه في المستقبل بعد ذلك اليوم الحزيراني الذي سمي يوم النكسة.

كما يبدو في تأكيد بطل الرواية عربي، وهو الذي يمثل تيسير نفسه لأصدقائه عندما سألوه إن كان يكتب رواية بأنه يكتب شيئًا غامضًا لا يدري ما يسميه، ولما ألحوا في معرفة أسباب كتابة هذا الشيء الغامض أجابهم بقوله: «أكتبه لأنه يزعجني». ولشدة تأثير هذا الإزعاج وجدنا الرواية تظهر عربي وهو يفكر في الانتحار. 
حملت رواية «أنت منذ اليوم» الهم الخاص ممزوجًا بالهم العام الذي تولد عن الهزيمة. وإذا ما سلمنا بأن الرواية وليدة هذه الحياة التي عايشها صاحبها، وأنها تعكس طموحه وأحلامه وآماله، وتنفس عما يعانيه من قلق واضطراب فإن «أنت منذ اليوم» هدأت صاحبها قليلًا، أو لنقل منعته من الاندفاع في عواطفه السوداء. استطاع أن يصمد على أمل أن يتحقق لأمته النصر الذي يمهد لها الطريق لتكون أمة عظيمة. وأطل الأمل حين بدأت حرب عام 1973 ولكنه تبخر عندما توقفت الحرب بعد عملية الدفرسوار، وبداية التفاوض بين مصر وإسرائيل عند الكيلو 101. يزداد الألم الوجودي ويتفاقم عند تيسير سبول، ويتضاعف الحزن والغضب. وبقي ما خلفته رواية «أنت منذ اليوم» يحفر في قلبه ووجدانه، إنه لم يشف تمامًا من أوجاعه. فكانت النهاية أن أقدم على الانتحار بإطلاق النار على نفسه في 15 تشرين الثاني عام 1973لينفذ في الواقع ما تراجع عنه في الرواية. 
إن إقدام تيسير سبول على الانتحار يبعث على التساؤل عن علاقة هذا الفعل بما جاء في الرواية. لا شك أن الآلام التي كان يعانيها سبول لم تتوقف لا على صعيد الواقع ولا على صعيد الرواية، أي أن تيسيرًا لم يمت في الرواية، فلم تنته الأحداث بموته ولم تغادره أجواؤها ومؤثراتها بل ظلت تعمل فيه مع آلام الواقع المهزوم عدة سنوات حتى إنه لم ير الخلاص من هزيمته الداخلية والخارجية إلا بالانتحار. لهذا يمكن الجزم ــ إلى حد كبير ــ بأن ما لم يجر في الرواية لعربي قد جرى لتيسير. ربما لو انتهت الرواية بموت بطلها لا اعتقد أن تيسير ينهي حياته بهذه الطريقة. لقد بقيت مشاعر الغضب والحزن تنحت في الذات دون أن تجد لها متنفسًا فكانت الكارثة.
تذكرنا رواية «أنت منذ اليوم» برواية «آلام فيرتر» ليوهان غوته الأديب الألماني المعروف. كان غوته يعاني آلاما كبيرة لفشله في حب امرأة تدعى شارلوت. فقرر الانتحار، ولكنه عدل عنه، ولجأ إلى كتابة ما حدث له في رواية تسمى فيها فيرتر، وجعل بطلها وهو فيرتر نفسه ينتحر في نهايتها؛ فتخلص غوته من الاكتئاب، والتفكير في الانتحار. بخلاف تيسير سبول في رواية» أنت منذ اليوم» فقد أبقى على بطلها عربي حيًّا، فلم تنته آلامه لأن أسبابها لم تزل، وظلت تشتعل من وقت لآخر حتى انتهت به إلى الانتحار. لقد كانت رواية آلام فيرتر وسيلة غوته لمقاومة الموت في حين كانت «أنت منذ اليوم» عند تيسير سبول محفزة عليه. ربما لو انتحر عربي في الرواية لم ينتحر تيسير سبول في الحياة. 

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل