الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الانتقائيّة أفيونٌ لا بدّ منه للمعرفة

تم نشره في الجمعة 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً


] حلا السويدات
إنّ الخطاب والوجه المعاكس له، وإن كانت الغاية منهما هي تشكيل الوعي الفردي انطلاقًا لنسج الصّوت الجمعي، لا ينفكّان عن الوقوع في تعميمات غائيّة تنسكب في قوالب ونماذج عديدة، منقسمة عن ذاتها بما يسمّى اللغة الجديدة للسياق الجديد، ففي كلّ مرة تحوز فيها اللغات القديمة على تاريخ خاصّ، تأخذ حقها بالتجربة، وتخضع للنقد الذي يحايد زمن بدئها وانتهائها، ويخرج من هذا النّقد خطابٌ مضادٌ يقيم جذوره الخاصّة، ويوازي خطابات أخرى تنقسم عنها ردود أفعال زمنية عقليّة/ فلسفيّة، أو قلبيّة/ صوفيّة، تعارك بعضها البعض في سبيل النجوع الحزبيّ لا الإنسانيّ، فكانت مثلبة أغلب الحركات الفكرية في أخذها الخطوة نفسها مرارًا، في كلّ مرة تشرع فيه بتأسيس تنويريّ فكريّ، لذلك تعددت الأصوات، وانقسمت التيارات لشِعاب تضرب جذورها في تاريخ الإنسان، فالدراسات الميثيولوجية التي أبانت لنا عن الكثير من الأثر الفكري التاريخي، قسّمت أدوات النّقد ولم تجمع بينها بالهدف عينه؛ فنقطة البحث التي تتباين عن الأخرى، لا تؤدي بالضرورة للهدف أو القيمة نفسها، مما يجعل السؤال عن الحقيقة مجزأً وهوائيًا.
لا يبين وقع الانتقائيّة إلا في تجسد الفكرة في خطاباتها، فتشرك فيما تريده كلّ منتجات الآخر، من فكر وتجربة وتاريخ ودحض وعنف وفوز ونجاة وتنوير وضلال وقهر وبروز واضمحلال، وتعرضها تبعًا للسياق المعرفي الجديد، تقبل وترفض، فتأخذ الغاية التنويرية أفضليتها كمعيار سابق في تقييم التجارب الغيرية، مما يجعلنا نشك في نجوع القصدية في كل مرة تقيم فيه هذه السياقات أساسات التقييم، وللحق، لا تقع الكثير من السياقات في خطأ الدحض دونما أن تستعرض حججها بالغة الدقة، فتبني صوابها على خطأ سابق، واستشرافها المستقبلي على استشراف بطُلت صحته في الحاضر الأثير، فتكون السياقات تواكبية أكثر منها خالصة ونقية ومبتكرة في البَدء، لكن؛ تأخذها العزّة بالصائبيّة، فتجول وتصول متخذة الأسطورة قالبًا جاهزًا للدحض والتمرد والرفض، فكان الخطاب المعاكس منتقىً ومقولبًا وجاهزًا للإعلان، وهذا هو جوهر المعرفة حتى عصور خلت، جوهرٌ تشترك فيه الخطابات المعرفية الفردية والأنساق، فيستطيع أي باحث أن يعرف أن المعرفة كسيل من التفكير التاريخي كانت حربية أكثر منها متوحدة مع أدواتها، بل ويستطيع أن يشعر أنها قد حسمت أمرها تجاهها، كنوع من أنواع البتات في الأمر، فهي في جوهرها مضادة متخصصة، تستحوذ على الحقيقة ضمن أقطابها المنطقية.
ولا يقتصر استحواذ المعرفة الباطنيّ على حدودها وإقامة المرفوضات، بل على الهيكل الفكري للأطروحة المعرفية ذاتها، فهي في مجالات تطبيقها إن كانت ترتكز فقط على النظريات أم كانت تتأمل في الموجودات تأملًا فعليًا يعلّم الإنسان الحاضر كيفية التعامل، على الأصعدة كافة؛ السياسيّة والفكرية والاجتماعيّة والحسيّة والاقتصادية، وحتى الرّوحانيّة، فإنّها تتخذ رسمًا هرميًا تفضل فيه التنوير الخاصّ، ثم تنطلق منه لتقسيم وتصنيف الواقع المطروح والذي توصل لنتيجة غير مرضية بالنسبة لتنوير المعرفة. ومما لا بدّ فيه، علينا الإشارة إلى فارق كبير بين تنوير المعرفة وتنوير الحقيقة، إذ تعني الأولى التجارب التفكيكية التي يجريها الباحث على اليقينيات والمطروحات المكتوبة والمنقولة على أساس بدهيّ، فهي غير تامّة لعدم وصولها لليقين الذي يستلزمه تنوير الحقيقة المفصول عن كل محاولات الانخراط في الهاجس الإنساني القلق، والمشوب بنزعات قلبية وروحية وعقلية، وأحيانًا بيئية زمنية؛ أي تاريخية، ولذلك لزم أن تتجرد الحقيقة من كل تلك المحاولات غير الكاملة في البحث عن سياق معرفي تامّ وأن تستقل بذاتها، لتكون مراد الجميع على صعيد البحث، دون وضع شروط لحالة الباحث وأبجديات بحثه، مما يجعلها تعفي نفسها من التصنيف.
ونخلص إلى أنّ الانتقائية مثلبةٌ تُعفى منها غاية المعرفة/ الحقيقة، فهي خالصة بذاتها ولذاتها، لكنّها ضرورة حتميّة للمعرفة، لكونها تبحث عن نجوع أفكارها وحلولها، ولكونها تفرض سلطتها كحل وحيد لمعضلات الوجود، ولا تختلف الفلسفة الفردية عن جوهر الأنساق؛ لأنّها أيضًا تقيّم الوجود الإنساني المعرفي كتعميمات أو كتجزيئ، دون أن تكون قادرة على مجابهة مسؤولية الرفض والنفي.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل