الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في الجهود النّقدية لعبد الرحمن ياغي

تم نشره في الجمعة 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

 د. محمد عبيد الله
تبدو جهود عبد الرحمن ياغي (1924-2017) غزيرةً متعددة في مجالاتها واهتماماتها، إلى درجةِ صعوبةِ حصرها في مقام واحد، ويمكن للتعريف بها، توزيعُها وفقَ محاور اهتمامها ودوائرِ معالجتها:
دائرة الأدب الفلسطيني:
ولها موقع الصدارة في اهتمامات عبد الرحمن ياغي، وله السبق في كتابة أول أطروحة جامعية حول الأدب الفلسطيني (1960)، وهي التي طبعت باسم: حياة الأدب الفلسطيني الحديث (من أول النهضة حتى النكبة) وتعد حتى اليوم أكمل مرجع عن الأدب الفلسطيني حتى عام 1948، ولا يكاد يستغني عنه أي مهتم بأدب فلسطين، فقد أرخ بها أستاذنا لمراحل غائبة أو ضائعة وعاد إلى مصادر نادرة في سبيل رسم صورة الحياة الثقافية في فلسطين حتى عام 1948. ولم يتوقف اهتمامه عند هذا الحد، بل كتب عن الشعر الفلسطيني (كتابه: شعر الأرض المحتلة في الستينات) وكتب عن الرواية الفلسطينية، كما خص غسان كنفاني بكتاب مستقل (مع غسان كنفاني في حياته وقصصه ورواياته). وفي الجامعة الأردنية أسهم في توجيه طلابه نحو هذا المجال فأشرف على عشرات الأطروحات حول عدد من أدباء فلسطين أو حول ظواهر مميّزة للأدب الفلسطيني، ودرّس نماذج من هذا الأدب في دروسه ومحاضراته.دائرة الأدب الأردني:
 وقد اهتم عبد الرحمن ياغي بالأدب الحديث في الأردن، فكان رائداً بارزاً في مواكبته واكتشاف مبدعيه، وعلى مدار عقود كانت مقالاته النقدية تتابع الأعمال الجديدة، وخصوصاً ما يلتقي مع رؤيته النقدية، ويقترب من التيارات التي يميل إليها. وقد اجتمع من حصاد هذا الاهتمام كتب مميزة من مثل: البحث عن قصيدة المواجهة في الأردن (1967-1985) في مجال النقد التطبيقي للشعر، وكذلك كتابه (مع روايات في الأردن – في النقد التطبيقي) وخص القصة القصيرة بكتابه (القصة القصيرة في الأردن).
دائرة الأدب العربي:
وقد وسّع اهتمامه ليدرس الأدب العربي ويقدم فيه إسهامات مميزة، اتجهت بعضها إلى المسرح العربي (كتابه: في الجهود المسرحية العربية) وكتابه (سعد الله ونّوس والمسرح) وخصّ الرواية العربية بكتابه: (البحث عن إيقاع جديد في الرواية العربية).
دائرة التراث العربي:
ولم يتوقف اهتمام أستاذنا عند الأدب الحديث أو العصر الحديث، بل عني ببعض جوانب التراث العربي ومن حصاد هذا الاهتمام كتابه: قيروان ابن رشيق، وكتابه: ابن رشيق القيرواني (الشاعر وشعره). وكتابه الثالث: رأي في المقامات.
ولو أننا حاولنا النظر في هذه الجهود وغيرها من زاوية أخرى لوجدناها تسلك في المجالات أو الصور التالية من التناول النقدي:
أ. النقد التاريخي: كما في كتابه الرائد (حياة الأدب الفلسطيني الحديث) فالنقد هنا يغلب عليه منطق التاريخ ومراعاة تحقيباته، بقصد بناء حياة الأنواع الأدبية منذ نشأتها وحتى النكبة (1948). كما يتضح هذا النمط في القسم الأول من كتابه (القصة القصيرة في الأردن).
ب. النقد التطبيقي: وحضوره واضح في دراساته التطبيقية عن الرواية والشعر والقصة والمسرحية، وهو يشكل القسم الأكبر من اهتمامه ومنجزه ... فهو قد يتوقف عند عمل بعينه، رواية أو ديواناً أو مجموعة قصص، وأحياناً يختار نصوصاً محددة: قصيدة واحدة، أو قصة مفردة، ليقيم عليها تحليله أو نقده التطبيقي.
جـ. النقد النظري: كما يظهر في كتابه (أبعاد العملية الأدبية) وفي مقدمات كتب أخرى، وخصوصاً (البحث عن إيقاع جديد في الرواية العربية) ويمكن أن يتخذ القارئ والباحث من هذا النقد النظري مدخلاً هاماً لفهم المنهج النقدي لعبد الرحمن ياغي، وتحديد طريقته الأثيرة التي يطبقها في نقده التطبيقي الغزير.
د. نقد النقد: وهو ما يظهر في كتابه (رؤيتان نقديتان) رؤية حسين مروة، ورؤية غالب هلسا. إذ يكتب دراستين حول المنظور النقدي لهذين الناقدين، فهذا مما يقع في باب: نقد النقد، أو النقد على النقد، وهو مجال يتسع الاهتمام به، ولم يتضح كثيراً بالقياس إلى المجالات الأخرى في نقدنا العربي الحديث.
المنظور النقدي:
إن المتأمل لمجمل الأعمال النقدية لعبد الرحمن ياغي، لابدّ سيستوقفه منظور واضح المعالم يلح أستاذنا عليه، ويعيد إيضاحه مرة بعد مرة، يطورهُ أحياناً أو يفصّل في بعض جوانبه، وسنحاول فيما يلي رسم أهم معالم هذا المنظور كما فهمناه من دروسه، وكما راجعناه فيما بين أيدينا من دراساته وكتبه.
شبكة العلاقات:
ينظر عبد الرحمن ياغي إلى الحياة من منظور وجود شبكتين للعلاقات أو واقعين:
أ. شبكة العلاقات بأبعادها أو خيوطها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية أو الفكرية. أي شبكة العلاقات في الواقع الفعلي أو الحقيقي مما يرتبط بالمجتمع وأحواله، إذ كل مجتمع تنتظمه هذه الخيوط بأبعادها المتعددة.
ب. شبكة العلاقات بأبعادها أو خيوطها اللغوية والأدبية والجمالية أو الفنية.
أما الأبعاد التي تتكون منها شبكة العلاقات، ويقيم المبدع حواره معها، بل من خلال جدله وتفاعله معها يتشكل العمل الفني، فهي الأبعاد الأربعة التالية: المكان، الزمان، الإنسان، اللغة.
أما الناقد فمهمته تأملُ هذا النسيج وتبيّن العلاقات بين أبعاده: «ورؤية الناقد لهذا النسيج الجديد رؤيةً للعلاقات الجديدة، تبحث عن خيوط المكان، عن خيوط الزمان، وعن خيوط الإنسان... وعن خيوط اللغة، ليرى في النسيج، مدى الجدلية القائمة بين هذه الخيوط، ليتبيّنَ مدى تحولِ المكان إلى قضية، ومدى تحول الزمان إلى قضية، ومدى تحول الإنسان إلى قضية، ومدى تحول اللغة إلى قضية، ومدى تحوّل العلاقة المتكاملة بينها جميعاً إلى قضية».
وهو يصوغ رؤيته للعملية الأدبية، صياغةً مقاربة في مقدمة دراسة له عن رواية فاروق وادي (منازل القلب) فيقول عن بعض الروائيين الفلسطينيين: أنهم «قد أدركوا أهميةَ التحول بالعمل الأدبي الإبداعي من دائرة (الموضوع) المعرفي إلى دائرة (المضمون) الإبداعي، أي التحول بالأبعاد المعرفية إلى دائرة الأبعاد الفنية، وأدركوا أنّ القضية التي تشغلهم لها أبعادُها الزمانيةُ والمكانيةُ والإنسانيةُ واللغويةُ في هذا التحول، وضرورةُ التحول بالبعد الإعلامي أو الإخباري أو التاريخي المعرفي إلى البعد الزماني الاجتماعي بكل علاقاته، وفي الوقت نفسه التحولُ بالبعد المكاني الفراغي أو الجغرافي المعرفي، إلى البعد الفني الاجتماعي؛ ثم التحول بالبعد الإنساني المعرفي المتصل بالأشخاص أو الكائنات إلى البعد الفني الذي يحول (الأشخاص) المحدودين إلى (شخوص) نموذجيين في العمل الإبداعي، ثم التحولُ باللغة من أبعادها المعرفية والنحوية والصرفية إلى أبعادها الفنية، ثم مدى ما يخلقه هذا التحول من شبكة العلاقات بين هذه الأبعاد الأربعة: الزمان – والمكان – والإنسان – واللغة». (مع روايات فلسطينية، 173).
هناك إذن مستويان: مستوى أول يمثل الواقع بأبعاده، أو يمثل الأبعاد في صورتها الواقعية أو المعرفية حيث تكون في حالة كمون أو وجود أوليّ، فهي ليست فناً ولا إبداعاً، وإنما هي معرفةٌ أو واقعٌ أو تاريخ أو معلومات أو أخبار... وهي تظل كذلك حتى يقدم المبدع على تناولها، فيتحوّل بها إلى واقع جديد، وإلى مستوى مختلف... عملية التحول والتغيير والانتقال هذه تقابل عملية الخلق الفني، أو الصنعة الفنية، التي تمثل ما يجريه المبدع على شبكة العلاقات من تغيير وتحوير حتى يستقيم ما يختاره منها في صورة إبداعية أو جمالية.ويسمي ياغي المستوى الأول بالموضوع بينما المستوى الثاني بالمضمون، فالمضمون في العمل الإبداعي مختلف عن الموضوع بصورته الأصلية الكامنة أو العادية أو الواقعية. وفي موقع آخر من دراساته يسمّي المستوى الأول: قيمة ما يقال، (ما يقال موضوع)، في تحوّل التشكل إلى مضمون، وهو إذ يتحول إلى المستوى الثاني تنضاف إليه قيمة هامة في الأدب والإبداع والفن وهي قيمة: كيف يقال... أي الكيفية التي يحول بها المبدع الموضوعات إلى مضامين.وفي موضع آخر ينظر إلى العملية الفنية فيقرر ما يراه من حقائقها فيقول «أولى هذه الحقائق طبيعة العملية الفنية وكيف تتم؟ وكيف تمضي بمبدعها أو يمضي بها إلى ما وراء المعرفة أو الحقائق، ولعل الفنّ أو الإبداع الأدبي هو النبض الحي الدائم في حركة سير الجماعات... يحمل الملامح الخاصة والمشتركة، والطباع والسلوك ونوع الاستجابات، بل هو الإيقاعُ المستمر بين ثالوث متواصل، دائم العلاقة:
- الفنان أو المتفنن من جهة.
- والواقع الاجتماعي الذي أثر في ذلك الفنان من جهة ثانية.
- واللغة التي تشكل المادة الحية التي تتشكل بها وفيها ومنها تلك العلاقات من جهة ثالثة.
والنبض دائم بين هذه الرؤوس الثلاثة، والإيقاع متصلٌ متواصل، فالفنان في حوار دائم متصل متحرك متوهج بحركة الدم مع واقعه الاجتماعي، وهذا الإيقاع مستمرٌ متحرك متوهج يمضي من داخل هذا الواقع الاجتماعي إلى رأس الثالوث، إلى اللغة، فالفنان دائم الحوار... بحركة متوهجة مع اللغة، وهذه الحركة الثلاثية تجري وتمضي في حركة دائرية داخلية وتسير في إيقاع متصل، ونبض دائم حتى بين أطراف هذا الثالوث، بحيث ينتج عن هذا الإيقاع عملٌ فنيٌ له أثرهُ وتأثيره، ويحمل الملامح الحضارية والإنسانية والسمات المشتركة الخاصة بالمجتمع الذي يصدر عنه». (البحث عن إيقاع جديد، ص 44-45).

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل