الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

طحن الهواء

رمزي الغزوي

الاثنين 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
عدد المقالات: 1638


حسب ما جاء في كتاب الحيوان للجاحظ، كان هناك ما يُعرف ب (نار الاستسقاء). وهي نار كانوا يستمطرون بها في الجاهلية الأولى. فإذا تتابعت عليهم الأزمات، ورزح عليهم عظيم البلاء، واشتدّ بهم الجدب، واحتاجوا إلى المطر، اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثم عقدوا في أذنابها بعض الخرق، وصعدوا بها إلى جبل وأشعلوا فيها النيران، وضجّوا بالدعاء والتضرّع، وكأنهم يرون في ذلك أسباباً للسُقّيا والمطر، كون النار تشير للبرق، والبقر يرمز للخصب والنماء.
في قرانا كان هناك طقس يشيع حال تأخر الموسم والمطر، فتتجمع بعض الصبايا والأطفال، حاملين خشبة على شكل فزاعة، عليها ثياب سوداء مهترئة، تسمى (أم الغيث)!. الصبايا المفعمات بالبهجة وحب المطر وشوق القمح كنَّ ينطلقن في الطرقات والأزقة، ويرددن أغنية مليئة بالشجن المجروح، والرجاء المستكين، والابتهال: (يا أم الغيث يا ربي/ تسقي زرعنا الغربي/ يا أم الغيث يا دايم / تروي زرعنا النايم)!!. وهنا كان أهل البيوت يستقبلون الصبايا بالبشاشة والرجاء ويرشقوهن بالماء، في إشارة متفائلة إلى أن المطر سينهمر قريباً بإذن الله. 
وهناك طقس رهيب كان الفلاحون يمارسونه في هذه الأحوال. وهو طقس تعليق عدة الحراثة مقلوبة على جدار البيت، وهو مشهد يشير إلى تعطل الزراعة والفلاحة، بغير المطر روح الأرض، وفكرة تعليق المحراث مقلوباً متأرجحاً في الهواء على هيئة إنسان مشنوق، تعطي إشارة إلى أن هذا الفلاح ربما قد ارتكب خطيئة أوجبت عقوبة انحباس المطر. وهذا طقس ضراعة صامت.
أما جداتنا الطيبات وحتى وقت قريب، كنَّ في حال تأخر المطر يجلسن بحزن وسكينة على عتبات البيوت، بعد أن يلبسن ثيابهن القديمة المرقعة مقلوبة، ثم يأخذن بتحريك وتدوير الرحى (طاحونة الحبوب اليدوية المكونة من حجرين دائريين من الصوان)، يحركنها دون أن يضعن فيها شيئاً من الحبوب، في إشارة معبرة، أننا يا ربنا نطحن ونجرش الهواء، فلا قمح لدينا، ولا ما يطحنون.
في حمى حياتنا الاستهلاكية الشرهة نسينا المطر، ولم تعد تلك الحسرة على تأخره تنتابنا. وهنا لا أريد أن نقلب ثيابنا، ولا أريد أن نجرش الهواء بالرحى. بل أن ننزع عنا بعض كبريائنا الزائف. فيا ربنا ندري أننا خربنا الأرض، حتى ضجت بالزلازل والبراكين والأعاصير والتسوناميات، وأننا ثقبنا الأوزون، وزدنا الغازات التي رفعت حرارتها وعصبيتها. لكنك الرحيم الكريم، وحالنا تغني عن سؤالنا.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل