الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قلب خنجر

رمزي الغزوي

الخميس 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
عدد المقالات: 1740


قديماً كان الغجر يحلون على قريتنا في مواسم الزيت، ويضربون خرابيشهم الملونة وخيامهم في السهل الواسع بين أشجار الزيتون، وكنا نهبّ نعاونهم في نقل الماء، وسرقة ما تيسر من حطب أسيجة دورنا عربوناً للمحبة ومفتاحا لتعارف جديد.
الفرح كان يملؤنا حتى شوشة رؤوسنا، نحن الأولاد الممزوجين بالعفرتة والطيبة وإشتعالات العشق الأولى. وكل حين، وفي غمرة انشغالنا بوصولهم كان يهمزني قلبي الخجول العجول: هل عادت الغجرية العام الماضي؟ هل كبرتْ بما يكفي؟ هل صار شعرها أرجوحة حلم يطير؟.
الغجر كانوا يحيلون القرية نشاطاً وحيوية. الكل يقصدهم ويريدهم: هذا يريد أن يركِّب أسناناً ذهبية بدل أسنانه الآيلة للخراب والسواد، وآخر يروم أن يشحذ فأسه وقدومه، وامرأة طاعنة في البركة تطلب غربالاً للقمح ومقطفا للشعير، وأخرى تريد أن تبيّض أوانيها النحاسية؛ لتعود لامعة كعروس.
ونحن كان يعجبنا أن تعطينا الغجرية العجوز غليونها القصبي الطويل، فنعبّ الدخان ساعلين بعيون دامعة، ثم نطلق سحابةً بيضاء نخالها ستمطر بعد حين على عتبة الخيمة. وكان يعجبنا أكثر أن نساعد الحداد بنفخ الكير (الفرن)، ونراقب الحديدة إذ تغدو دماً ملتهباً بين الجمرات النزقات، ثم تصير فأساً أو سكيناً بعد ضربات المطرقة القاسية. فيا ذا الحداد الأبله ماذا ستصير قلوبنا الملتهبة إذا ما طرقتها يوماً مطارق الحب؟.
كثيراً ما كنت أتصنم أمام الصانع الحاذق، صاحب الشعر الأبيض الأجعد، إذ يصنع خنجراً من قرن كبش، وكم تمنيت لو أتزنر بهذا الخنجر، وأقتحم عين الشمس، وأنحرها قرباناً لغزالة لم تعد هذا العام مع خيام الغجر الساكنين. غزالة كان لها مذاق الزيت وغبش المساء.
الغجريات كنّ يجبن البيوت والحارات يبعن الإبر والأمشاط وعلكة البطم، ومنهن من يقرأن الحظ بالودع (أصداف البحر). وذات شتاء بعيد نادت أمك غجرية جوالة، وتطلب منها أن تقرأ بعض حظك لقاء خيط من زيت، فترمي الغجرية ودعها الابيض على صفحة الترب: مرة إثر مرة، ثم تعيد الكَرة مرتين.
تنظر الغجرية قارئة الحظ في عينيك ملياً ثم تبتسم بنصف شفتيها الرقيقتين: هذا ولد عفريت، يحلم بسفر بعيد. فلا تدعيه يطير من تحت جناحك. فأفرح بسري كثيراً فالغجرية لم تقل لأمي شيئاً بشأن الوقوع في الحب. فأمضي أتحسس قلباً يلتهب في جمر الصدر متمنياً لو يغدو خنجراً أذبح به شمساً تجنح للرحيل.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش