الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هشاشة مشروع الدولة المدنية

د. مهند مبيضين

الثلاثاء 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
عدد المقالات: 947

في الانتخابات البرلمانية السابقة، وضعت إحدى القوائم المرشحة لافته على دوار الداخلية، تحت شعار نحو دولة مدنية، استمر الأمر لأيام، حتى سحبت اليافطات المماثلة لها، إذ تلقت الدعوة للدولة المدنية هجوماً كاسحاً من قبل تيار مقابل اتهم دعاة الدولة المدنية بأنهم يريدون تقويض الإسلام وهوية الدولة.
كان الكلام كثيراً، لكنه دالٌ على حجم الخصومة والكراهيات وعدم القبول بالسجال والنضال عبر الأفكار، وصعوبة الوصول على توافق على الأرض حول المسألة، وفي المقابل كشف سحب الشعار الذي عاد مؤخراً لكي يصبح متداولاً عبر الفيسبوك، إلى بقاء مفهوم الدولة المدنية عائماً يسبح في أمواج متلاطمة، ولا قوة لدية، أمام من يرون مجرد التلفظ به هو اخراج للإسلام من هوية الدولة، وهذا أمر منصوص عليه في الدستور كما يدافع خصوم التيار الليبرالي.
لماذا أخفق التيار الليبرالي المطالب بدولة مدنية في ترويج شعاره ومطلبه؟ وهل لهذا علاقة بعدم القبول بأفكار الدولة المدنية الديمقراطية، التي تقود إلى تداول للسلطة واحترام للمكونات البشرية والسياسية والدينية جمعاء؟.
دولة مدنية في الأردن معناها إلغاء الكوتات، والاحتكام للقانون والتمثيل العادل للأصوات، واحترام التعددية، وإلغاء لموروثات الدولة التقليدية المشرقية، لا هِبات، ولا أراض عشائرية أو واجهات، ولا تعيينات حسب المناطق، كل ذلك سيتلاشى، وهنا اكتشف الخصوم مكمن التهديد، ومع أن بعض الإسلاميين قالوا بالدعوة لدولة مدنية كما طالبت بعض المرجعيات الحزبية بها، إلا أن كل الدعوات لم تنجح في تسويقها واقناع الجمهور بها.
نعم تقارب العلمانيون والإسلاميون في زمن الربيع العربي نحو طرح الدولة المدنية، لكن ما لبثوا أن انفكوا، وهناك تيار سلفي معاند ضد هذه الطروحات كلها، وانكشف الأمر في جدل المناهج الدراسية، وكيف واجهت التهم لدعاة التطوير والتعديل باعتبارهم يريدون خلع ثوب الدولة وتمزيق المجتمع والغاء إرثه الإسلامي.
التعديلات الدستورية لم تأتِ على شكل الدولة أو مرجعية التوصيف بلوحة مدنية، فقد أبقت المادة الثانية من الدستور على أن «الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية»، ومع أن دولة مدنية لا تهدد هذا الإقرار الدستوري، إلا أن الهجوم بازدياد على دعاتها، لذا إن لم يكن هناك نص دستوري يفيد بالدولة المدنية إقراراً شكلياً، تبقى الفكرة عائمة، وبلا جدوى، والتيار الليبرالي أضعف من ان يطرح تعديلاً دستوريا لأجلها، وكذلك مؤسسات المجتمع المدني والنخب المؤيدة لها.
صحيح أن سنوات الربيع العربي أفرزت وقربت المفهوم من الطرح، لكنها سرعان ما اغلقت الملف، ولم تتقدم به للأمام، مع أن بعض الإسلاميين تحدثوا بمفهوم دولة مدنية بمرجعية إسلامية، إلا أن المقاربة بين الأفكار وتوطينها لا تكون بالطرح المجرد من مشروع توافقي تشاركي على الأرض، وهذا ما هو مفقود وغير ممكن الحدوث.
ختاماً النزعة التطرفية التدينة بالبلد في ازدياد، وقبل الوصول للدولة المدنية لا بدّ من إخضاع الجميع للقانون، وفرض هيبة الدولة، والسير نحو العدالة في التنمية وفرص الحياة، وهذا مقدمة لا بدّ منها ومهمة يجب العمل عليها من قبل الجميع وهي أهم من أي صفة تكون عليها الدولة سواء كانت مدنية أو دينية أو ديموقراطية.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل