الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لماذا تشترون الخبز؟

حلمي الأسمر

الثلاثاء 5 كانون الأول / ديسمبر 2017.
عدد المقالات: 2425


-1-
من المؤكد أنني لن أقول لكم ما قالته ماري أنطوانيت لشعب فرنسا: كلوا بسكويتا بدلا من الخبز، فالحكاية متعلقة بتكييف الوضع القائم ليتسق مع التطورات القادمة، وكيفية مواجهتها!
حتى وصولي سنة تقديم امتحان التوجيهي «الثانوية العامة» لم يدخل بيتنا رغيف خبز واحد من السوق، إلا على سبيل التذوق أو الصدفة، فقد كانت الوالدة يرحمها الله، تخبز في البيت كل يومين أو ثلاثة ما يكفي لأسبوع، بل أذكر أننا حينما كنا نأكل «خبز السوق» كما كنا نسميه، كان البعض «يغمس» خبز البيت به، باعتباره نوعا آخر من المأكولات، من باب ندرته واختلاف طعمه، كأنه نوع من الحلويات أو الفواكه، أو حتى الطبيخ!
ومثل بيتنا، كانت بقية البيوت، فلم نعرف شراء «خبز السوق» إلا حينما بدأت نساؤنا يخفن على جمال أظافرهن من أن تتكسر أو «تتلوث!» بالعجين، وحينما أعود بذاكرتي لأيام خبز البيت، اشعر بحنين جارف لرائحة الخبز الساخن، وهو يخرج للتو من «بيت النار»!
وبيت النار هذا كان إما الفرن العربي البلدي، ذا الصناعة المحلية، التي يتقنها حدادو بلادنا، وثمنه في متناول الجميع، أو «طنجرة الكهرباء» ، وكلا الطريقتين كانتا تنتجان خبزا عالي الجودة، خاصة إذا تم خلط الطحين الأبيض بطحين القمح الأسمر، إذ يكون المنتج لذيذا وصحيا، وقابلا للخزن أياما عديدة، دون أن يصيبه التلف، وبالطبع كان من النادر جدا، بل ربما من المستحيل، أن يزيد من «عجنة الأسبوع» شيء، فكل ما يُخبز كان يُؤكل، وكان من الحرام المغلظ أن نرمي ولو كسرة خبز في الزيالة، بل لطالما شاهدت ختيارية بلادنا وهم ينحنون على كسرة خبز ضلت طريقها على طرف الشارع، فيقبلونها ويمررونها على رؤوسهم، ثم يضعونها برفق في مكان بعيد عن تزاحم الأقدام، وهم يقولون أن هذه «نعمة» والنعم لا تُرمى، ومن يرمي النعمة حُرم منها!
-2-
الرد العملي على رفع سعر الخبز، عدم شرائه، وهذه طريقة حضارية في المقاومة، وقانونية ومعترف بها لدى كل الشعوب، والبديل؟ ببساطة اصنعوا خبزكم في بيوتكم، كما كانت أمهاتنا يفعلن، واعتبرن يا نساء اليوم عملية خبز ما تحتاجه الأسرة من الخبز، كأنها عملية إعداد طبخة أو أكلة معجنات، يعني لن تزيد عملية إنتاج الخبز في البيت من أعبائكن، ولن تتسبب عملية العجن بإيذاء أظافركن الجميلة، فثمة آلات عجن كهربائية زهيدة الثمن، يمكن أن تقوم بالمهمة نيابة عنكن!
لست ممن يجيد فن الحساب، ولكنني على يقين أن عملية إنتاج الخبز البيتي ستكون أوفر بكثير من عملية شراء الخبز الجاهز، بدليل أن الأفران والمخابز التي تنتج الخبز وتبيعها بأسعار معينة تحقق ربحا وفيرا، وبعملية حسابية سريعة، فإن إنتاج خبز البيت سيختصر هذه الأرباح، وستذهب إلى جيب رب البيت، ليس هذا فحسب، بل ربما تدفع هذه العملية صاحب القرار إن تمت ممارستها على نطاق واسع وجماهيري إلى إعادة النظر فيما يريد أن يفعله بنا، من رفع لسعر الخبز ولو بطريقة غير مباشرة!
-3-
 العتب على الفلاح الذي أهمل أرضه وتركها بورا عقيما، ولو رمى بها حفنة من قمح لكفته مؤونة شراء الخبز بالديْن، ولو لفترة معينة، العتب ليس كله على الحكومات، بل على الجميع، وعلى السلوك الاستهلاكي الذي اعتاد عليه شعبنا، وأنا حتى الآن لا أفهم كيف يشتري من لديه أرض مستلزماته أكله من السوق، فقليل من الدجاج وعنز وخروفان، وبعض الأرانب، ومساحة صغيرة لزراعة الخضراوات، كفيلة بسد رمق أسرة، تشتري خبزها بالديْن!

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل