الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تحول القضية الفلسطينية من قضية قومية إلــى مشكلــة انقسـام فصائلـي تحـت الاحتــلال

تم نشره في الثلاثاء 12 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

 عدنان أبو عودة

مقدمة تاريخية

قبل شهر ونصف الشهر صدر في عمّان كتابي الذي تبناه المركز العربي للأبحاث بعنوان «يوميات عدنان أبو عودة من 1970-1988». لقد اخترت أن أهدي كتابي في مطلعه إلى أولئك الذين يؤمنون بأن اكتشاف ماضيهم يؤمّن لهم حاضرهم، وينقذ مستقبلهم. ومحاضرتي ستكون وفق إهدائي، فأنا الأولى أن أعمل بموجبه.
يمكن تصنيف كتابي بأنه التاريخ السياسي لحقبة مهمة من تاريخ الأردن الحديث، وبحكم الواقع الجيوسياسي للأردن يمكن للمرء أن يدرك أن حوادث هذه الحقبة لم يصنعها الأردن وحده، بل صنعها عدد من اللاعبين الإقليميين والدوليين. ولكي نفهم أهميتها التاريخية لا بد من التقديم لها بعرض تاريخي موجز لأهم الحوادث التي وقعت في الوطن العربي في القرن العشرين.
يقول المفكر الأمريكي جورج فريدمان في كتابه الصادر عام 2012 بعنوان «العقد القادم: الإمبراطورية والجمهورية في عالم متغير». يقول: «إن القرن للأحداث أمّا العقد فهو للأشخاص».
وبناءً عليه، سأقوم بتحقيب القرن العشرين في الوطن العربي على الشكل التالي:
أولاً: حقبة الاستعمار الغربي للوطن العربي التي بدأت عقب الحرب العالمية الأولى. كان الاستعمار البريطاني والفرنسي قد بدآ استعمارهما الغربي في القرن التاسع عشر؛ فرنسا في شمال افريقيا، وإيطاليا في ليبيا، وبريطانيا في أطراف الجزيرة العربية، أي جنوب اليمن ومنطقة الخليج العربي، وكذلك في مصر للسيطرة على قناة السويس.
أما الاستعمار الغربي الذي جاء بعد الحرب العالمية الأولى فقد أعطى لنفسه شرعية استعمار بقية الوطن العربي من عصبة الأمم التي شكّلها المنتصرون. وأخطر ما صنعه الاستعمار اللاحق كان زرع بذرة سامة في البستان العربي، أسماها الاستيطان اليهودي في فلسطين. وقد خططت بريطانيا لرعايتها بأن انتدبت لحكم فلسطين وعملت على سقايتها حتى أصبحت شجرة معمرة معترفاً بها من الأمم المتحدة التي قررت تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية في تشرين الثاني/ نوفمبر 1947.
إن البذرة السامة تلك حينما نضجت وأخذت شرعية وجودها كشجرة غدت لاعباً جديداً في الإقليم، وأخذت تنثر لقاح حباتها السامة في المنطقة. وفي حقبة الاستعمار اكتشفت الدول الغربية الصناعية النفط في الجزيرة العربية والعراق وشمال أفريقيا. وباكتشافه مع قناة السويس التي تعتبر الشريان الأهم في التجارة الدولية، أصبحت المنطقة العربية من أهم الأقاليم في العالم لارتباطها بالمصالح التجارية والاستراتيجية الدولية.
ثانياً: حقبة الاستقلال وتصفية الاستعمار. بدأت هذه الحقبة بعد تشكيل الأمم المتحدة التي، وبناءً على رغبة أميركا، قررت تصفية الاستعمار، وذلك في عام 1945. وبهذه النقلة التاريخية دخلت الأمة العربية حقبة نشوء الدول القطرية على غرار الدول الأوروبية في القرن التاسع عشر.
واصلت الدول العربية استقلالها إما بالاتفاقات السياسية بين المستعمر والمستعمر أو بالكفاح المسلح حتى 1971.
وشهدت هذه الحقبة حوادث وتحولات مهمة تركت أثارها السلبية التي تعيش معنا حتى الآن ونحن في القرن الحادي والعشرين.
وأهم ما في هذه الحقبة أنها رافقت الحرب الباردة ولأهمية إقليمنا أصبح الإقليم جائزة يتنافس عليها الغرب والشرق الأمر الذي انعكس على سياسات الدول العربية سواء في علاقاتها الثنائية أو في علاقة الواحدة منها مع أحد المعسكرين الغربي والشرقي المتنافسين عليها.
ولعل من أبرز العوامل التي أشعلت نار المنافسة هو التداخل بين القضية الفلسطينية وإسرائيل وانقسام الدول العربية وفق تصنيف الانقلابات العسكرية إلى معسكر تقدمي يصادق الاتحاد السوفياتي ويتعاون معه ومعسكر رجعي يصادق الغرب ويتعاون معه واستمر الحال كذلك حتى نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي 1991.
ثالثاً: حقبة الانهيار بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب حزيران 1967. وقبل أن ننتقل إلى تشريح تطورات القضية الفلسطينية التي شكلت على مدى أكثر من نصف قرن منذ عهد الاستقلال المسألة التي التف حولها العرب كرمز للعمل القومي حيث تعاونت أو تنازعت الدول العربية باسمها أو بسببها ينبغي أن نتذكر بأن البعد القومي والوجداني باسم النهضة أحياناً والوحدة العربية أحياناً أخرى في ظل جامعة الدول العربية كمنظمة إقليمية –أقول أن البعد الجيوسياسي لكل دولة عربية كان يتداخل دائماً أو يتأثر بالسياسة الداخلية للدول العربية الأخرى وبالأخص المجاورة.
هذه الحقيقة تسببت منذ الاستقلال حتى يومنا هذا بإضراب في ميزان القوى في الإقليم، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام التدخل الأجنبي للمحافظة على توازن القوى من منطلق حماية مصالحه.

 القضية الفلسطينية
 بعد هذه المقدمة التاريخية الضرورية سأنتقل الآن إلى القضية الفلسطينية التي ظلت طوال القرن الماضي إلى يومنا هذا تتراوح أو بالأحرى تتذبذب بين حدّيها: الوطني الفلسطيني والقومي العربي.
وكانت ثورة فلسطين بين عامي 1936 و1939 ضد المستعمر البريطاني والاستيطان اليهودي معاً أبرز المحطات الوطنية قبل نشوء إسرائيل عام 1948.
وفي عام 1947 وبعد تأسيس جامعة الدول العربية في نهاية الحرب العالمية الثانية قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة تقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية وأخرى فلسطينية. وكان هذا القرار بمثابة حل الدولتين الذي ينادي به العرب والفلسطينيون هذه الأيام وأملهم في تحقيقه كما نشعر به اليوم آخذ في تراجع.
كان الموقف من قرار التقسيم قومياً حينما رفضته جامعة الدول العربية. وموقف الجامعة هذا يجسد أول نقلة للقضية الفلسطينية من الإطار الوطني إلى الإطار القومي.
وبعد هزيمة الجيوش العربية في حرب 1948 ومعاهدة رودس 1949 ونشوء وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين تراجعت القضية الوطنية لتصبح مشكلة لاجئين فقط، تبع هذا التراجع وقوع انقلابات عسكرية في الدول العربية التي اتبعت بعد الاستقلال النظام الديمقراطي.
كان أولها انقلاب عسكري سوري سنة 1949 تلاه انقلابان آخران ثم وقع انقلاب في مصر عام 1952 وجاء بعده في عام 1957 انقلاب أردني استباقي تلاه انقلاب في العراق عام 1958 والانقلاب الأردني كان الوحيد الذي لم يكن بقصد تغيير نظام الحكم بل لحمايته.
جميع هذه الانقلابات وما جاءت بعدها قامت بعمل مشترك واحد هو حظر الأحزاب السياسية أي إنهاء التعددية السياسية التي هي من أهم أسس الديمقراطية وكان أحد الأسباب التي ذكرت لتبرير أي انقلاب ضد القضية الفلسطينية وهزيمة الجيوش العربية عام 1948.
لكن انقلاب المرحوم الرئيس جمال عبدالناصر عام 1952 هو الذي حقن القضية الفلسطينية ببعدها القومي لتصبح من جديد قضية قومية.
ومع ذلك فإن عقد الخمسينيات وأوائل الستينيات لم تشهد أي عمل عربي مشترك حتى مشروع إسرائيل بتحويل روافد نهر الأردن إلى صحراء النقب. كان هذا الحدث هو الذي دعا إلى العمل العربي المشترك بعد هزيمة 1948، وقد تمثل ذلك بانعقاد أول مؤتمر قمة عربي أواخر 1963 لمناقضة المشروع الإسرائيلي بمشروع عربي مضاد، وتلاه في أوائل 1964 مؤتمر قمة ثانٍ أقر فيه الزعماء العرب إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، وهكذا تطورت القضية الفلسطينية شكلاً حينما أصبح الفلسطينيون لاعباً رسمياً مع الدول العربية، وفي عام 1967 شنّت إسرائيل حرباً وقائية ضد مصر وأطلقت عليها اسم حرباً استباقية لكي تعطيها شرعية دولية.
ولأن نتيجة الحرب كانت هزيمة عربية ثانية للجيوش العربية، واحتلال إسرائيل لأراضي دول عربية ثلاث أعضاء في الأمم المتحدة، تطورت القضية الفلسطينية إلى قضية دولية أصدر مجلس الأمن بصددها قرار 242 الذي يذكر كلما ذُكرت مشاريع السلام، هذه كانت بداية المرحلة الثالثة في تاريخ القضية الفلسطينية، بدأت وطنية وفشلت، ثم قومية، وأصبحت الآن دولية. لكن بعد إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 نشأت في ظلها حركة وطنية فلسطينية في غزة، هي حركة فتح، ثم ما لبثت أن انتشرت في أماكن الوجود الفلسطيني في لبنان وسورية والأردن ودول الاغتراب العربية وكان شعارها تحرير فلسطين، وعرفت بنفسها بالقيام بعملية فدائية في إسرائيل في 1 يناير 1965، وفي البداية كان أعضاؤها يسجنون في البلاد العربية المجاورة لإسرائيل تحسباً من قيام إسرائيل بالعدوان على الدول العربية التي يخرج منها الفدائيون لفلسطين.
وجاء العدوان الإسرائيلي على قرية السموع في محافظة الخليل في نوفمبر 1966 تأكيداً لهذه التحسبات وفي تلك الفترة نشأت منظمات فدائية أخرى إلى جانب حركة فتح وكانت تؤمن جميعها أن منظمة التحرير هي كيان سياسي جديد ستقوم بدور شبيه بأدوار الدول العربية المنشغلة بمشكلاتها الداخلية أي أنها خاضعة للموقف السياسي العربي ومن الصعب أن تصبح منظمة فلسطينية مقاتلة لتحرير فلسطين.
ولأن حركة فتح قدمت أوراق اعتمادها للشعوب العربية كحركة فدائية مقاتلة رأت الشعوب العربية فيها وفي مثيلاتها، بعد هزيمة الجويش العربية الثانية أمام إسرائيل، المنقذ لفلسطين والبلسم الذي سيداوي جرح الإذلال العربي الناجم عن حرب حزيران وفتحت الدول العربية أبواب سجونها للمعتقلين منهم بما فيهم الأردن، وتمركزت الحركة الفدائية في الأردن لسببين؛ أولهما طول الحدود الأردنية مع فلسطين وثانيهما الوجود الفلسطيني الكثيف في الاردن.
كنت في تلك الأيام المحلل السياسي في دائرة المخابرات الأردنية، وهو الموقع الذي سمح لي بمتابعة تطورات العمل الفدائي وأود هنا أن أشير إلى أمرين مهمين:
الأول: أن المزاج السياسي العربي بعد هزيمة حزيران كان ميالاً للاعتقاد أن الأمم المتحدة ستجبر إسرائيل على الانسحاب كما فعلت بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وبخاصة أن الأمم المتحدة عينت مبعوثاً لها هو السفير السويدي غونار يارنغ لتنفيذ قرار مجلس الأمن 242، ولكن المرحوم جمال عبدالناصر كما أعرف كان أول من أدرك أن إسرائيل تماطل وأن انسحابها من الضفة الغربية أمر شبه مستحيل، الأمر الذي جعله ينصح المرحوم الملك حسين «افعل أي حاجة لاسترجاع الضفة الغربية ولا تنتظرني ولا تنتظر اي جهة أخرى».
الثاني: أن قيادة فتح هي الأخرى بدأت بالاعتقاد أن انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية أمر ممكن أي أن الضفة الغربية ستعود إلى الأردن ولكن مرحلياً لا يمكن تحرير فلسطين بالكامل.
وباعتبارها أرض فلسطين فلنعمل على أن تعود لنا. هذا التفكير بدأ يتضح لنا في الأردن في الفترة بين عامي 1984 و1987 حينما بدأنا التعاون السياسي مع منظمة التحرير برئاسة المرحوم عرفات، ويمكن أن تتبينوه في كتابي «يوميات عدنان أبو عودة». نعود إلى التحولات في النزاع العربي الإسرائيلي نتيجة التعامل مع إسرائيل من خلال الوسيط الدولي، تأكد المرحوم عبدالناصر بأن إسرائيل تمارس لعبة الوقت فبدأ حرب استنزاف ثم خلفه الرئيس السادات ليشن حرب أكتوبر وتبدأ إسرائيل نتيجة الحرب بإخراج مصر من اللعبة بأن انسحبت من سيناء وفق اتفاق كامب ديفيد وذلك لأسباب استراتيجية إسرائيلية أما الضفة الغربية والجولان فكما تعلمون كان لهما قصة أخرى ندركها هذه الأيام.

كيف فكرت إسرائيل بمستقبل الضفة الغربية بعد ستة أشهر من احتلالها

وعودة إلى البعد الفلسطيني سأتلو عليكم كيف فكرت إسرائيل بمستقبل الضفة الغربية بعد ستة أشهر من احتلالها وذلك من أرشيف الدولة التي أفرجت اسرائيل عنه مؤخراً بعد مضي خمسين عاماً عليه وفق القانون الإسرائيلي.
وقبل أن أنتقي بعضاً من أقوال أعضاء الحكومة الإسرائيلية عن مستقبل الضفة الغربية، سأنقل لكم ما قرأته من كتاب لبروفيسور إسرائيلي في جامعة تل أبيب. يقول الكاتب إنه بعد احتلال الضفة الغربية بأسبوع عقد ليفي أشكول، رئيس وزراء إسرائيل آنذاك اجتماعاً ضم كبار الشخصيات السياسية والعسكرية، وقال لهم: «منذ الآن فصاعداً سنتعامل مع الضفة الغربية على أنها أرض محررة وليست أرضاً محتلة (أي محررة كأرض إسرائيلية)». وكما يعلم البعض منكم بسبب فارق الأعمال، كانت الإشارة الأولى للضفة الغربية: المناطق المُدارة، ثم أسقطت «المدارة» لتصبح «المناطق»، ثم استبدلت المناطق لتصبح «يهودا» و»السامرة» كما تُذكر اليوم.
أعود للاقتباسات التي نُشرت مؤخراً في صحيفة هآرتس الإسرائيلية «في كانون الأول 1967» تساءل أشكول في اجتماع للجنة الوزارية للشؤون الأمنية، «كيف ستتعامل إسرائيل مع مئات آلاف العرب الذين أصبحت تسيطر عليهم». وأضاف قائلاً: «في وقت معين سنضطر إلى اتخاذ قرار. يوجد الآن في المناطق 600 ألف عربي، ماذا سيكون وضعهم؟».
لاحظوا لم يذكر الأرض بل السكان، ولم يشر لهم بالفلسطينيين بل بالعرب، أي إن الأرض محررة لكن السكان هم المشكلة. وأضاف أشكول: «لقد مرت علينا عشرون سنة وثلاث حروب، ونستطيع أن نمضي عشرين سنة أخرى دون حسم الموضوع». علق موشيه كرمل وزير المواصلات: «إذا مكثنا عشرين سنة فسيعتاد العالم أننا نقيم في هذه المناطق». وأضاف أشكول: «أحد الحلول هو تشجيع هجرة العرب، وسأتولى إقامة خلية تكون مهمتها تشجيع هجرة العرب من هنا. ويجب علاج الأمر بهدوء وسرية، والبحث عن سبل لهجرتهم إلى دول أخرى وليس فقط إلى شرق نهر الأردن». قال ديان: «علينا توفير تصاريح عمل في الخارج للعرب من الضفة الغربية وقطاع غزة. عن طريق تمكين هؤلاء العرب من البحث وإيجاد عمل في الخارج ستزيد احتمالية رغبتهم في الهجرة بعد ذلك إلى تلك الدول».
أردت من إبراز هذه الاقتباسات تأكيد ثلاثة أمور:
الأولى: أن الصهيونية تقوم على ركيزتين؛ الأولى احتلال أرض فلسطين، وقد أمنتها في حرب حزيران، والثانية هي الديموغرافيا، أي حتى تنفذ الصهيونية هدفها لا بد أن تكون فلسطين وطناً يهودياً فقط.
الثاني: إن القيادات العربية السياسية ومنها الفلسطينيون (ولا أقول الأكاديميين والمثقفين) كانت معظمها تجهل الصهيونية وربما لا زالت.
الثالث: إن السلاح الأهم في أيدي الفلسطينيين اليوم هو الثبات على الأرض الفلسطينية، أما العرب فواجبهم الأهم هو العمل على تثبيتهم عليها.

مرحلة التحول الكبير من العمل العسكري إلى العمل السياسي

كانت حرب أكتوبر 1973 في أيامها الأولى، حينما اندفعت القوات السورية عبر خط وقف إطلاق النار في الجولان وعبرت القوات المصرية قناة السويس مصدر سعادة وفرح كبيرين لدى جماهير العرب في غرب الوطن العربي وشرقه حيث رأوا فيها معركة استعادة الكرامة العربية بعد إذلال حرب حزيران 1967 لكن حينما توقف إطلاق النار على الجبهتين السورية والمصرية تكشف أن النهاية لم تكن مثل البداية إذ تمكنت إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة من السيطرة على الموقف العسكري.
ومن منطلق خيبة الأمل الغاضبة أطلق عليها البعض حرب تحريك وليست حرب تحرير، وهذا الشعار هو بديل لما ساد عربياً حتى حرب أكتوبر من شعار «سنلقيهم في البحر» إلى شعار «إزالة إسرائيل» إلى شعار «تحرير الأرض المحتلة»، حينما أصبحت سيناء المصرية محتلة والجولان السوري محتلاً، وسائر فلسطين محتلة. هذا التراجع العربي رافقه التراجع الفلسطيني إلى أن أصبحت القضية الفلسطينية كما هي اليوم مشكلة داخلية يتنازع على سلامة التوجه لها فصيلان فلسطينيان، ليصبح الهم العربي إزائها هو مصالحة هذين الفصيلين، فتح وحماس، وليس تحرير الأرض المحتلة. بمناسبة ذكر الفصيلين المتنازعين لا بد أن أشير إلى واحدة من أخطر الحماقات التي ارتكبها الفلسطينيون حينما سمحوا لمنظمة التحرير أن تتشكل من عدة فصائل (ما زالت على الساحة حتى اليوم) ولكل فصيل رأس في عاصمة عربية أي أصبحت منظمة التحرير بعدة رؤوس بعضها ينازع الآخر امتدادا ً لخلافات ونزاعات الرؤوس الكبيرة بين العواصم.
لم يُعرف في التاريخ حركة ثورية واحدة نجحت في تحقيق أهدافها إلا ولها رأس واحد، مثال ذلك جبهة التحرير الجزائرية وحركة الفيتكونج في القرن الماضي.
بعد حرب اكتوبر حلت الولايات المتحدة حليف إسرائيل محل الأمم المتحدة لتقوم بدور الوساطة الذي تولاه هنري كسينجر
هذا الإجراء الذي قبلت به مصر ومن بعدها سورية يمثل حماقة سياسية ليس لها مثيل في تاريخ العلاقات الدولية
القرار 242 كان مكيدة مدروسة للمماطلة في بحث الانسحاب من الضفة الغربية، الأمر الذي سيمنح إسرائيل الوقت لتغيير الواقع الديموغرافي كمطلب لتحقيق الركيزة الثابتة للمشروع الصهيوني في فلسطين
جاءت اتفاقية كامب ديفيد لتؤسس بشكل صارخ لطور جديد هو سياسة الانفراد وإخراج القضية الفلسطينية من دائرة المسؤولية القومية
حركة الـ»BDS» ترعب إسرائيل اليوم وتضطرها لتوظيف اللوبي الصهيوني في الديمقراطيات الغربية، لسن قوانين تعاقب المستجيبين لها
قبل أن أدخل في تفاصيل سيرورة التراجع العربي أود أن أذكركم بالشعارات التي تتردد في التصريحات والبيانات العربية وأبدأ باللاعبين الأربعة الرئيسيين، وهم الذين احتُلت أرضهم.
تقول مصر: «أكتوبر آخر الحروب».
شعار سورية: «الممانعة» ولا بد من الملاحظة أن هذا الشعار دفاعي.
شعار الأردن: «السلام العادل» / شعار مطالبة.
منظمة التحرير: «دولة فلسطينية وعاصمتها القدس» / شعار مطالبة.
الصوت العربي الرسمي: «نقبل بما تقبل به منظمة التحرير» / شعار سلبي.
إذن نستطيع القول أن تراجع القضية الفلسطينية كان للفلسطينيين أنفسهم إسهاماً فيه مثلما ختمت الدول العربية بعد حرب أكتوبر هذه السيرورة لتصنيع ما أسميه التحول الكبير طبعاً نحو الأسوأ، وعام 1974 كان المنعطف الحاسم قومياً.
إن هذا المسار بدأته مصر السادات وانضمت إليه بالتدريج الدول العربية في البدء بشكل فردي وبعدها بشكل جماعي حينما تبنى العرب شعار «نقبل بما تقبل به منظمة التحرير الفلسطينية»، وهذا الشعار يعني ببساطة تملص الدول العربية من المسؤولية القومية.
أي أن القضية الفلسطينية أصبحت للدولة المعنية مباشرة أي لها أرض محتلة قضية قطرية.
وللآخرين مشكلة منظمة التحرير وفيما يلي سأعرض الكيفية التي أدت إلى ذلك.
أولاً: بدأت الحكاية في مصر السادات تحت شعار «مصر أولاً» ومضمون الشعار أن القضية الفلسطينية هي عبء لا بد من التخلص منه حتى تخدم بلدك.
ثانياً: كانت إسرائيل تدرك توجه مصر السادات نحو الانفراد وكذلك الولايات المتحدة من خلال المحادثات السرية التي أجراها بعض كبار المسؤولين المصريين مع هنري كسينجر.
ثالثاً: سارعت الولايات المتحدة بقيادة هنري كسينجر إلى توظيف الوضع الذي آلت إليه حرب أكتوبر وعرضت على مصر ان تقوم بدور الوسيط.
ورحبت مصر بذلك بل شجعته على ذلك. والخطورة التي انطوى عليه هذا التوجه إبعاد الأمم المتحدة صاحبة قرار 242 عن واجب التوسط بحكم مسؤوليتها الدولية حينما تحتل دولة بالعدوان أرض دولة أخرى.
وتذكرون أنه بعد انتهاء حرب حزيران صدر قرار مجلس الأمن 242 والذي بموجبه عينت الأمم المتحدة مندوباً عنها للقيام بمهمة الوساطة لكن بعد حرب أكتوبر وفي أعقابها مباشرة حلت الولايات المتحدة حليف إسرائيل محل الأمم المتحدة لتقوم بدور الوساطة الذي تولاه هنري كسينجر الأمر الذي يذكرني بقول الشاعر العربي أبي الطيب المتنبي
«يا أعدل الناس إلا في مخاصمتي.. فيك الخصام وأنت الخصم والحكم»
وفي رأيي أن هذا الإجراء الذي قبلت به مصر ومن بعدها سورية يمثل حماقة سياسية ليس لها مثيل في تاريخ العلاقات الدولية.
رابعاً: في عام 1973 أقنع كسينجر بعد وقف إطلاق النار أحد كبار المسؤولين المصريين آنذاك باستصدار قرار عربي في مؤتمر قمة الجزائر باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. رفض الأردن الذي كان معنياً دون غيره بالقرار في قمة الجزائر عام 1973، وأعيد طرحه في مؤتمر قمة الرباط 1974. ووافق الأردن بعد الضغط عليه ولم يدرك القادة العرب أو ربما أدرك بعضهم غير الأردن ما ينطوي عليه هذا القرار بجعل الضفة الغربية المحتلة أرضاً متنازعاً عليها بدل أن تكون أرضاً محتلة كما عبّر عن ذلك القرار 242. كان القرار مكيدة مدروسة للمماطلة في بحث الانسحاب من الضفة الغربية، الأمر الذي سيمنح إسرائيل الوقت لتغيير الواقع الديموغرافي في الضفة الغربية كمطلب لتحقيق الركيزة الثابتة للمشروع الصهيوني في فلسطين.
خامساً: تبنى المؤتمر الوطني الفلسطيني العاشر الذي عقد في القاهرة عام 1974 ما عرف باسم برنامج النقاط العشر والذي جاء فيه أن المنظمة ستعمل على إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء يتحرر من الأرض الفلسطينية وذلك على طريق التحرير الكامل.  استخلصت الولايات المتحدة وإسرائيل من هذا النص أن التحرير قد يكون جزئياً في مرحلة، ومع أن البرنامج أكد على الكفاح السملح فإنه لم يستثن وسائل أخرى، شرعية وغير شرعية، الأمر الذي يمكن المنظمة من فتح قنوات دبلوماسية ويعطي قيادتها مستقبلاً شرعية التوافقات أي الحلو الوسط.
إن مخرجات المحادثات في أوسلو عام 1993 هي شاهد على سلامة القراءة الصهونية التي ذكرت.
وفي العام ذاته 1974 تكشفت لنا في الأردن حقيقة مهمة حينما رفضت إسرائيل إجراء فك اشتباك مع الأردن، أي القيام بانسحاب جزئي من الضفة الغربية كما فعلت مع مصر ومع سوريا. وكان جواب كسينجر على طلبنا الذي حمله من الحكومة الإسرائيلية «صحيح أن الأردن شارك في القتال على الجبهة السورية لكن لم يفتح جبهة من أراضيه» والحقيقة التي استخلصناها أن إسرائيل ليس لديها النية في الانسحاب من الضفة الغربية.
وفي العام 1979 جاءت اتفاقية كامب ديفيد لتؤسس بشكل صارخ لطور جديد هو سياسة الانفراد وإخراج القضية الفلسطينية من دائرة المسؤولية القومية.
وحينما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 توجه الاهتمام العربي نحو تلك الحرب وظهرت بشكل أوضح بادرة الأولوية القطرية على القومية حينما وقفت سوريا البعث وليبيا القذافي مع إيران ضد العراق، وتركت منظمة التحرير منشغلة بفتح قنوات دبلوماسية تماماً كما قرأت إسرائيل والولايات المتحدة برنامج النقاط العشر، والأبرز في التحرك الفلسطيني كان انتقال عرفات من بلد إلى آخر في طائرته، وهكذا غدت قضية فلسطين مشكلة فلسطينية خالصة.
ترك لمنظمة التحرير أمر متابعتها سياسياً بعد عام 1982 حينما شنت إسرائيل حربها على منظمة التحرير في لبنان واحتلت العاصمة بيروت وكانت حرباً قاتلة للمقاتلين الفسلطينيين الذين خرجوا من لبنان آخر معقل لهم مجاور لإسرائيل وتوزعوا على الدول العربية التي شكّل رؤساؤها رؤوس بعض الفصائل الفلسطينية، أما القيادة الفلسطينية من فتح فاستقرت في تونس بعيداً عن أرض فلسطين ومعها عدد من مقاتليها وتفرق الكثير منهم في الأردن وسوريا والعراق واليمن.
زادت إسرائيل نشاطها في إرساء الأمر الواقع الديموغرافي في الأرض الفلسطينية المحتلة، بينما توجه الاهتمام العربي عاطفياً لمنظمة التحرير وليس لفلسطين ولم يعبأ بهذه الحقائق الجديدة إلا الأردن، لأن الحكومة الأردنية كانت تعي مضاعفات هذا الواقع المتطور على مستقبل المملكة.
وفي عام 1984 تغيرت الحكومة الأردنية وعينت في الديوان الملكي وفي وقت مبكر من وجودي في الديوان أدركت عمق القلق الذي كان يخيم على المرحوم الملك الحسين بسبب الاستيطان الإسرائيلي الذي ازداد نشاطه بعد أن هُيئ لإسرائيل المجال لشراء الوقت وتوظيف وتحقيق الركيزة الثانية للصهيونية وهي تغيير الواقع الديموغرافي في الضفة الغربية لصالح تضخيم التواجد اليهودي.
واقترحت شخصياً على المرحوم أن نبطل مقصد كسينجر من الممثل الشرعي الوحيد وليس بالتراجع عن اعترافنا بأن المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد، ولكن بالاتفاق على مستقبل الضفة الغربية مع المنظمة لإلغاء فكرة أنها متنازع عليها، وحينئذ يمكن إعادتها بالتدريج لحضن الأمم المتحدة.
بدأنا بتنفيذ الخطة عام 1984 حينما استضفنا المؤتمر الوطني الفلسطيني في عمان، وافتتحه جلالة الملك وبعدها سرنا بخطوات حثيثة وتوصلنا إلى اتفاقية في شباط 1986 أساسها كونفدرالية أردنية فلسطينية بعد انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية وسرنا خطوة نحو إعطاء مصداقية لهذه الاتفاقية بتشكيل وفد أردني فلسطيني مشترك يقوم بزيارة الدول ذات العلاقة وأهمها الولايات المتحدة وبقية الدول المتمتعة بقرار الفيتو في مجلس الأمن وقداسة البابا.
وحينما طلبنا من واشنطن استقبال وفد أردني فلسطيني مشترك اشترطت أمريكا أن تعلن المنظمة تخليها عن الإرهاب وأن تقبل قراري مجلس الأمن 242 و338. ولقد جهدنا في الأردن بإقناع المرحوم عرفات بقبول القرارين وفشلنا.
وبالتالي فشلت الاستراتيجية التي تبنيناها وعاد الركود إلى النشاط السياسي ليضاف إلى توقف العمل العسكري بعد خروج المنظمة من لبنان، وفي شباط 1987 أعلن المرحوم الحسين في خطاب مفصل عن تخلينا عن الاتفاق، لكن الأردن لا يستطيع أن يبقى دون حراك والمستوطنات تتكاثر والضغط على الفلسطينيين تحت الاحتلال يزداد.
وفي نيسان من نفس العام توصل المرحوم الملك حسين مع بيريز وزير خارجية إسرائيل آنذاك إلى اتفاق لعقد مؤتمر دولي يمثل فيه الأردن والفلسطينيون بعيداً عن منظمة التحرير، حيث اعتبر المرحوم الملك حسين أن تلك الخطوة جيدة بإعادة القضية إلى الأمم المتحدة، لكن بيريز فشل في إقناع شامير الليكودي المتمسك بالضفة الغربية باعتبارها أرض يهودية محررة. هكذا فشلت الاتفاقية ليتبعها الحدث الأهم في تاريخ النضال الفلسطيني وهي الانتفاضة التي اندلعت في كانون الأول من نفس العام والتي قام بها الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال بسائر طبقاته الاجتماعية والمجموعات العمرية من الأطفال حتى الشيوخ رجال ونساء.
لعب الإعلام دوراً دولياً هاماً حيث أيقظ إلى حد ملحوظ الضمير العالمي وبدأت إسرائيل تشعر بضغط عالمي عبرت عنها الشعوب والحكومات واستمرت هذه الانتفاضة حتى مؤتمر مدريد 1991.
وفي تموز 1988 قرر الأردن فك العلاقة القانونية والإدارية مع الضفة الغربية لتتولى منظمة التحرير الفلسطينية مسؤولية المفاوضات مع إسرائيل باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، عملاً بقرار مؤتمر قمة الرباط عام 1974، وبعد قرار الأردن فك الارتباط بأسابيع قليلة أعلن المرحوم عرفات قبوله بقراري 242 و338 اللذين رفض القبول بهما وفق الشراكة الأردنية الفلسطينية.

مؤتمر مدريد

في مدريد لم تقبل إسرائيل بوفد فلسطيني مستقل ومن خلال الضغط الأمريكي قبل بوفد أردني فلسطيني مشترك شريطة ألا يكون الفلسطينيون ممن عرفوا بمكانتهم في قيادة المنظمة.
(لمعرفة وقائع مهمة لفك العلاقة القانونية والإدارية مع الضفة الغربية يمكنكم الإطلاع عليها في كتابي «يوميات عدنان أبو عودة»).
وأثناء المفاوضات الإسرائيلية مع الوفد الأردني والفلسطيني في واشنطن فوجئ المفاوضون والعالم بنتائج المفاوضات السرية التي عقدتها إسرائيل مع منظمة التحرير في أوسلو وذلك في أيلول عام 1993. وأهم ما في هذه الاتفاقية أن منظمة التحرير اعترفت بدولة إسرائيل، وبينما اقتصر اعتراف إسرائيل بالمنظمة، ولم يأت أي ذكر عن القدس أو مشكلة اللاجئين أو الحدود، حيث تركت لمفاوضات قادمة يجريها الطرفان تحت عنوان «مشكلات الحل النهائي».
ظن القائمون على المنظمة أن الدولة الفلسطينية قادمة وقد مضى حتى الآن ما يقرب من ربع قرن دون أن تبدو أي إشارة للدولة الفلسطينية، وفي هذا المجال أود أن أطلعكم على حقيقتين لهم صلة بالموضوع.
الأولى: حينما كنت وزيراً للإعلام زارني السفير السوفيتي في عمان آنذاك وبصحبته شخص قدّمه السفير بأنه مدير معهد الاستشراق في موسكو واسمه يانغيني بريماكوف. تحدثنا عن شؤون الشرق الأوسط وفي مقدمتها الشؤون الفلسطينية ونشأ بيني وبين السيد بريماكوف الذي أخذ يزور عمان مرة واحدة كل سنة يقابل خلالها جلالة المرحوم الملك الحسين ويقابلني صداقة.
وفي عام 1981 زار عمان كعادته واستقبلته في مكتبي في وزارة الإعلام وفي حديثنا عن القضية الفلسطينية قال لي: «انسَ موضوع الدولة الفلسطينية لأنها لن تقوم». سارعت بعد مغادرته بالذهاب إلى الديوان الملكي كما جرت العادة حيث كنت أذهب لمقابلة جلالة الملك وإعطائه خلاصة المقابلة. وحينما ذكرت له ما قاله السيد بريماكوف قال لي جلالة الملك إن بريماكوف قال له نفس الشيء.
أما الثانية: في شباط عام 1991 بعد أن قام الحلف الأمريكي الذي ضم عدداً من الدول العربية منها سورية ومصر والمغرب بإخراج الجيش العراقي من الكويت أعلن الرئيس بوش الأب عن نية أمريكا لعقد مؤتمر دولي للسلام بين العرب وإسرائيل. وفي أول الأسبوع الثاني من آذار أخبرني جلالة المرحوم أن السفير الأمريكي في عمان طلب منه بناء على توجيه من واشنطن أن يرسل موفداً ليشرح له ماذا قصد الرئيس بوش من المؤتمر الدولي، واختارني جلالة الملك لأكون موفده وأعطاني توجيهاته. وفي النصف الثاني من آذار قابلت وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر في مكتبه في واشنطن وأخذ يشرح لي ما قصده رئيسه من المؤتمر الدولي. وبعد ربع ساعة من الحديث قال لي: أظن أنك الآن أدركت ما هو المقصود. فأجبته لا أعتقد ذلك لأن كل ما ذكرته هو الجانب الإجرائي عن المؤتمر من سيرأس المؤتمر؟ ما هي اللجان الثنائية التي ستشكل ولجان متعددة الأطراف وغير ذلك من أطر؟ بعد ملاحظتي استأنف الحديث وكرر تقريباً مع بعض الشرح ما ذكره في ربع الساعة الأولى وحينما انتهى حديثه قال أعتقد الآن أن الأمور قد أصبحت واضحة لك. قلت صحيح لقد اتضح الجانب الإجرائي لكنك لم تتعرض للقصد من عقد المؤتمر The End Game.  لقد أدرك حينئذ ما قصدت وقال: بصفتي وزير خارجية أميريكا أقول لك أنه لن يكون هناك دولة فلسطينية بل كيان فلسطيني أدنى من دولة وأعلى قليلاً من حكم ذاتي.
كان بين ما سمعته من المسؤول السوفيتي عام 1981 وما سمعته من وزير الخارجية الأمريكي عشر سنوات.

اقامة السلطة الفلسطينية
في عام 1994 أقيمت السلطة الوطنية الفلسطينية، لإدارة الضفة الغربية وغزة، وفي نفس الوقت حرص الفلسطينيون على استئناف المفاوضات لبحث إقامة الدولة ومشكلات المياه والأمن وغيرها.
أحسن الفلسطينيون بأسلوب المماطلة الإسرائيلية، واندلعت الانتفاضة الثانية عام 2000 في ظل السلطة الوطنية الفلسطينية، ووظفتها إسرائيل إعلامياً ودبلوماسياً للإدعاء بأن الفلسطينيين لا يريدون السلام واخترعت إسرائيل مصطلح «Irrelevant» صفة لأبو عمار، أي لا صلة له بالأمر أو لا أهمية له. إلى أن حاصرته في مكتبه حيث مرض وتوفي في فرنسا.
لكن في عام 2002 حينما انعقد مؤتمر القمة العربي الدوري في بيروت أبدى العرب اهتماماً بما يجري في فلسطين بسبب الانتفاضة الثانية، وخرجوا بقرار عن السلام الفلسطيني الإسرائيلي، ينص على أن سائر الدول العربية ستطبع العلاقات مع إسرائيل إذا أقيمة الدولة الفلسطينية عملاً بحل الدولتين.
لم تبد إسرائيل أي اهتمام بالقرار. ويشار إليه عربياً فقط في التصريحات الصحفية. أي أنه لم يؤخذ بجدية من قبل إسرائيل، وإثر ذلك شكلت اللجنة الرباعية لاستئناف جهود السلام من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، أي أن القضية دُوّلت من جديد. وفي عام 2007 عين توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق رئيساً للرباعية، ولأن المبادرة العربية تحدثت عن حل الدولتين، ظن العرب أن الرباعية هي التي ستحقق ذلك، لكن الرباعية لم تفعل ذلك، وحينما استقال بلير عام 2015، صدر بيان عن الرباعية الدولية جاء فيه «أن بلير أبدى التزاماً لا يتزعزع بقضية السلام الإسرائيلي الفلسطيني وبذل جهوداً كبيرة لدعم النمو الاقتصادي وتحسين مستوى الحياة في الضفة الغربية وقطاع غزة» ويلاحظ أن البيان لم يتطرق لذكر حل الدولتين.
وفي الولاية الأولى والثانية للرئيس أوباما، حاول دعم جهود بلير بأن عهد للسيناتور ميتشل ليقول بمهمة الدفع لحل الدولتين، وفشل. وفي ولايته الثانية عهد المهمة لوزير خارجيته كيري وفشل هو الآخر.
وكل ما فعله أوباما كان تصريحاً نصح فيه إسرائيل مجرد نصيحة «أن إسرائيل لا تستطيع أن تكون يهودية وديمقراطية في نفس الوقت». ولم يتهمها مباشرة بمسؤوليتها عن إفشال التوصل إلى سلام عادل.
الخلاصة سيداتي سادتي أن الجهود العربية والفلسطينية السياسية والجهادية، والجهود الدولية، فشلت حتى الآن في إقامة دولة فلسطينية على 22% من أرض فلسطين. ليس فقط ذلك، بل أن السلطة الفلسطينية ذاتها شُطرت إلى جزأين؛ الضفة الغربية بقيادة السلطة الوطنية، وقطاع غزة بقيادة حماس، وذلك عام 2007.
والسؤال هو، هل انتهت الأمور عند هذا الحد وما علينا إلا انتظار إعلان وفاة حق الفلسطينيين بتقرير المصير والعيش بحرية وكرامة في وطنهم؟
الجواب جاء عام 2005 حينما تفتحت زهرة خارج البستان العربي إسمها «BDS» والتي أطلق عليها أحد الصحفيين الغربيين اسم الانتفاضة الإلكترونية. ويبدو أن النجاحات الصهيونية المتوالية قد أعمت إسرائيل عنها فأخذت تنتج من أحشائها نقيضها.
أما حركة الـ»BDS» التي ترعب إسرائيل اليوم وتضطرها لتوظيف اللوبي الصهيوني في الديمقراطيات الغربية، لسن قوانين تعاقب المستجيبين لها هي عبارة عن تحالف بين نشطاء فلسطينيين ومعظمهم من الطلاب ويهود ليبراليين في الولايات المتحدة وأوروبا ممن يؤيدون إسرائيل ولكنهم ينتصرون لحل الدولتين، ويرفضون نظام الأبرتهايد، الذي أقامته إسرائيل ضد الفلسطينيين، سواء من كان منهم تحت الاحتلال في الضفة والقطاع، أو في إسرائيل ذاتها.
وأخيراً إن الأمل الوحيد يتمثل في ثبات الشعب الفلسطيني، على أرضه وفي دعم الـ»BDS» في الدول الديمقراطية، بإيقاظ القيم العمالية ممثلة بالعهود الدولية، في ضمائر المجتمع الإنساني. وذلك كي نتجنب السكونية التي فتكت بالقوة العسكرية ويطلق ديناميات إنسانية من خلال منظمات المجتمع المدني وقانونية من خلال الأمم المتحدة ومختلف منظماتها.
وأرجو من هذا العرض أن أكون قد أحسنت توظيف إعادة اكتشاف التاريخ في إظهار الندوب القبيحة التي ظهرت على وجه أمتنا بسبب الاستعمار وتحالفه مع الصهيونية والجهل العربي وتشرذم الأمة، لعل الجيل القادم يحسن الاستفادة كي ينفذوا مستقبلهم.
والسلام عليكم.

* محاضرة القيت في معهد الدراسات العليا بالدوحة

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل