الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أوهام صفقة القرن والتسوية المستحيلة

عبد الحميد المجالي

الاثنين 18 كانون الأول / ديسمبر 2017.
عدد المقالات: 104

كثير من الأجوبة لاتزال غائبة وغير واضحة، وتتأرجح بين الاشاعات والتسريبات المقصودة وغير المقصودة لاسئلة تتعلق بما يسمى بصفقة القرن، التي قيل ان ادارة الرئيس الامريكي ترمب تسعى لطرحها كتسوية للصراع العربي الاسرائيلي. وبغض النظر عن التفاصيل، فان السؤال الاكثر اهمية في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ الشرق الاوسط وتاريخ الصراع هو : كيف لرئيس امريكي ان يتبنى بعد اعلانه اعتبار القدس عاصمة لاسرائيل ونقل سفارة بلاده اليها مشروعا للتسوية، وهو اعلان اطلق الرصاص على السلام وعلى اية تسوية، وكشف عن وجه ترمب الحقيقي، وهو انه طرف في الصراع لاوسيط يمكن الوثوق به؛ لان كل ما يتسرب او يعلن من الادارة الامريكية الجديدة اصبح بعد الآن يفوح برائحة الانحياز المطلق لاسرائيل، وان كان هذا الانحياز اصبح اكثر وضوحا ولايحتاج الى محاولة شم رائحته للعثور عليه.
لقد رمى ترمب بقراراته بشأن القدس قنبلة من العيار الثقيل في قلب الصراع ستصيب ترمب نفسه بعض شظاياها؛ وهي قنبلة تحاشى كل الرؤساء الامريكيين القاءها على صراع مشتعل منذ قرن من الزمان، وقادر على ان يحرق اصابع كل من يعبث به دون حذر او يقظة او تدبير. واذا كان هذا الرئيس قد رغب بالدخول في مغامرة الوصول الى تسوية للصراع، فانه اختار الباب الذي يغلق نفسه تلقائيا وراء من يحاول الدخول منه، وهو اختيار اما ناجم عن جهل مطبق بحقائق الصراع، واما سلوك ناجم عن تهور وعنجهية لا تستخدم عادة لا في السياسة ولا في الحرب؛ فالشرق الاوسط منطقة الحسابات الدقيقة والتوازن الفكري المدروس، لخبرتها الطويلة في الصراعات وتفاعلاتها على الصعيدين الاقليمي والدولي، وللتعقيدات التي تتصف بها صراعاتها على الدوام.
وعلى الرغم من ان ترمب قد حرق اشرعة سفنه قبل الابحار بها الى عمق الصراع، الا ان ما تسمى بصفقة القرن ستبقى متداولة سواء كان لها نصيب بالحضور على طاولة التفاوض الذي لم يعد معروفا من سيديره بعد قرارات ترمب الأخيره بشأن القدس، او انها تاهت طريقها وسط الدخان الذي خلفته هذه القرارات على كل الدروب المؤدية الى التسوية.
وفي كل الاحوال وحتى لو لم يلق ترمب قنبلته بشأن القدس، فان نصيب ما تسمى بصفقة القرن بالمرور، امر لم يكن واردا البته لغرابة الصفقة في تفاصيلها، و في تجاهلها للحقوق الفلسطينية ومنحها اسرائيل كل ما تريد، لأنها ببساطة صفقة اسرائيلية جيرت لادارة ترمب للتعامل معها باعتبارها حلا امريكيا وليس اسرائيليا.
عصب الصفقة يتركز على شبه جزيرة سيناء كمكان مقترح لدولة فلسطينيه تضاف الى قطاع غزة مع تفاصيل اخرى لامكان لذكرها، والحقيقة ان سيناء لم تكن بعيدة عن خرائط الصراع على فلسطين منذ بدايات القرن الماضي، فقد اقترح ثيودور هرتزل مشروعا استيطانيا كبيرا في سيناء يرتكز على العريش ويتسع منها، ويقوم المشروع على استئجار مساحة ارض قدرها ستمائة وثلاثون ميلا مربعا حول العريش لمدة تسع وتسعين سنة، على ان تكون هذه المنطقة منطقة تجمع وتركيز ووثوب الى فلسطين.
ولم تقبل الحكومة البريطانية بالمقترح لاسباب فنية.
وفي العصر الملكي في مصر عام 1950، عرضت الولايات المتحدة مشروعا لشراء سيناء وتوطين اللاجئين الفلسطينيين فيها، ولم يلق العرض الامريكي قبولا من الملك فاروق، كما لم تغب سيناء عن العديد من المشاريع والافكار التي طرحها مسؤولون اسرائيليين عبر السنوات الماضية؛ والان تطل سيناء من جديد كواحدة من الحلول والمقترحات لتسوية الصراع، و ما تسرب من الصفقة المقترحة لم يجد قبولا من طرفين رئيسيين فيها، وهما الجانبان الفلسطيني و المصري. فالفلسطينيون يؤكدون انهم لن يتخلوا عن فلسطين كأرض لدولتهم ووجودهم كشعب، والمصريون يؤكدون ان سيناء ليست للبيع او للمبادله، ولا تخضع مصريتها للمساومة.
وفي كل الاحوال فان السلام مع ادارة ترمب اصبح بعيدا بعيدا، وابعد مما هو متوقع لعوامل ثابتة ومستجدة، اولاها: ان الصراع الفلسطيني الاسرائيلي معقد بطبيعته واي مساس بثوابته سيضاعف من هذا التعقيد، وهو ما فعله ترمب بقرارته بشان القدس، اما بدراية مسبقة طغت عليها مصالح شخصية وعقائدية، واما بجهل لايعذر عليه رئيس اكبر دولة في العالم.
وثانيها : ان قرارات ترمب بشأن القدس، رمت به وبادارته خارج امكانية بقائه كوسيط مقبول وله مصداقية في عملية التسوية؛ وهو ما بات يعرفه ترمب وادارته ويحاول الخروج منه، وذلك يحتاج الى وقت ليس بالقصير، والى قرارات تعيد بعضا من المصداقية الضائعة.
وثالثها : ان الادارة الامريكيه وضعت قبل ايام مسألة مواجهة التوسع الايراني في المنطقة كأولوية، وبدأت باتخاذ خطوات قد تطول وتتدرج في معارج مختلفة، وذلك ايضا يحتاج الى وقت غير معلوم، كما يدخل المنطقة في انفاق لايعرف مداها وظلمتها؛ ما يعيد الصراع الفلسطيني الاسرائيلي الى خانة عدم الاهتمام الجدي في المنطقة والعالم.
ورابعها : ان دول العالم وقادتها وعلى الأخص حلفاء الولايات المتحدة كالاتحاد الاوروبي وبعض دول المنطقة، بدأوا ينظرون الى ادارة ترمب بشكوك وريبة، ويتعاملون معها بحذر نظرا لسلوكها غير المنضبط وغير المتوقع، والذي بات يخرج عن قواعد التعامل الدولي، اما لجهل الرئيس بالسياسة الدولية واصولها، واما لسعيه الى ادخال الغرور كواحد من محددات السياسة الخارجية الامريكيه، وذلك يربك العمل مع واشنطن على الصعيدين الثنائي والخارجي سواء في الشرق الاوسط او في غيره.
تلك هي حالة واشنطن في المنطقة بعد قراراتها بشأن القدس، وذلك مايجعل السلام او التسويه بوساطتها وبسلوكها مستحيلة وبعيدة عن كونها حقائق متوقعه، بل باتت اوهاما بعد الوقائع التي فرضتها التحولات الأخيرة على الصراع واطرافه.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش