الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الفقير «يتصدق» على الغني!

حلمي الأسمر

الاثنين 25 كانون الأول / ديسمبر 2017.
عدد المقالات: 2484


هدد ترامب من يصوت ضد بلاده في الأمم المتحدة بحرمانه من المساعدات الأمريكية، ولم يخضع لهذا التهديد أحد، فثمة مبادىء سامية أقوى من أي تهديد، ولكن هذا التهديد يجرنا للحديث عن حقيقة المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة، ودول العالم الثري للدول الذي يقال أنها فقيرة، وتلك «كذبة» كبرى تستحق التوقف أمامها طويلا، وبالأرقام، فهل حقا يساعد الأغنياء الفقراء في هذا العالم، أم أن الفقير هو الذي «يتصدق» على الغني؟
كتب جيسون هيكل في صحيفة الغارديان البريطانية في 14 كانون الثاني، مقالا بعنوان «المساعدات بالعكس: كيف تنمّي الدول الفقيرة الدولَ الغنية» وهو مقال على جانب كثير من الأهمية ويكشف زيف تلك الكذبة، يقول في بدايته: لطالما تليت على أسماعنا رواية مقنعة عن علاقة الدول الغنية بالفقيرة. تقول الرواية إن الدول الغنية العضوة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تجود بثرواتها على الشعوب الفقيرة في دول الجنوب بهدف مساعدتها في القضاء على الفقر وارتقاء سلم التنمية. نعم، لقد اغتنت القوى الغربية بفضل موارد مستعمراتها واستعباد أهلها خلال حقبة الاستعمار، إلا أن كل هذا بات من الماضي. هذه الأيام، تبلغ المساعدات التي يقدمها الغرب سنويًا أكثر من 125 مليار دولار، وهي خير دليل على حسن نواياه. إن ترويج هذه الرواية من قبل تجارة المساعدات وحكومات العالم الغني وصل بنا حد اعتبارها من المسلمات، إلا أن الأمور قد لا تكون بالبساطة التي تبدو عليها.فكيف هذا؟
مؤخرًا، نشرت منظمة النزاهة المالية العالمية في الولايات المتحدة ومركز البحوث التطبيقية في الكلية النرويجية للاقتصاد بيانات مذهلة، إذ جمعنا كل الموارد المالية التي تنتقل سنويًا بين الدول الغنية والفقيرة، ولا تنحصر هذه الموارد في المساعدات والاستثمارات الأجنبية وحركة السلع والخدمات، بل تشمل أيضًا تحويلات غير مالية من قبيل شطب الديون، وتحويلات غير متبادلة مثل تحويلات المغتربين والهروب غير الموثق لرؤوس الأموال، هذه الدراسة أكثر التقييمات شمولًا على الإطلاق لتنقلات الموارد بين الدول. ما كشفته الدراسة كان أن تدفق الأموال من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة ضعيف مقارنةً بتدفقها في الاتجاه المعاكس!
في عام 2012، أي آخر عام للبيانات الموثقة، تلقت الدول النامية ما مجموعه 1.3 تريليون دولار، بما يشمل كل المساعدات والاستثمارات وصافي الدخل من الخارج. إلا أن العام نفسه شهد تدفق 3.3 تريليون دولار إلى الخارج. بعبارة أخرى، إن ما أرسلته الدول النامية إلى باقي العالم يفوق ما تلقته بمقدار 2 تريليون دولار. إذا ما نظرنا في البيانات السنوية منذ عام 1980، فسنجد أن مجموع الأموال المتدفقة إلى الخارج يصل إلى 16.3 تريليون دولار، وهو مجموع الأموال المستنزفة من دول الجنوب على مر العقود الماضية. ولتوضيح فداحة الأمر، نشير إلى أن 16.3 تريليون دولار تساوي تقريبًا الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.
الخلاصة مما سبق هي أن الرواية المتداولة معكوسة، فالمساعدات تتدفق في الاتجاه المعاكس، وليست الدول الغنية من ينمي الدول الفقيرة، بل العكس صحيح. الدول التي تتباهى بمساعداتها الخارجية ما هي إلا الدول نفسها التي تقف وراء سرقات كبرى بحق الدول النامية.
مم تتألف هذه التدفقات الهائلة؟ جزء هو أقساط ديون. فمنذ عام 1980، أنفقت الدول النامية على الفوائد وحدها أكثر من 4.2 تريليون دولار، وذلك في شكل تحويلات نقدية مباشرة إلى بنوك كبيرة في نيويورك ولندن، الأمر الذي يقزّم المساعدات التي تلقتها هذه الدول خلال الفترة نفسها. يتمثل جزء كبير آخر من هذه التدفقات بالدخل الذي يجنيه الأجانب من استثماراتهم في الدول النامية ومن ثم يعيدونه إلى أوطانهم. أما الجزء الأكبر من التدفقات فيتمثل في هروب رؤوس الأموال غير الموثق وغير الشرعي في أغلب الأحيان. وتقدر منظمة النزاهة المالية العالمية أن الدول النامية قد خسرت منذ عام 1980 ما يصل إلى 13.4 تريليون دولار بسبب هروب رؤوس الأموال غير الموثق. لا تشير منظمة النزاهة المالية العالمية في أبرز إحصاءاتها إلى حجم الخسارة الناجمة عن تزييف الفواتير المتطابقة إذ يصعب رصد هذه الممارسة، إلا أنها تقدره بـ700 مليار دولار سنويًا. ولا تخص هذه الإحصاءات إلا سرقات تجارة السلع، فإذا ما أضفنا سرقات تجارة الخدمات، يبلغ صافي التدفقات حوالي 3 تريليونات دولار سنويًا. يعادل هذا الرقم 24 ضعف ميزانية المساعدات. بعبارة أخرى، لقاء كل دولار من المساعدات، تخسر الدول النامية 24 دولارًا في صافي التدفقات. بعبارة أخرى، إن بعض الدول التي تتباهى بمساعداتها الخارجية ما هي إلا الدول نفسها التي تقف وراء سرقات كبرى بحق الدول النامية. ليست الدول الفقيرة بحاجة إلى الصدقات، بل هي بحاجة إلى العدالة، وليس من الصعب تحقيق العدالة. بالمقدور إسقاط ديون الدول الفقيرة حتى يتسنى لها إنفاق أموالها على التنمية عوضًا عن فوائد ديون قديمة، وبالمقدور أيضًا إغلاق المراكز المالية السرية وفرض عقوبات على المصرفيين والمحاسبين الذين يسهلون التدفقات غير المشروعة، كما تستطيع دول الشمال فرض حد أدنى لضريبة عالمية على دخل الشركات حتى تزيل حافزها على نقل أموالها بسرية حول العالم.
هذه مجرد نتف من المعلومات الخطيرة التي اشتمل عليها المقال، وهي تكشف حجم الظلم الذي يحكم هذا العالم!
والحل؟ يقول كاتب المقال: إننا نعرف كيف نحل المشكلة، إلا أن ذلك ينطوي على تهديد مصالح بنوك وشركات قوية تتنعم بفوائد مادية كبيرة من النظام القائم. السؤال هو: هل نملك ما يلزم من الشجاعة لتنفيذ الحل؟

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش