الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

محمود الزيودي..ناطق باسم الذاكرة

د. مهند مبيضين

الثلاثاء 26 كانون الأول / ديسمبر 2017.
عدد المقالات: 947

الخروج من غريسا قريته التي أحب لم يكن -يوماً- خياراً متاحاً أو مفكراً به، ولا ممكناً، هناك حيث زرعت الذاكرة بواكير النشأة، والصوت الفلاحي الرعوي، وهناك حيث لا مفر من المواجهة مع الرعي، إذ كتب عليه الرعي مع شياه لأحد أقاربه في مكان غير غريسا، فما كان منه إلا أن جرّب الهروب والعودة لغريسا، ونجح في محاولته الثانية، وفرض على والده واقع الرغبة بالتعلم، والذي حاول ثني الفتى وإعادته راعياً، لكن الشغف للعلم فرض الخيار، فأرسله والده لمدرسة القويرة، حيث مدارس القوات المسلحة التي انشئت لأبناء البدو.
لاحقاً انتسب للجيش، وقوات البادية، هناك رسخت في ذاكرته قصص شهداء وبطولات القدس التي كان يرويها الجنود عن حرب 1948 ومن مخفر الصفاوي في عام 1964 بدأ مراسلة جريدة الجهاد المقدسية، ونشر أول مقالة له، فكانت الفرحة الكبرى، ورحلة مديدة مع الكتابة.
الأجيال تعرفه، كاتباً أو ممثلاً في أداور لم تكن تحتاجه لكبير عناء كي يمثل، فهو بدوي فلاح، أو حضري أفندي، يتقن ادواره بلا عناء، ساعده في ذلك التصاق أهم الأعمال بمخرج كبير مثل سعود الفياض الخلفات، كل ذلك حدث في أعمال مثل قرية بلا سقوف والغدير ووجه الزمان والغريب، والتبر والتراب وعودة أبو تاية وبير الطي والمحراث والبور، وشمس الأغوار ودروب الحنة، وغيرها من عشرات الأعمال الدرامية والمسرحية، التي وثقت لحظة التحول في الريف، وتبدّل الأنماط وظهور الفاعلين الاجتماعيين في القرى وفي المدن من محدثي النعمة.
نعم، في القرى أبرز الزيودي دور المختار والعم الكبير والمجنون والوجيه المتحفز، وابن الشيخ المفلس، الذي أفقره الزمان حين باع الأرض إرضاء لشهوات النفس أو للزوجه الثانية، هنا كان على حابس العبادي بدور «مجاهد» في مسلسل دروب الحنه أن يعاني صراعه مع «مشافي» رئيس البلدية الذي يثأر من مجاهد على خلفية صراع انتخابي، قصص الزيودي هنا تشبه ما يحدث اليوم وما هو مستمر حتى اللحظة.
 الزيودي منجم للهجة الفلاحية والبدوية، المفردات التي يقولها في دروب الحنه مثلاً، تكاد تكون انقرضت، فهل القدر يفسر أن يكون الراحل حبيب الزيودي الشاعر المعاصر الأكثر أظهاراً للمفردة الأردنية شعراً، وأن يكون محمود الزيودي رائداً في توثيقها عبر الدراما التي رصدت تاريخ التحولات الأردنية؟.
ذاكرة محمود الزيودي ثرية، إذ حفظ من عساكر المخافر التي خدم فيها مطلع الستينيات وبدأت في المدورة قصصاً ظلت رصيداً لزمن مديد، وشكلت جزءا هاماً من سرديته، التي تجاوزت أعماله دور الأقسام العلمية، واليوم الأجيال التي تذكره، لا تحمل في وجدانها عنه سوى صورة شبه ثابتة لم يعترها تبدّل كبير على مدى عقود: الحيوي الحضور، مزيج من الانفتاح العفوي على الآخرين، والمرح العلني المُعدّل من حدّة وقار ابن العشيرة، والسمعة الكبيرة، التي لها في الأذهان وجلسات السمر، أذكار تُذكر، حين يتستعيد الناس هبوب الريح وشمس الأغوار وقرية بلا سقوف وغيرها. فحولته إلى ناطق باسم ذاكرتنا.
 هذا الرجل من الحيطان العالية التي يصعب تجاوزها أو الوثوب عنها، علينا أن نعترف به كبيراً ومبدعاً وعوداً يعاد إليه، وثقّ ما كا فات، وما فوتته حقبة ما بعد الحداثة، بدأ من زمن العشرينات في القرن العشرين حيث حاول الزيودي استعادة سيرة الريف وتحولاته التي تفجرت مع مطلع الستينات حيث قيام المصانع في اطراف المدن، والتي جعلت الرعاة والمزارعون يتركون وظائفهم طمعاً في وظيفة بالمدينة تكون أقل جهداً، لكنها ستكون غربة وتغريباً وضياعاً وموت للقرى وربما اندثار. والأغلب أنها ستشكل لاحقا طبقة من الفاعلين في مجتمع المدينة، وبصور مختلفة.
في غريسا يقيم محمود الزيود، لم تسلبه عمان منها، لم يخرج من جُبة الحب إلا لها، قرية تمتد حضورا رومانياً ونبطياً واسلامياً، وتقف أردنياً وسيطاً بين مشاريق ومغاريب الأرادنة، وفي الرحلة للمغاريب ولد محمود الزيودي ساعة رحيل في يوم ما، مع «فجة الضو « كما يقال. اللهم امدّه بالصحة وموفور العطاء والحب.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل