الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ابتسامة «سِلْفي» مع النصر!

حلمي الأسمر

الأربعاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2017.
عدد المقالات: 2482


-1-
بوسعك حصر عشرات الصور لأسرى فلسطينيين وقعوا في قبضة الإرهابيين من جنود الاحتلال، وستلاحظ أن هؤلاء يبتسمون للكاميرا، كأنهم يأخذون صورا تذكارية لمناسبة عزيزة على قلوبهم!
آخر صورة لافتة لأسيرة، هزت مواقع التواصل الاجتماعي، كانت لوالدة الأسيرة عهد التميمي: ناريمان التميمي، وهي تبتسم ابتسامة «من الأذن إلى الأذن» كما يقولون، فيما كانت محاطة بجحفل من السجانين والسجانات، وكان مشهدا لافتا أن ترى الأسيرة تبتسم بكل هذا البذخ، فيما سجانوها مقطبو الحواجب، حتى لتحسب أنها هي التي تأسرهم، لا العكس..
ومن قبل رصد كتاب وصحفيون ومواقع إخبارية خمس صور شهيرة، لا بد أن القارىء العزيز يتذكرها جيدا، وكلها تعلن الرسالة نفسها: ابتسامة تعلو على ابتسامة الموناليزا في غموضها، في الصورة الأولى وأنا هنا أستعير الوصف، تظهر فتاة عشرينية محجبة محاطة بـأربعة من جنود الاحتلال الصهيوني، يشرق وجهها بابتسامة خالدة غير عابئة ولا مكترثة بالقيود التي في يديها، وربما لا يعرف أحد سر تلك الابتسامة العريضة التي كست الوجه والملامح في حين أن المنطق يقول إنه من المفترض أن يكون هناك دموع وهلع وخوف ونظرات حائرة مرتبكة مكان هذه الابتسامة، كما يقول أحد الكتاب، ومن المفارقات المدهشة أن الصهاينة الأربعة المحيطين بالفتاة الفلسطينية لحظة اعتقالها كانوا في حالة مناقضة تماما لحالتها رغم أنهم مدججون بالسلاح وهي وحيدة ليس معها غير ابتسامتها، وقد لوحظ أن أحدهم امتلأ وجهه  بكل ملامح الغضب، والثاني يطأطئ رأسه نحو الأرض والثالث والرابع في حالة ترقب!
في الصورة الثانية يظهر شاب فلسطيني محاط بعشرات من القتلة من جنود الاحتلال، وبرغم هيبة الموقف فإن الشاب ذا اللحية الخفيفة والملابس الممزقة بفعل اعتداء قوات الاحتلال عليه بدا وهو مبتسم غير عابئ بكم السلاح الذي يحيط به، ويبدو عليه الثبات فيما كان مرسوما على وجوه جنود الاحتلال وملامحهم القلق والغضب . وفي الصورة الثالثة يظهر أسير فلسطيني شاب يرتدي الكوفية الفلسطينية وهو مقيد بالأغلال ومطروح أرضا، بينما جندي صهيوني يقف بحذائه فوق جسده . ومع قسوة المشهد فإن الأسير الشاب أبى إلا أن يحرم الصهاينة من نشوة النصر ولذة القهر فخرجت ابتسامة من قلبه كست وجهه وهو تحت أقدام جنود الاحتلال الصهيوني فبدا كما لو كان ميلاد فجر ينير قلبه في ظل ظلمة عارمة! وفي الصورة الرابعة يظهر مجموعة من جنود الاحتلال وهم ممسكون بطفلة تبدو وكأنها لم تجاوز الثانية عشرة من عمرها. تظهر الطفلة في الصورة وهي تضحك بينما ينظر الجندي الصهيوني في الأرض. وفي الصورة الخامسة  تتكرر الضحكة من شاب فلسطيني يمسك به اثنان من جنود الاحتلال ويقيدان يديه من الخلف وهو مصر على ابتسامة ليحرم عدوه لذة النصر.
-2-
هذه بضع صور رصدها صحافيون وكتاب قبلي، وكلها صور شاهدتها بأم عيني، وغيري الآلاف، وكلها تطرح سؤالا كبيرا عن سر هذه الابتسامة الغامضة، ومدى سحرها، رغم أنها تخرج من أتون حالة في منتهى القسوة، حالة تشهد هدرا وحشيا لإنسانية الإنسان، على ايدي جنود متوحشين، جاءوا مهاجرين من أقاصي الدنيا للتنكيل بأهل الأرض وملحها، فلم يبتسم هؤلاء؟ وماذا يقولون بهذا المشهد المحير؟
البعض يرى أن الابتسامة تقول إن الصهاينة المحتلين خسروا رهانهم على  الجيل الجديد من الشباب الفلسطيني الذي ولد في ظل أوسلو ومدريد وواي ريفر، وانهيار النظام العربي الرسمي ، أمام أعداء الأمة المؤبدين، وإن ابتسامة الأسير هي طعنة بلا سكين، والأهم من هذا، أنها تحرم العدو لذة الانتصار، حتى لو كان انتصارا بطعم المذلة والهزيمة، فما معنى أن تستقوي على طفل أو طفلة، أو امرأة، أو حتى رجل أعزل، وأنت محاط بكل ما اخترعته آلة القتل البشرية، من أسلحة؟ أي انتصار يمكن أن تشعر به، وأنت تطارد مجموعة أطفال من حارة لحارة، وأنت لا تكاد تتحرك من ثقل ما تحمل من أدوات القتال؟؟
وسائل إعلام العدو تصف ابتسامة الأسرى الفلسطينيين بأنها «ابتسامة مقلقة جداً». والحقيقة أنها كذلك، فهي ابتسامة سلفي مع النصر، فالهزيمة التي لا تكسرك انتصار حتى ولو كان الانتصار المؤزر مؤجلا، فهو يقيم معك، ويمدك بقوة لا تنضب من التحدي ورفض الإقرار بالواقع الأثيم الأليم، الذي لا بد أن يتغير!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش