الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كل شيء قابل للحرق

رمزي الغزوي

الأربعاء 3 كانون الثاني / يناير 2018.
عدد المقالات: 1651


في العادة تحتل العاصمة المنغولية (أولان باتور) المركز الأول في التلوث عالمياً، وقد وصلت مستوياته فيها إلى 280 ميكروجراماً لكل متر مكعب، علماً بأن النسبة التي تحددها منظمة الصحة العالمية، يجب ألا تتجاوز العشرين ميكروجراماً للمتر المكعب الواحد.
بالطبع هذه المدينة ليس صناعية، وعدد سكانها لا يتجاوز المليون ونصف المليون نسمة، ولكنهم يستخدمون مدافئ الفحم والحطب. ولهذا يبدو سماؤها مقطباً مكفهراً، مسوداً، وكأنه ملبد بالهباب والسخام، خصوصا في هذا الأيام الباردة.
ولولا خشيتي أن أتزحزح عن جادة الصواب، لقلت إن بعضاً من قرانا الفقيرة، وجيوبنا العامرة بالعدم، والغائبة عن عين وقلب واهتمام الحكومة، باتت تنافس (أولان باتور) بالتلوث والهباب وتتفوق على طهران. إنهم يوقدون كل شيء: حطباً، فحماً، أحذية قديمة، وبساطير، كرتوناً، فوط أطفال، إبلاستيكاً، جفتاً، زيتاً محروقاً. إنهم يوقدون كل قمامتهم حتى آخر كيس إبلاستيكي، ويوقدون كل ما تصله أيادي البرد الكافر.
في صقيع أربعينية الشتاء لا أريد أن أعيد اقتراحاً قديماً اطلقه أحد البطرانين ينصح الأردنيين، أن يهاجروا مطلع كل شتاء، إلى النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، كما تهاجر الطيور، بحثاً عن مواطئ الدفء، كي نقلِّص فاتورتنا النفطية المتغولة؛ لأنه إقتراح لا يرش إلا سكراً بارداً على الموت، وينسى أن الفقر ليس له أجنحة تطير.
الفقير لا يفكر في التلوث، ولا يأبه بغيومه السوداء، ومستوياته العالية، ورائحته الكريهة، ولا يأبه بأن قطع شجرة معمرة من غابة مجاورة، يحرمنا من الأوكسجين والرطوبة، ولا يفكر في أضرار الغازات المنبعثة من احتراق الكاوتشوك والنايلون والقمامة. فكل شيء في سبيل الدفء يهون، وقد قال قائل منهم: نريد أن ندفئ صغارنا، حتى لو أشعلنا دفوف ظهورنا، وإعوجاج أضلاعنا.
كثرت الأصوات المطالبة بإنصاف هؤلاء الصامتين، الذين ترعبهم وتزيد ارتجافهم أسعار تنكة الكاز، وجرة الغاز، وفاتورة الكهرباء، ولهذا لجأوا إلى إحراق أي شيء متاح. فلماذا لا ننظر إليهم نظرة دفء وحنان، ولماذا نعتقد أنهم سيبقون على قيد الصمت طويلاً، وأنهم ينامون متكورين على هواجسهم، حالمين بقصائد الشبع والدفء، وبين القصيدة والقصيدة ينفثون شخيرهم الحار، الذي يكفيهم.
أيها الدافئون: أصحاب المواقد الحارقة لكل شيء، لديهم من الغيظ ما يكفي لإيقاظ بركان خامد منذ قرون، ولديهم من البرد ما يكفي لنعتقد أن حلمهم مبلول، وبارودهم أكثر بللاً، وفتيل احتراقهم مقطوع. فالتفتوا إليهم في هذا البرد

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل