الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

اختــــراق

تم نشره في الجمعة 19 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً
نايف النوايسة


هو لا غيره.. فركتُ عينيّ ودققت النظر به متفحصاً، وابتسمت وأنا أقول: هو هو بنظارته سميكة العدسات وشعره نصف الأشيب وبذلته التي بان عليها أثر الكوي المستمر.
اقتربت منه فحيّاني.. هو صوته الذي أعرفه وحنجرته الرنّانة وعيناه اللتان تمتلكان تعبيراً خاصاً مؤثراً حين يشرع بالكلام..
رددت عليه السلام، ثم هرول إلي فصافحني معانقاً.. هوهو لا غيره.. قلت له مبتسماً: هو أنت يا منير؟! قال: نعم يا صديقي. قلت: افتقدتُك منذ زمن، اختفيت ولم أعد أراك بيننا.. غاب صوتك الذي يُحركنا ويُلهب فينا الحماسة ويستثير هممنا!!
نظر إلي نظرة تُخفي وراءها أشياء كثيرة لم أفهمها ثم نحّى رأسه جانباً وصمت، فقلت: ما بالك يا رجل سكتَّ، لستََ كعادتك، الكل يفتقدُك واعتقد البعض من غيابك المفاجئ أنك سافرت خارج البلد!!
رمقني بنظرة سريعة ثم نكّس عينيه، اقتربت منه أكثر، وحدقتُ بهما من الأسفل، وقلت: ما الذي أصابك يا منير، عساك بخير؟
   على حين غرّة أدار ظهره وعاد إلى سيارته مسرعاً، وانطلق لا يلوي على شيء..
   فوجئتُ برحيله المباغت، كنتُ مذهولاً، ونطقت من غير وعي: ما بال الرجلُ  فرّ فرار المرعوب، لم أعهدْ منه ذلك؟؟
   عدتُ إلى الحافلة بعد أن صليتُ الظهر في المسجد القريب ولم يفارقني خيالُ منير الذي بدا لي كتلةً غامضة غير مفهومة وكأنها انقذفت من كوكب آخر، انزلقتُ إلى مقعدي مشتت النظرات بين الشجيرات المتناثرة على جنبات الطريق وخيال منير.
    اقترب مني أحد الزملاء في الرحلة، وأدنى فمه من أذني وسأل ضاحكاً: لماذا (تكهربتَ) عند مغادرة منير؟ نطقت: أَوَ تعرفه؟؟ ابتسم ورفع بصره إلى خارج الحافلة وقال: هو صديقي، وكنّا رفاقاً في الحزب، وكنّا.. وكنا.. ثم صمتَ وهو يهزّ رأسه.
   وسألته: ما بالك أنت الآخر سكتَّ؟قال حزيناً: كنّا ننتظره على أحر من الجمر ليحرّكنا بكلماته المؤثرة، وأنت تعلمه مثقفاً موسوعياً ومتحدثاً لبقاً.. لكننا افتقدناه فجأة.. وغاب دهراً.
   توقف صديقي عن الكلام وغابت نظراته في تلافيف الأفق وكأنه يبحث عن شيء ما.. ثبتُّ عيني على شفتيه اللتين بان عليهما الجفاف، وبلع ريقه أكثر من مرة، وقال: ذات صباح استُدعيت إلى التحقيق الأمني، وأخذ الضابط أقوالي، ومحورُها ما كنّا نقوله في لقاءاتنا، وطالت الاستدعاءات وكثرت، وقلت: الأمر عادي، وما الجديدُ عند من يكون في هذا المجال؟!!!
   ضحك صديقي ضحكة ذات معنى وواصل وهو يخبط أرضية الحافلة بقدميه: المفاجئ في الأمر أن الذي وراء كل ذلك هو (الرفيق منير) ذاته..
    صرختُ مستنكراً: نعم! قال: فقدناه زمناً، وتبيّن لنا بأن وظيفته أن يكون بيننا ويخطب ويثير الحماسة في النفوس..
   كان صديقي يواصل الكلام في الحين الذي رُفعتْ إليّ الغرفة التي كنّا نختبئ بها، وبرز منير وهو يرفع أصبعه منذراً مرة ومسفّهاً مرات، وأشاهد الأكف وهي تصفق له بحرارة ..
   الغرفة كائن مسكين، يعشقها الجميع، وفي يقيننا أن منيراً كان أحدهم.
    نافذةُ الحافلة تقذفني بعيدًاً، بوابةٌ مشرعة غلى فضاءات غارقة في الغموض، اختلست نظرة إلى الخلف فرأيت صديقي يغفو ورأسه يتأرجح على كتف زوجته..
   حاولت أن أفعل مثله، لكن منير المتكوّمُ بين عينيّ هو زوبعة من المرارة والكمد.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش