الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تجليات الحضور العمانيّ في الشعر الأردني المعاصـر

تم نشره في الجمعة 19 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً
عماد الضمور

تمتد مدينة عمّان إلى عهود تاريخية موغلة في القدم، تشهد على عظمتها، وأهميتها المتنامية، «وعمّان بلد في طرف الشام، وكانت قصبة أرض البلقاء...وقيل: إن عمّان هي مدينة دقيانوس، وبالقرب منها الكهف، والرقيم معروف عند أهل تلك البلاد» (1).
وممّا يدل على عراقة مدينة عمّان إقامة الإنسان فيها، منذ أكثر «من ستة آلاف سنة، أما إقامة الأبنية الضخمة، فتعود إلى العصر الحجري الحديث الذي ينتهي حوالي سنة 4500 ق.م، وقد اتجهت أذهان السكان من أبناء العصر إلى إقامة الرجوم المستديرة على هيئة صوامع» (2).
وقد جعلها صاحب كتاب «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» إحدى ثلاث مدن تشبه مكة في جغرافيتها، حيث يقول واصفاً مدينة مكة:»رأيت لها ثلاث نظائر : عمّان بالشام، واصطخر بفارس، وقرية الحمراء بخرسان» (3).
يعدّ قدوم الأمير عبدالله بن الحسين إلى عمّان عام 1921م حدثاً مهماً في تاريخها الحديث، حيث استقبله فيها جمهور كبير من مختلف أنحاء شرقي الأردن، بعدما وصلها قادماً من معان مع مجموعة من الأشراف على رأس «ثلاثين ضابطاً، كان أحدهم القائمقام حامد الوادي مرافقه العسكري، والشيخ مرزوق التخيمي، ونحو 200 من البدو أكثرهم من قبيلة عتيبة « (4).
واستمرت عمّان في نموها الشامخ، مرفوعة الجبين في عهد جلالة الملك  عبد الله الثاني ابن الحسين، تحتضن الإبداع، وتسمو بعمرانها، واقتصادها المزدهر، مستشرفة المستقبل برؤى حالمة، وخطى واعدة بإذن الله.  
لقد تنوعت رؤى الحضور العمّاني في أذهان الشعراء الأردنيين، ممّا سمح بحركة انبعاث واضحة، أخصبت حركة الشعر الأردني بالمضامين، وأمدت خيال الشعراء بالقدرة على التعبير عن همومهم الحياتية، ومشاعرهم الوطنية والقومية، وما يعتري الوجدان الشعري من مثيرات مختلفة، تحفّز الشعراء على الإبداع الشعري .
إذ يسمو أمجد ناصر بإرث عمّان الحضاري، والخالد في النفس، وكأنّه حالة تفجّر زمني، يمارس سلطته في مختلف العصور، ويمدّ عمّان بما تحتاج إليه من عنفوان (5):
لا نشيدٌ يطاولُ صدرَكِ
العامرَ بالشهبِ والكمال
ولا أحدٌ
رأكِ بعين الصقرِ
وأنتِ تمسكين حجراً رومانياً
بينَ يديك
وقد تتشكّل عمّان وفقاً لرؤى أسطورية، تبعدها عن ما يسود الواقع من تبدل مادي ومعنوي، لذلك يجعل عبد الله رضوان من تطورها الواضح نبع عشق لا ينضب، ومبعث قوة روحية فاتنة (6):
«عمّان» مربكة كالسنونو...
وخارقةٌ كالأساطير،
يا ويحَ قلبي أكتويتُ من العشقِ والنار
حتى امتلأت،
وما زلتُ أبدأ،
ولعلّ تشبيه عمّان بطائر السنونو مصدر تميّز واضح للمكان، فهو طائر يمتاز بقدرة هائلة على إضفاء أبعاد خارقة بل « إن عش السنونو قادر على إخافة وإبعاد شياطين الليل، حتى في الشتاء «(7).
وقد يتشظى المكان بوصفه عالماً حافلاً بالصور والمشاهدات والرؤى التي يخلق المبدع منها عوالمه الأدبية التي لا تنفصل عن المشاهدات الداخلية كما في حديث عبد الله منصور عن مدينة عمّان، إذ جعلها باعثة على السعادة والحياة، تمارس الفعل الإنساني المنتشي بالحبّ، وشاهدة على حكايا العاشقين، حيث يقول في قصيدته» رسالة مفتوحة لكيلوباترا عمّان « في تداخل واضح بين خطاب الوطن والمحبوبة (8):
 يومَ عرفتكِ أمطرتْ الدنيا في أعصابي
عِطراً وأماني
وتحوَّلَ كلَّ العالمِ في عيني عُرْساً..
وابتسمتْ لي كلُّ نوافذِ عمّان
وعمّان معشوقة حيدر محمود الأبديّة بكلّ تفاصيلها، وهي وفيّة لعاشقها، مما جعله ينطلق في أشعاره العمّانية، من حالة توحّد صوفيّ، يخلص فيها العاشق، ويتميّز المعشوق (9):
ولم يكُ ، مثلَ الآخرينَ
هوايَ ...
أرفضُ أنْ نكونَ اثنينْ،
أموتُ إذا غدونا اثنينْ،
لا .. لا تقبلُ التجزىء،
روحانا..
وهي معشوقة تسمو على الجراح، تجمع بين الألم والحلم، وتمتد لتعانق وجدان الشاعر المتجذّر في المكان، إذ كثيراً ما يمثل المكان الأليف مبعثاً للأحلام، ترتبط به، وتكبر لأجله، لذلك نجد حيدر محمود يخاطب عمّان بفخر(10):
عمّان اختالي بجبالِكْ
وتباهيْ بصمودِ رجالِكْ
وامتدّي فوقَ الغَيْمِ ،
وطولي النّجمَ بآمالِكْ
وقد تأتي عمّان في الشعر متلبسة بأبعاد وطنية، تنبض بحبّ الوطن، وتمتزج بالمكان الأردني الذي طالما جذّره الشعراء في قصائدهم، كما في خطاب مصطفى وهبي التل (عرار) للشيخ عبود النجار(11) :  
ملاعبٌ خلدتْ أسماءَها غُررٌ
من شعرِ مَنْ علمتْهُ الشوقَ «زيزاءُ»
وكرمُ « جلعاد» ما بعدَ التي عصروا
ب»السلط» منها تلِذُّ الشرَّبَ صهباءُ
وبعدَ  « قعوارَ» خمارٌ يعاملُنا
إنْ أنكَرتْ جيبنا خضراءُ بيضاءُ
وبعدَ «عمّان» ربعٌ لا تزايُلهم
بنعمةِ القيلِ ذي «رغدان» آلاء
ويجعل خالد محادين من عمّان شاهدة على حالة فقد مؤلمة، تعكس مأسوية الواقع، وبخاصة عندما يكون فقداً استثنائياً، يعكس حضوراً خاصاً للموت في ظل حالة الانكسار القومي السائدة، حيث يقول في رثاء تيسير سبول(12):
يموت في عمّان شاعرٌ حزين
وليس من يدٍ تردّ عن سؤاله الجواب
تردّ عن جبينه التراب
وليس من يد
وليس من يد
وليس من يد
تشق عقمَ الليلِ بالحراب
ويجد يوسف العظم في عمّان مدينة ملهمة، تعشق المجد والفداء، وتحتضن بطولات الشهداء، كما في رثائه للشهيد منصور كريشان، حيث ينطلق الشاعر في نظرته للمكان من فكر إسلامي واضح (13):
قُمْ وصافِحْ ملائِكَ الرَّحمنِ
واصْنَع المَجْدَ في ذُرى عمّان
وامْنَحِ القدسَ من دِمائِكَ فيضاً
وتَمَتّعْ بجَنَّةِ الرِّضْوانِ
واكتُبْ النَّصرَ بالدّماءِ مضيئاً
وتحدًّ الغزاةَ غيرَ جبانِ
وهي مدينة تفرح للعاشقين، تمدّهم بما يحتاجونه من طمأنينة وحبّ، متجاوزة في ذلك واقعها المادي، لتتخذ أبعاداً معنويّة، تهبّ الحياة بسخاء، لكلّ مَنْ يطلبها، وتتخذ سمة العش الآمن، كما في قول عبد الله رضوان(14) :
هل تذكر الآن هذي «حنايا» الصغيرة
قد ورَّدَ الخدّ،
واشتعلَ القلبُ بالياسمين
وعمّان مخلصةٌ كالأصائل تستقبل
العاشقين فرادى إلى عشّها
ويستمد حبيب الزيودي في شعره الغزلي بعض عنفوانه من معشوقته عمّان، التي تحتضن العاشقين؛ لتمنحهم الدفء والأمان(15):
ستلبسُ عمّان عشاقَها كي تنامْ
تعالي أضمك 
حين نذوب معاً في العناق
يصير الترابُ غماماً
ويبتدي الطوفان
وهذا يجعل المكان بمشهديته التعبيريّة لوحة جميلة، تنطبع عليها ظلال العابرين، ومعاناتهم المستمرة، مما منح التجربة الشعريّة حالة غنى روحي، تتكشف من ثنايا الذاكرة؛ لتكسب المكان ميزة الصمود، ومواجهة فعل الزمن.
وقد يُبرز خطاب الشعراء لمدينة عمّان شكلاً من أشكال الصراع مع الآخر الذي يستبد بالأنا، ويفقدها قدرتها على التوازن، كما في قول محمود فضيل التل معبّراً عن حالة اغتراب عميقة(16) :
عمّان قد أشعلوا النيرانَ في جسدي
والروحُ كم أزهقتْ ما أخمدت آنا
 فَرحتُ أندبُ حظي بعدما
يئستْ نفسي بم عُذّبت حينا وأحيانا 
 لكنني بعد هذا صامت أبداً
فالصمتُ أجدى إذا ما القول أعيانا
مهما تمنيتُ.. مهما .. لا أريد سوى
أن يشربوا مثلما أُسقيتُ ألوانا
وعمّان في شعر حسن بكر العزازي مصدر حبّ، وعشق دائم؛ لذلك يستنطقها محاولاً استحضار الذكريات الجميلة، واستعادة التوازن لعلاقة حبّ بين عاشقين بعد فترة انقطاع وجفاء قسري. والشاعر في محاولته المستمرة لاستنطاق المكان يبث أشواقه لعمّان؛ لتستعيد ألقها المعتاد، وديمومتها الخصبة من جديد(17) :
سلوتَ عمّان من يسلو مغانيها
وهل تطيبُ ربُى إلا روابيها
أما افتقدت صِباً فيها وملعبهُ
ألم تشقُكَ عيونُ للمها فيها
سلوتها ... فهل السَّلوان شارتُه
فيضُ الدموع على الخدين تُجريها
وكيف تسلو رُؤىً ما زلت تعهدها
فسل عيونَك ما أجرى مآقيها
وبهذا فإن موقف الشعراء الأردنيين من مدينة عمّان جاء متّسقاً مع خطاب وطني – قومي، نهض به الشعر في الأردن منذ تأسيس الإمارة عام 1921م، ينطلق من المكان؛ لبث الرؤى متجاوزاً جغرافيته المحدودة إلى صياغة الوجدان الشعري الملتهب بالأحداث، مما جعل من المدينة حافزاً على الإبداع، وقوة موجهة إلى التغني بأرجاء الوطن، وبعث أشجان ساكنيه؛ فعمّان في جوانبها التاريخية والجغرافية ملهمة الشعراء لتشكيل المكان جمالياً، لكنها في تكوينها المعاصر موجهة للرؤى، ومولّدة للأفكار التي تنبض بحيوية المكان، ونبض ساكنيه .
 الهوامش:
1  ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج4، د-ط، دار الفكر للنشر والتوزيع-دار صادر، بيروت، د-ت، ص151. 
2  سليمان موسى: عمّان عاصمة الأردن، ط1، منشورات أمانة عمّان ، 1985، ص29.
3  المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، د-ط،دار إحياء التراث العربي للنشر والتوزيع، بيروت، 1987، ص75.
4  سليمان موسى : إمارة شرقي الأردن ( نشأتها وتطورها في ربع قرن عام1921-1946م) ،ط1، منشورات لجنة تاريخ الأردن، 1990م ، ص95.
5  أمجد ناصر: الأعمال الشعريّة، ط1،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت ، 2002م، ص198
6  عبد الله رضوان: شهقة من غبار ( الأعمال الشعريّة 1977- 2001م ) ،ط1 ، دار الكندي للنشر والتوزيع ، إربد ،2001،ص368.
7  باشلار : جماليات المكان ، ترجمة غالب هلسا، ص124 .
8  عبد الله منصور : الديوان، ج1، ط1، دار الكرمل للنشر ، عمّان ، 1993م، ص189. 
9  حيدر محمود : الأعمال الشعريّة الكاملة، ط1، مكتبة عمّان، 1990م، ص443. 
10  حيدر محمود: شجر الدفلى على النهر يغني ، ط1، منشورات وزارة الثقافة والشباب  الأردنية، عمّان ، 1981م ، ص39.
11   مصطفى وهبي التل : عشيات وادي اليابس، جمع وتحقيق زياد الزعبي ، ط3، منشورات وزارة الثقافة الأردنية ، 1982م ، ص89.
12  خالد محادين: الأعمال الشعريّة، ط1، مطابع المؤسسة الصحفية الأردنية « الرأي» ،1990م، ص162.
13  يوسف العظم : الأعمال الشعريّة الكاملة، ط1، دار الضياء للنشر والتوزيع، عمّان، 2003م، ص24
14  عبد الله رضوان: شهقة من غبار( الأعمال الشعريّة 1977-2001م) ص371.
15  حبيب الزيودي: ناي الراعي، ط1، منشورات أمانة عمّان  الكبرى، الأردن، 2002م، ص40 .
16  محمود فضيل التل : صحو الطوفان، ط1، دار الينابيع للنشر والتوزيع، عمّان، 2002م، ص53.
17 حسن بكر العزازي: عيون سلمى، ط1، دار البتراء للنشر والتوزيع، عمّان، 1983م ،ص41 .

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل