الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«ويــجـــرحــنــــي الـــنـــــــــاي»

تم نشره في الجمعة 9 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً
  • القواسمه.jpg

المعروف أن الناي آلة موسيقية شرقية هوائية يعبر به الإنسان عن الفرح أو الحزن. وعادة، في قرانا، يعزف الراعي عليه الألحان الرقيقة، وهو يقود غنمه إلى؛ المرعى لتلتقط رزقها في هدوء وأمن.  لكن الناي عند شاعرنا عمر أبي الهيجاء في مجموعته» ويجرحني الناي» (عمان، الأهلية: 2016) أداة لعزف ترانيم الألم الذي يغرق فيه.
وأُطلقُني
في غناء
حبيس
في حقائب مريضةِ بالرحيلِ
كنت أحدّث دهشة الطفل فيَّ
عن أرصفة المخيم
وضحكات الظلام
على مصاطب الليل. (ص24)
نلاحظ في هذه الأسطر الاحتقان بالألم الذي تكابده الذات الشاعرة من خلال الإكثار من تراكيب الإضافة والجار والمجرور؛ ليظهر الواقع، وهو يخيم عليه القلق والظلام، وتُهيّأ فيه الحقائب للارتحال.
نعايش مثل هذا الفضاء الارتحالي في قصيدة حملت عنوان « نثر السفر « فالذات بعيدة عن مكان الذكريات، وتعاني ويلات البعد.
نكبر الآن
على بعد عاشق
اكتوى بملح الذكريات
كان على عجل يرعى خساراته
في حرائق السهول
ويحصي القمصان المقدودة
في المنافي (ص35)
وتعلو صرخات الألم احتجاجًا على ظلم الواقع في قصيدة « أيها السالك مسلك القصيدة» التي أهداها أبو الهيجاء إلى صديقه الشاعر حسن البوريني:
أيا شقيق القصيدة
ذوبتنا الخطايا
ذوبتنا.. ذوبتنا
من قهر هذي
البلاد. (ص71)
وفي قصيدة « كن ما تكون»، التي يخاطب فيها الشاعر الشهيد حمزة أبو الهيجاء يتحول ألم الفقد ترانيم تتغنى بالشهادة، من خلال صور تتعالى عن الواقع الظالم حيث اعتلاء الموجة، وإيقاظ الناي، وارتقاء النسر (حمزة) شهيدًا في سماء مدينة جنين.
يا حمزة..
كلما اعتليت موجة
من حولك استنفر الجند
أيقظت في سراب المدن
أسطورة الناي
في براري جنين
وساءلت القمم عن نسرها
نسرها الذي لم يخلف لها وعدًا (ص77)
وفي قصيدة « عطش البحر» تعترف الذات الشاعرة بانكسار الحلم، وخواء ما حولها، وتقر بفشل أي محاولة لمعالجة الحال.
كلما مددت للجرح يدًا
قصفتني الرياح
يا لخسارة المرتعش
في منتصف الحلم (ص102)
ويتصعّد الألم حتى يصل إلى حد البكاء في أطول قصيدة من قصائد المجموعة، والتي حملت المجموعة عنوانها «ويجرحني الناي»؛ فالذات فقدت الأرض، وضاع حلمها في العودة إلى وطنها، ولم تعد تملك غير ذكريات الطفولة. وتتجسد هذه الأفكار باستخدام تراكيب الجمل الفعلية، والإضافة، والجار والمجرور، وكلها تستند إلى ضمير المتكلم؛ لإظهار مدى ما تحسه الذات لشاعرة من ألم.
 أبكي الآن
ترابًا كان لي
وفراشات احتفلت بها
وفرت مني
أبكي فمي الصموت
وأبكي الطيور في تساقط الورق
على شرشف الأرض. (ص148)
ويمتد الألم من الذات الفردية إلى الذات الجمعية، فالممات مخيم على العالم، والخواء ينخر قلب الإنسان العربي، والبلاد لا يعشقها أحد، وطرقاتها ملت من المارين عليها، والناس فيها لم يغادروا ذواتهم، فبقوا في فراغ وخواء:
الطرقات
تغفو في أحذية المارة
المارة وحدهم يتراكضون داخلهم
غير أنهم يعرفون تمامًا
فراغ البلاد من عشاقها (ص157)
فهذه الذات، وهي في الخمسين من العمر، حيث الشيب يعلو الرأس، والأحلام ضائعة، تنهل من الذكريات البائسة في المخيم:
كل ما في الأمر جراري فارغة
ودمي على وتر الحياة معلّق
وجسدي شااااخ
في الطين (ص162)
في النهاية يمكن القول إنّ الشاعر عمر أبا الهيجاء من خلال استحضاره الألم الإنساني في مجموعته « ويجرحني الناي» بدا متفوقًا على تجاربه الشعرية في دواوينه السابقة كلها: «خيول الدم»، «أصابع التراب»، «معاقل الضوء»، «أقلّ مما أقول»، «قنص متواصل»، «يدك المعنى ويدي السؤال»، «شجر اصطفاه الطير»، «بلاغة الضحى». لقد برز مبدعًا في تصوير الألم على مستوى الذات الفردية والذات الجمعية، من خلال صور يغلب عليها الابتكار، وتعدد الأساليب الشعرية، مثل: التقطيع الموسيقي، والتراكيب المختلفة، وبخاصة تراكيب الإضافة التي لا تعيق التدفق التلقائي للشعرية المتأصلة، والتكرار، وإن كان يتتابع أحيانًا في مفردات وجمل مع تعريفات لا ضرورة لها.
وتظل تجربة أبي الهيجاء، في كل الأحوال، وفية لقصيدة النثر، ووفية للواقع، وخصوصًا واقع المخيم الفلسطيني حتى كأنها المعادل الموضوعي له، ولآلام الإنسان فيه.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل