الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قصتان قصيرتان

تم نشره في الجمعة 9 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً


بكر السباتين

قاتِلُ العشيرة

رحلت تواري سوءة العشيرة وعنجهية الرجال الذين قالوا كلمتهم:» اقتلوها».
هامت في الدروبِ حولَ المضاربِ تبحثُ عن قاتل العشيرة.. شيطان اسمه «العار».. تسللت مهدورةَ الكرامةِ منتهكةَ الجانبِ إلى مهجع (نعمان) ابن الشيخ الذي نادى بوأدِها حية..ظلت تنتظر قدومه حتى مطلع الفجر.. وفي اللحظة التي هجعت فيها القبيلة ودب الصمت، سوى كلاب تنبحُ وديكة تؤذن.. التحمت أنفاسُ (نعمان) الذي دخل الخيمةَ الواسعةَ من جانِبها المتواري.. وهي تتلوَّى مغشياً عليها بعد أنْ طعنت نفسَها بمديتِه المذهبةِ، والمعلقةِ على عمود الخيمة..وفوجئ (نعمان) ابن الشيخ بالموقفِ الجللِ الذي وضعتهُ فيه هذه المنتقمة؛ إذْ جعل يسابقُ هبوبَ الريح لنجدتِها؛ خشيةَ العارِ الذي سيصيبه فيما لو وجدوها في خيمته... سينقلب السحرُ حينئذْ على الساحر.. سيقولون بأنه القاتلُ وقد سوّى حسابَه مع الأرملةِ الضحية.. يدرك أنها صدّته دائماً، والتهمة التي الصقها بها ستَرتَدُّ إليه..ألم تدبّ الصوتَ قبل انتحارها وهي هائمةٌ بين المضاربِ والرجال خارجها يبحثون عنها:
«أبعدوا نعمان عن طريقي.. نعمان يريد قتلي ليواري فعلته».. وها هي الآن جثة هامدة تحت قدمي المتهم الوحيد.. نعمان الذي جُرَّ فيما بعد زاحفاً على ركبتيه.. والعقالُ المتحررُ من كوفيتِه التي مُرِّغَتْ برمل الصحراء معقودٌ على يديه.. ومَثُلَ الجاني أمام َمجلس العشيرة لمقاضاته..
كأنه «العار « قاتل العشيرة؛ ستقتصُّ منه الضحية.

غواية ومصير

سبحت أنامله على مصيره المسجى، فألهبته الجنية بأنفاس الشوق، وكفنته بالهزيمة وهي تصلي روحه بجسد من نار في غمرة من الشهوة التي حررت جنونهما في لحظات .. ولمّا افترقا، عذبته باللوعة؛ فنأى عن الظمآن كأس النبيذ وجفت ينابيع العشق؛ فساد اليباب، وانحجب النوم عن عينيه الغائمتين، ولأول مرة مرّ به شريط الذكريات بلا نساء، ونضبت في عيون العذارى الدموع بعدما حولته الجنية إلى رماد، واستفاقت في رأسه المصدوح الكوابيس: «هل سأفقدها تلك الجنية التي فرقت بيني وبين عافية الشباب فأستحِلْتُ لأجلها إلى صعلوك يقتات على آخر لقاءٍ معها».
هل خرجت إليه الجنية من مصباح الشكوى الذي يبحث عنه السندبادُ بلمسةٍ حارةٍ من أنامله المرتجفة؛ كي يلبي له الماردُ أمنية وحيدة ما لبثت تداعب أحلامه الشقية!
قال في نفسه هامساً: «لا بد وأجازى أخيراً باللوعة والحرمان على ما اقترفْتُ من ذنوب بحق العذارى اللائي جنيت عليهن بحبي المستحيل.. فقط كنت أتلهى معهن لقتل الفراغ»..
سيبحث عن ضالته هذه المرة على الأرض التي أخذت تميد به، ما دامت الجنية تحاصر كل أحلامه الناضبة وتمنع عن يباب روحه المياه.. وبعد عذاب وصبر طويل بدا وأن الجنية تبحث له عن مخرج وجودي..
هذه المرة قدمتها الجنية إليه.. كأنه تحرر من ضباب ماضيه الذي أخرج الوحوش من قمقمها. وفجأة وجدها تتجول في الأسواق شاردة كغجرية تبحث عن ضالتها. يتطاير شعرها مع الريح في جو خريفي مكفهر. لملم بقاياه بكل سهولة حينما سقته من عينيها، فاستفاق على أحلامه الجديدة كأن أريجها الأنثوي الفواح نشادر أيقظه من السبات فأحيى قلبه المكلوم، تناغمت الغجرية مع ذلك المهمش في أزقة المدينة ودروبها التي لا تنتهي تحت قدميه «سيتزوجها».
وفي الربيع كانت عشتار ترضع ابنه! لكنه مع الأيام جعل يخالف رغبات الجدات في أن يرث ابنه ماضيه «ماهر كوالده الذي ورث الربيع»
فيهمس في أذنيه وهو يصرخ بجوار زوجته النافس؛ كأنه يخاطب الجنية في صدفة قذفها البحر إليه: «ماهر.. أترك للجنية غوايتها وانتظر أول فراشة تتهادى على بتلاتك الطرية يا بني»
 فتنامى إلى سمعه من أعماق طفله الغرير صدى همسات الجنية الغاضبة: «أترك للغواية مجالاً للبقاء.. أترك هذا الطفل لأقدار لا نصنعها».
فابتسم مهزوماً كأنه قرر بأن يتصالح مع الأقدار.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش