الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

النوستالجيا والحواس الخمس في ديوان «طعم الحكايا القديمة»

تم نشره في الجمعة 9 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً

إيمان الزيات/ ناقدة من مصر

هل يعيد الزمان نفسه، بإعادة أوجاعه؟
هل يتجاور بكيفيات الفقد المتشابه مكونًا دربًا من المفقودات يفضي أوله إلى آخره؟!
إن لون الذبول وثيمة الخريف، الأشجار العارية المستلبة، والأوراق المجففة، الوجوه المرحة الصغيرة التي تزينها الإبتسامات، أيادي الصغار الممتدة بشغف نحو السماء باحثة عن المجهول، جميعها علامات سيميائية مائزة تدل على مشاعر الفقد، والحنين، والتعطش على هامش غلاف ديوان (طعم الحكايا القديمة) للصائغ الأدبي (أشرف قاسم)، حيث تتمظهر تلك الدوال والعلامات متجاورة مع هامش (العنوان الرئيس) أو عتبة الولوج الأولى للمتن الشعري المدهش لنمسك من خلالها بأهم مفاتيح النصوص كافة ألا وهو مفتاح (النوستالجيا) أو الحنين إلى الماضي ومحمولاته الكامنة في (الحكايا القديمة)، إذ ينقل لنا الشاعر مفهومًا شعوريًا صار مُدركًا حين اختلط بإحدى الحواس البشرية هي حاسة (التذوق)، حيث يصف الشاعر حكاياه بأن لها طعمًا ما لم يؤطره بإطار محدد بل ترك للقارئ حرية الاندياح مع انزياحات مخيلته وتوقعاته المتنوعة حول مفهوم لفظة الـ (طعم) الذي قد يكون (حلوًا، أو مرًا) (باردًا، أو حريفًا) حسب تذوق المتلقي وتأويله للقصائد، أو جامع لتلك المذاقات جميعها في صورة وجبة أدبية متنوعة على مائدة واحدة.
إن مصطلحات درجنا على سماعها مثل مصطلح (التوبوفيليا)  الذي أطلقه الشاعر الإنجليزي (ويستن أودين)، أو (النوستالجيا) التي اتسعت بمفهومها لتشمل اللحظات المميزة، والتاريخ بجانب الأماكن، جميعها آليات دفاع يستخدمها العقل البشري لتحسين الحالة النفسية.
ويكثر ظهور مثل هذه الآليات في حالات الملل أو الألم بسبب نكران الجميل، وصدمة الإنسان في من أحبهم أو الشعور بالوحدة أو الذل والعار فيلتجئ الإنسان إلى مناطق الدفء الشعوري، والفخر، والأنس سواءً كان ذلك في تاريخه القريب أو البعيد.
ببساطة نحن نحب (النوستالجيا) لأنها تجعلنا وبطريقة غامضة نشعر بأننا أفضل.
و يقترن الشعر أكثر من سواه من الفنون الكتابية بنوع خاص من النوستالجيا هو (النوستالجيا المزدوجة)؛ فالحنين فيه ليس دائمًا إلى ما مضى باعتباره الفصل الذهبي في كتاب الزمن، إنه أيضًا يتجه إلى المستقبل، بحيث يكون الحنين إلى ما لم يحدث بعد لكنه ممكن الحدوث، وهذا ما نطلق عليه (بالنوستالجيا الاستباقية) تلك التي لا تتوقف عند مرحلة استدعاء الماضي، وإنما تتخطاها لتنشغل بالحاضر، وتكون طرفًا فاعلًا في صنع المقبل المأمول والتنبؤ به.
فما (اللحظة الطللية) التي عادت للظهور في الشعر المعاصر بصفة عامة، وفي ديوان (قاسم) خاصة - سواء كانت مدخلًا للقصيدة كما في (نقوش ليلية على إبريق مهشم)، أو شحنة مبثوثة من ذاكرة الشاعر- إلا من نتاج النوستالجيا الاستباقية، كمحاولة لضخ الدماء الحارة في العروق التي جفت، فالماضي دائمًا هو المثال الأجمل والأكمل، والأكثر جهوزية للاقتداء.
إن ذلك الحنين قد تولد من شعور الكاتب بالخذلان، والفقد الذي صبغ معظم قصائد الديوان بصبغة (الرثاء)، فراح يرثي بلاد الحضارات القديمة، وأراضي الوطن المقدسة لتتجلى (بغداد العراق)، (وقدس فلسطين) في لقطات متنوعة من ذاكرته ومحمولاته الشعورية في قصائد مثل (برقيات عاجلة) حيث يقول:
«بغداد
يا وجعاً ينام بأضلعي
دمع الفرات يغوص فيه النيل».
***
إلى القدس..
«خمسون عامًا
عمر أحزاني
ويافا موطني».
ونجد في هذا الصدد أيضًا مفردات تخص البيئة العربية والزمن الغابر مثل: (قوافل، استلاب، هضاب، الخلافة، السفر، الضياع، الريح، اللهيب، الحرملك)، وشخوصًا من الأساطير، والتراث العربي، والمنقول القرآني مثل: (شهرزاد، السندباد، زرياب، بلقيس).
وحين يجئ ذكر الوطن تظهر لغة السخرية المرة أو (الباروديا)، و يتمظهر أسلوب (المفارقة) لوصف الواقع الذي لا قبل للشاعر بتغييره بداية من (العنوان) في قصيدة (وكم ذا بمصر من المضحكات) التى يقول في أحد مقاطعها:
«قالت: ليجعل يومي الموعود
ربي قبل يومك
الزوج سُرَّ
فأردفت في نفسها:
حتى أنام فإنني قد ضقت
من تشخير نومك!».
***
الزوج فرَّ من النكدْ
والزوجة (النكدية)
استولت على عطف الولدْ
الزوج عاد بزوجة أخرى
ليعلم أن أولاه
تزوجت البلدْ!».
تميزت لغة الديوان بالرهافة والشاعرية، وبالجرس الموسيقي، فقد استخدم الشاعر تقنية (السجع) المولدة لهذا الجرس المائز في قصائده حيث يقول:
«الوجع، البدع»،
« الباردة، الأوردة»،
«الرطيبة، والجديبة»...الخ
وتتماهى مفرداته وجمله مع الحالة الشعورية والإنفعالية العامة لقصائده؛ فنجد كلمات مثل: (الضباب، الخريف، الظلام، الوحدة، التهشم، الاستلاب، الإجهاد).
تحضر الأنثى حضورًا مخمليًا بصورها المتعددة (الأسطورية، والواقعية)، (الوظيفية، والوصفية) فتحتل قصائد: (رشفات من نهر الوجد، أريدكِ امرأة، ونقوش على منديل سيدة، الشوق المراوغ، وغيرها) وتنداح صورة الحبيبة في صورة الوطن، ويظهر (الغزل) في حضرتها.
(الأنسنة، والتجسيد)، (التشبيه، والتصوير)، (تراسل الحواس) جميعها تقنيات تأنق بها ديوان (طعم الحكايا القديمة) حين نسج الشاعر جمل قصائده قائلاً فيها: (كتف الوقت، كتف المساء، خد القمر، رحم الخفاء، والعمر يبكي فوق حبل المشنقة، يعلك الحس، أفق معتكر، يشطرنا العالم الصلب، ثدي الشقاء، بلورة الكبرياء، بحيرات الضمير، محيطات الشتات، قارورة الكبت... الخ).
تألقت عتبات (التناص القرآني، واقتباساته) جملًا، ومفردات، وتصويرًا في غير موضع بالديوان:
«ماذا عليها لو تولي وجهها
شطر اليمين
لكي تراني؟»
***
«أحزان عمرك
لا تبقي
ولا تذر»
***
وما من هاد!!
***
بما ملكت يدي!
***
كانت (المعرفة والنور) لفظتين متبادلتين في المعنى والحضور، وتدلان على بعضهما البعض في هذا الديوان، فإننا نجد الشاعر يلاحق خيوط المعرفة ومواطن النقاء عن طريق ملاحقته للضوء والنور، ويرثى انطفاءه، فيستحضر مفرداته قائلًا: (سنا، نقطة ضوء، انطفاء، وهج، استلاب النور، يلمع مثل الزجاج، أبيض جدًا، لؤلؤة، يشرق الأمل، ابتسام الفجر..الخ)، حتى أن الكائنات الأثيرية، والشخوص البشرية بالديوان كانت تعكس أيضًا الضوء، والبياض، والنقاء شكلًا وانطباعًا مثل: ( ملائكة الله، وهج الأولياء، سرب البجع، نورسة مجهدة...الخ).
تمتاز قصائد الديوان بدقة (التشكيل البصري) وتطويع علامات الترقيم والنقاط بكيفية تساعد القارئ على الوقوف أو المضي في القراءة، وتنقل له الحالة الشعورية التي يصدرها الكاتب، وتنظم أنفاسه أثناء القراءة.
كما تنوعت موضوعات ومحمولات الديوان الإيديولوجية بين الأفكار (الاجتماعية، والسياسية، والنفسية، والأخلاقية، والدينية).
شاعت أساليب (الاستفهام، والتعجب) التي تعكس حالة الحيرة والاضطراب، وعدم الفهم للواقع غير المنطقي وتجذب الانتباه كما في قصيدة (أسئلة إلى البحر، و البحر يجيب، و آخر أغنية للخريف)، وأساليب وجمل الحوار المقوسة التي تستحضر ذواتًا وشخوصًا أخرى للمتن مثل: (قال، وقالت)، «هذي شعوب ناكرة»، «ورحمة أبويا أنا ما حصل!»، «قال بلهجة أهل البدر: «أهلا».
حرص الشاعر على استحضار الصور الطازجة، وعدم التكرار إلا في موضع واحد انفلت منه حين كرر مقطع:
«الوردة
حين تغادر
حضن الغصن
تموت!».
في قصيدة (أغنيات صغيرة) المقطع العاشر ص 16، وقصيدة (إيقاعات) بالمقطع الثامن عشر ص 44.
طوّع (قاسم) الحواس الخمس (السمع، والبصر، والشم، والتذوق، واللمس) لخدمة فكرته عن طريق صوره ومفرداته التي نثرها بقصائده لتعبر عن تلك الحواس، في محاولة منه لتوصيل المعنى كاملًا، وواضحًا دون إلتباس بقدر الإمكان، ومراعيًا اختلاف سبل التلقي لدى القراء وتباينها من قارئ لآخر، ومحققًا بتقنياته الفنية، وصوره التخيلية، وبلاغته حلم كل مبدع في صناعة وإيجاد قارئ غير مروض، يعيد القراءة ويخرج المكتوب من حدود خطيته إلى آفاق لا متناهية من الفهم والتأويل، والشعور.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش