الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التداوي بالرواية

تم نشره في الجمعة 9 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً


د. محمد عبدالله القواسمة
يوجد في حياتنا الصحية التداوي بالأدوية والعقاقير، والتداوي بالأعشاب، والتداوي حتى بالسحر. ولم ينتبه الأطباء إلى أنه يمكن التداوي بالأدب وبخاصة الرواية؛ فلم نعرف أن طبيبًا نفسيًا أو غير نفسي قد وصف رواية، لمريض يعاني اضطرابات نفسية من أرق، أو قلق، أو كآبة، أو لمريض يعاني مرضًا جسديًّا.
المعروف أن العرب قديمًا أدركوا ما في الأدب من قيمة روحية، فكانوا يتوافدون على الأسواق الأدبية، مثل سوق عكاظ، وذي مجاز، ومجنة، ثم سوق المربد؛ كي يستمعوا إلى ما يقال فيها من شعر وحكايات وأساطير، في أثناء ذلك يحسون بالنشاط والحيوية، ويعودون إلى مناطقهم وقد اطمأنت نفوسهم، ورقت مشاعرهم، ورهفت أحاسيسهم، وتوهجت حماستهم. ثم لا ننسى أن ما جاء في القرآن من قصص وحكايات عن الأقوام السابقة؛ كان يحقق لمن يقرؤه أو يستمع إليه الهدوء والتوازن النفسي.
ثم رأينا السرد القصصي في العصور التالية يوفر للعرب غذاء روحيًّا يبعث فيهم الهدوء، ويخفض التوتر، ويزيل الإحساس بالوحشة والقلق؛ فكانوا يلتفون في المقاهي، والنوادي، والمجالس الخاصة حول من يقرأ عليهم سيرة الزير سالم، أو عنترة بن شداد، أو سيف بن ذي يزن، أو تغريبة بني هلال.
 هكذا توصل العرب، في العصور الخوالي، بفطرتهم إلى ما في الأدب شعره وسرده من فوائد نفسية. لكنهم في هذا العصر، عصر العولمة، الذي انحسر فيه الشعر، ليترك المجال للرواية أن تتبوأ مكانه، وتصبح ديوان العرب لم ينتفعوا بها في العلاج النفسي مع أنها أقرب الفنون الأدبية إلى بنية المجتمع، وأقدرها على عرض حالته النفسية والاجتماعية.
وقد أثبتت الدراسات النفسية أن قراءة الروايات، تفيد في معرفة تجارب جديدة، وتكوين الشخصية، ومعالجة الأمراض النفسية، وتساعد على الشفاء من الأمراض الأخرى. وقد أوصى إريك فروم، الفيلسوف وعالم النفس الألماني بقراءة روايات بلزاك، وديستوفسكي، وكافكا لفهم سلوك الإنسان بما لا يوجد في الكتب النفسية. وبعد الحرب العالمية الثانية، وبتأثير مدرسة فرويد للتحليل النفسي استخدمت الرواية لمعالجة الاضطرابات النفسية لدى الجنود العائدين من ساحات القتال. كما غدت المستشفيات البريطانية تعتمد الرواية لعلاج الذاكرة لدى كبار السن، وأغلب اضطرابات الشخصية، ومشاكل السجناء، والمراهقين، كما حدث لروايات جين اوستن.
كما استخدمت الرواية للمساعدة على علاج الأمراض الجسدية فضلًا عن النفسية؛ فقد أجرى الباحثان إلآ يرثود وسوزان إلدركن أبحاثًا حول الرواية في جامعة كامبردج، وعرضا ما توصلا إليه في كتابهما « العلاج بالرواية» أوردا فيه أسماء أمراض وعناوين كثيرة من الروايات، ومقابل كل مرض عنوان الرواية التي يمكن أن تساعد على علاجه. فمثلًا لآلام الأسنان وُصفت رواية «آنا كارنينا» لتولستوي، وللأنفلونزا الحادة رواية «البؤساء» لفيكتور هيجو، وللرهاب أو الفوبيا رواية «مئة عام من العزلة» لماركيز، وللبدانة رواية «الصرخة الآتية من بعيد» لريتشارد شريدان، ولسرعة الغضب رواية «ابكِ يا بلدي الحبيب» لستيوارت باتون.
ونحن في هذا الزمن، من منا لا يحس بضرورة التجمل والصبر ومواجهة الصعاب، وهو يقرأ رواية «الشيخ والبحر» لإرنست هيمنغواي، وتحمل آلام الحياة وهو يقرأ روايتي:» بقايا صور» و»نهاية رجل شجاع» لحنا مينا، وتحمل ويلات القضية الفلسطينية وهو يقرأ روايات غسان كنفاني، أو التخلص من المشاعر الجنسية المكبوتة بعد قراءة روايات أحلام مستغانمي، وسلوى النعيمي، وعفاف البطاينة، وليلى الأطرش، والغرق في الكسل والتثاؤب والاقتراب من الماضي، وهو يقرأ الروايات التاريخية؟!
إن ما في هذا العصر من مشاكل ومؤثرات تتطلب من الأطباء النفسانيين وغيرهم أن يولوا العلاج بالرواية ما يستحق من اهتمام؛ فلا مانع من أن يكتب أحدهم وصفة روائية إلى جانب الوصفة الطبية لمعالجة مرض ما. فقد ثبت أن الرواية تساهم في معالجة الاضطرابات النفسية. إن عالم الرواية عالم ملتصق بالإنسان قريب من النفس الإنسانية، إنه عالم الانسان بصراعاته، وآماله، وأحلامه، وهو مساعد قوي على معالجة القلب والروح معًا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش