الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

التصورات الذهنية في شعرية ديوان «ويبوح الصمت» لمريم الصيفي

تم نشره في الجمعة 9 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً

د. حسام عزمي العفوري
ويبوح الصمت؛ بلغة واضحة ليس فيها تعقيد في الألفاظ، أو الأفكار، بَيّنَة المعالم يتلقاها كل مستمع أو قارئ بجمالها ورونقها، كما تتراءى التصورات الذهنية عند الشاعرة، ببساطة الجملة التخاطبية وعمقها الدلالي، باتجاه القصدية في نظم صورها وقوافيها، في اختيار التركيب اللغوي المناسب للموقف، مستخدمة الخبر وأدواته، وكذلك الإنشاء بنوعيه الطلبي من أسلوب (أمر، ونهي، واستفهام، ونداء، وتمني)، وغير الطلبي من (مدح وذم، وقسم، وتعجب، ورجاء، وقد تحمل بعض الأفكار (صيغ العقود) فيما يدل على التضحية والفداء وبيع وشراء الروح والجسد)، وبث صور أخرى تتمثل بظاهرة الإنتاج والتلقي، عبر عملية التأويل التي تنطوي على مرحلتي (التَكَيّف)، (والتمثل)، وهما (يتعاقبان وفق نظام ثابت)، بتحديد السلسلة الكلامية التي قد نبحث لها عن تأويل ما، يتماثل أو يتطابق أو يختلف أو غير ذلك من تأويلات تتصاقب وتصوراتنا الذهنية.
ففي ديوان ويبوح الصمت للشاعرة مريم الصيفي، نجده يحمل لنا تصورات ذهنية ومشاهد تعبيرية لا نهاية لها، يحمل المضامين الإنسانية والفكرية والانفعالية، التي تحتاج إلى رقة ورضا المتذوق، الباحث عن أسرارِ الابتداء والعاقبة، والمباينة والموافقة والصبر والجزع والظن واليقين في رؤيةِ وفكرِ كاتبِها، كي يدرك مغزاها المتلقي؛ حسب نظراته حول الحياة والكون والإنسان، بتوارد الحقائق والخيالات والأفكار والتصورات الذهنية، بين ثلاثة أركان؛ المُنْتِج (الكاتب)، والمُنْتَج (النص)، والنتيجة التي حصل عليها القارئ (المتلقي)، حتى تتماهى هذه الأبعاد في قالب واحد؛ أي في نص واحد، يتشكل وفق تصورات الإنتاج والتلقي؛ فيصبح شكلاً آخر.
فَرَسَمَتْ لنا الشاعرة مريم؛ صوراً فنية بسيطة ومركبة في لوحات هادئة الألوان، وأخرى متحركة تريح البصر في أناقة حركتها، وقد تجمع هذه التصورات بين نقيضين مختلفين، كـ (الحقيقة والمُتخيل، والحدث المتوقع والصدفة، والارتجال والصنعة)، حيث تمتزج هذه التشكيلات من ثنائيات، تدعو -كما يقال-، إلى الغرابة والتساؤل والدهشة في بعض الأحيان.
فحين نقرأ قصيدة (أشرقت (ص 15))، سنجد أن بيت المقدمة جاء يخاطب الشهيدة بـ:
(أشرقت) في السماء ومضَ ضياءِ
وتعالت نحو السنى والسناء
وبيت الخاتمة:
ويظل النداءُ جيلاً فجيلاً
سُنبُلاً يانعاً بأرض الفداء
يملأُ الروح نشوةً بانتصارٍ
ويضيءُ البلادَ ومضُ الرجاءِ
انظر إلى التصورات الذهنية الشعرية، حيث إن (أشرقت) هي القصيدة والشهيدة، وهي القوافي الحاضرة في خارطة المعاني والدلالات، التي تتماسك وتترابط في سلسلة القوافي الآتية: (الضياء، السناء، الكبرياء، النداء، النقاء، الشهداء، الفداء، الارتقاء، العلياء، السماء، الآباء، الوفاء، الانتشاء، العطاء، الرخاء، اللقاء، الازدهاء، الفداء، الغناء، الرجاء).
انظر إلى الخط المعياري القابض على ناصية المعنى، ستجده في صعود دائم يعبر عن الحالة الذهنية عند الشاعرة التي وصفت لنا واقعة استشهاد (أشرقت قطناني)، واستشراف الشهيدة لمستقبلها، وتماهي التصورات الذهنية بالعمل الجهادي في مقارعة العدو الغاصب، ما بين لا حول للشاعرة ولا قوة للعمل، وبين الفعل والإقدام للشهيدة أشرقت.
وفي تصورات الشاعرة الذهنية تحاول أن تتقمص شخصية الشهيدة لترتقيان معاً إلى أسمى غاية ألا وهي الشهادة، من الفعل إلى حديث النفس بالشهادة، فقد تتمكن من نيل حظ الشهادة فيما بعد.
تتشكل التصورات الذهنية في قصيدة أجر حرير الصمت (ص 83)، في مكنونات النفس الوثابة إلى الخروج من الصمت عبر قافيتها المؤلفة من المفردات الذائبة في الوجدان المحزون.
بيت المقدمة:
على جمراتِ الصمت قلّبتُ خاطري
فجُنَّ حريقٌ في سطور دفاتري
وبيت الخاتمة:
فأشرق ثغرُ الصمتِ في وجه أحرفي
وهلَّتْ مع الأقمارِ أحلى بشائري
وهذه المكنونات والتصورات الذهنية؛ ظهرت في مفردات قوافيها؛ كـ(خاطري دفاتري مشاعري، محاجري، أزاهري، ستائري، سرائري، منائري، في درب سائري، حظ عاثري، إغواء شاعر، المشاعر، كفُّ ساحر، أحلى بشائري).
وفي قصيدة وتهمس روح الوجد (ص 93)، تقول في مقدمتها:
مضت رياح الذكرياتِ تمسدُ
طيوفاً على لحن المساءات ترقدُ
فتهمس روح الوجدِ والشوقُ دافئٌ
كلوحاتِ ذكرى في القلوب تُخلَّدُ
وفي الخاتمة:
فهل من بريقٍ يجمعُ الشملَ بالمنى؟
فيشرقُ عُمْرٌ فيه يزهو التورُّدُ
 تتحرك وفق أشكال وهيئات الأفعال راسمة حركة رياح الذكريات وهي تمسد الطيوف، فترقد، ثم تهمس روح الوجد وتخلد، ويحشد الغبار، والبوح يسعد، والقلب ينشد، وأسراب الطيور تدنو وتبتعد، والأنغام تذاب في القلوب، والفرح يدنيه موج يغرد، والفكر يشرد بذهنه، ....).
أما قصيدة يلوح النخيل (ص 147)،
فتقول مقدمتها:
على زورق من خيالاتِ... موجٍ تلوحُ به... هادئات الضفافْ
وفي الخاتمة:
وظلت تراوحُ بين المعاني... وبين الحروف البريئةِ في مرة تلو مرهْ... لتُعتصرَ الكفُّ... كي تكتب الحرف عذْباً... فيسمو وتدنيهِ منها المجرهْ
قد كتبت هذه القصيدة في عمان بعد مدة من الزمن، فالشاعرة أعادت إلى ذهنها أحداث المكان الجميل الذي كان في منتجع على شاطئ ما، فيه النخل باسقات، يتشكل ظلالاً على الماء، والطير يدور مع سربه يرفرف بجناحيه، وأصوات الحساسين والعنادل، حيث تجنح النفس إلى الراحة والهدوء في جوٍ متعطرٍ بالياسمين وشذى الأزاهير.
وفي قصيدة ثرثرة (ص 215)، تقول في مقدمتها:
تثرثر فيّ أوجاعي...على مهلٍ
وفي الخاتمة:
فهل من بسمةٍ... تُرخي ظلال الشوق تلقفني.
وتلجم كلَّ أوجاعي...
فيبسمُ ثغر قافية... ويعلو صوتُ أغنيةٍ... تُبشرُ بالمنى المأمولِ... في روحي وفي وطني
تمتلئ النفس بالأوجاع على مهل، وهي تثرثر حيث تسري في الأوردة والشرايين، إلى أن تهدأ وتراود البسمات ثغر الشاعرة، وذات الوقت تتمنى بسؤالها (فهل من بسمة ترخي ظلال الشوق؟؟)
وفي قصيدة هو الحرف (ص 219)، تقول في مقدمتها:
هو الحرف راق على... شفةِ الحلمِ المخمليّ وهامْ
وفي الخاتمة:
فتشرقُ فيهِ الصباحاتُ... تصحو شموسُ المحبَّةِ... في الروح... تغمرُ ألوانَهُ الدافئاتِ... فيغفو على سطرٍ من بياضِ... وبين الأغاريدِ في بهجة الكون... يسمو ويسمو...
كأنها امتداد ذهني لقصيدة (يلوح النخيل (ص 147))، بفكرتها ووزنها وجوها وجمالها وحساسينها وحلمها وذكرياتها.
وفي قصيدة وأنتظر العيد (ص 269)، تقول في مقدمتها:
وأنتظر العيدَ... هل سوف يأتي كما تشتهي الروحُ مبتسماً
وفي الخاتمة:
فما زلتُ أنتظرُ العيدَ... يحملُ طهرَ القلوبِ النقيةِ... يعزف لحناً حنوناً ندياً... على وترٍ مدَّهُ قدرٌ... رائقٌ من أعالي السماءْ... فتحلو التسابيحُ والحمدُ... تُرفعُ كلُّ الأكفِّ ابتهالاً... وتلهج أحرفُنا بالثناءْ
ما زالت الشاعرة تنتظر العيد منذ عقود، ولكن كلما جاء عليها عيد، تبددت صوره الجميلة العالقة في ذهن الطفولة، وأصبحت هباء منثورا.
لذا سنجد هذه التصورات الذهنية تتمثل في شعرية متخيلة من أحداث سبقت كتابتها، ترنو إلى الوجد كلما ركنت إلى الحياة.
فالناظر إلى ديوان ويبوح الصمت للشاعرة مريم الصيفي، سيجد فيه ما ينازعه من تصورات ذهنية شعرية، حيث ترسم القافية فيه خارطة المعاني والدلالات في سياق البيت الواحد، وفي بنائية القصيدة الكاملة، في تماسك وترابط في سلسلة من الألفاظ والمفردات المتصلة بالقافية الأولى إلى آخرها، التي لا تنفك في تعبيراتها اللغوية والشعورية تجاه الحياة والكون والإنسان.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش