الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حكم السوق ..

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الخميس 15 آذار / مارس 2018.
عدد المقالات: 1981

قبل زمن، يعني أول القصة؛ حين قامت الحكومة بداية تسعينيات القرن الماضي بتوزيع كوبونات الدعم على المواطنين، من يمكنه «مثلا» ذكر عدد أنواع الرز المتوفر في سوقنا المحلية؟ كان هناك نوعان «رز مصري» ، ورز أمريكي، وفي آخر القصة، يمكننا الآن الذهاب الى السوق لتفقد «الرز وأنواعه»، سنجد عشرات الأنواع منه وبأسعار مختلفة، ويمكن للمستهلك ان يختار النوع الذي يريد والسعر الذي يناسبه..وصلت الفكرة؟!
طيب؛ كيف حدث هذا وشعر المستهلك بتعدد الخيارات و»التنقاية» حسب حاجته؟.
قبل أعوام ارتفع الحذر حول الكتابة ضد اتفاقيات التجارة الحرة، الداعية الى رفع التعرفة الجمركية أي ازالتها، ومنح حرية للسلع للتدفق عبر الحدود بين دول العالم المنخرطة في اتفاقيات التجارة الدولية، فكان نواب ونخب وصحافة يعارضون هذا التوجه، ويعتبرونه تهديدا للسيادات الثقافية والوطنية، لكن وبعد عقود على انخراط كثير من الدول في هذه الاتفاقيات الداعية الى «ديمقراطية السوق»، لمس المستهلكون في الدول النامية إيجابيات لمثل هذا الانفتاح على السوق الخارجية بتخفيف القيود على مرور السلع، حيث أصبحت التنافسية تعمل لصالح المستهلك، بعد أن توسعت خياراته وازدادت حدة التنافس بين الصناعات ومختلف المنتجات الغذائية والدوائية وغيرها، وانتهى «نسبيا» مفهوم الاحتكار في هذه الاقتصادات النامية..
حسنا؛ ما الذي تغير الآن؟!
تم تأمين أسواق عالمية لبعض المنتجات العالمية، وهذا ما يبحث عنه اقتصاد السوق، وتضخمت وتعاظمت الماكنة الدعائية والاعلامية لخدمة السوق، واصبحت السوق هي التي تتحكم فعليا باستقرار المجتمعات لا سيما في الدول النامية، وهذا ليس شأننا، أعني بأنها قضية يعاني منها أكثر من ثلثي العالم، ويتربع العالم الصناعي على قمة هرم التجارة ويتحكم بها ويسوق قناعاته كيفما شاء، وهي قضية عالمية كما أسلفنا، لكن ما الذي تغير في الأردن؟
نحن كغيرنا من الدول التي انخرطت في اتفاقيات التجارة الدولية، وحققنا مقدارا من الاستقرار في اسواقنا وفي أنماط الاستهلاك، واصبح لدينا وضع شبه مستقر، ونحن نتحدث هنا بمعزل عن الأزمات الاقتصادية والسياسية الأخرى، التي لا علاقة للأردن بها، أما عند الحديث عن الأزمات الداخلية وعن التحديات الاقتصادية الكثيرة التي نعاني منها وتتولى الحكومات إدارتها وتخفيف حدتها، فلدينا حديث غريب وعجيب:
الانفتاح على السوق العالمية، أمن للمواطن مستوى ما من الاستقرار، وأصبح بمقدوره ان يتحدث عن جودة البضائع وعن أسعارها التي تناسبه، لكن بعد الأزمات الاقليمية ونتائجها الأكثر سوءا على الأردن، انتفضت الروح الوطنية لدى حكوماتنا وأصبحت تقترب من المواطن لحمايته من تغول السوق ومنتجاته، فإذ بها تتخلى عن اتفاقيات التجارة العالمية، بشكل يخالف تعهداتها، وهذه قصة تبررها الحكومات الاردنية تبريرا منطقيا، فوزارة الزراعة مثلا، تدخلت في الأسواق ومنعت بعض المنتجات النباتية والحيوانية حماية للمزارع ومنتجاته في ظل الاغلاقات الحدودية شبه الدائمة، وعلى الرغم من أن هذا قد يؤثر على خيارات المواطن المستهلك وعلى جودة وسعر السلعة التي اعتاد أن يشتريها من السوق، إلا أننا نجد مبررا وطنيا لهذا الموقف، فالانتاج الزراعي كل مدخلاته تقريبا محلية، ونتج عن مثل هذا المنع الذي قامت به وزارة الزراعة وفرة مالية في سلة العملات الصعبة.
لكن ماذا عن الصناعة والتجارة وقرارها الأخير الذي تبرره الحكومة بأنه جاء لأنها «شغلة مش موفية معنا»، فالميزان التجاري يميل بشدة لصالح تركيا، ويأتي على حساب صناعتنا الوطنية، الكلام ظاهره جميل ووطني لكن ما يقال عن الزراعة لا يقال عن الصناعة أبدا، فكل مدخلات الانتاج الصناعي المحلي «تقريبا» تأتينا من الخارج، علاوة على استخدام كبير لمصادر الطاقة، وهو أمر لا يقارن مع الانتاج الزراعي المحلي، فالثاني كله من أرضنا، بينما الصناعة مختلفة تماما، وحين نقوم بحماية سوقنا واحتكارها لصالح صناعاتنا المحلية فالمستهلك هو من سيشعر بقسوة هذا القرار، لأن خياراته تصبح أقل وجودة السلع متواضعة وأسعارها مرتفعة، فنحن لسنا دولة صناعية وكل المواد الأولية تأتينا من الخارج وتستنزف عملات صعبة، والأيدي العاملة هي كذلك تقريبا، ناهيكم عن التقنية الصناعية فكلها عالمية.
هذا قرار صدر عن وزارة الصناعة والتجارة وقامت على أثره بالغاء اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، وهو قرار غير شعبي بالمطلق، لأنه سينعكس سلبا على المواطن الذي يعاني كثيرا، وحين تقوم الوزارة باتخاذ مثل هذا القرار لدواع وطنية فنحن ندعم كل المساعي الوطنية وتشجيع الاقتصاد الوطني، لكن هذا القرار جاء متسرعا ولم يتوفر بديل مناسب، فإلغاء هذه الاتفاقية يعني إعادة القيود على المستوردات التركية، وبالتالي ارتفاع سعرها بالنسبة للمستهلك، وكان وما زال المطلوب تأمين البديل قبل اتخاذ مثل هذه القرارات المتعلقة بتدفق السلع والتغير في النمط الاستهلاكي المستقر نسبيا في حياة المواطن .
يجب التراجع عن هذه القفزات الحرة أو إيجاد سوق خارجية بديلة فهي لا تأتي بجديد سوى المزيد من الضغط على الناس، «شفتوا وين وصلت معي»؟! وكم تبدلت مواقفنا: أعني كنا ضد اتفاقيات التجارة العالمية وأصبحنا وفي ظل هذه الظروف ندعو للتمسك بها، والسبب نفسه في الموقفين وهو حماية ودعم المواطن المستهلك الضعيف وعدم تركه وحيدا في سوق متوحشة او رهنا لاحتكار سوق رديئة وباهظة الكلفة

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش