الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الترقيع ..

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الأحد 18 آذار / مارس 2018.
عدد المقالات: 1899

والشوارع الجديدة هي بدورها يتم ترقيعها، ليس لتجميلها إنما لدرء عيوب مقاولين ومقاولات، وطمس ثغرات تكشف عن سرقات..وأيضا هم يرقعونها رغم حداثتها لدواعي التمديد والتوصيل لأنابيب «الصرف الصحي» وغيرها..الترقيع هنا يعبر عن تجميل بشاعة ودفن رداءة صناعة وطمس زيف بضاعة..
لكن هناك الرقع الجميلة؛ تلك التي كانت أمهاتنا يرتقن بها فتوقا و»خزوقا» في ملابسنا البالية «كنا نضحك كثيرا عليها قبل رتقها ونسميها «شبابيك تهوية»، تلك الرقع واحدة من رواياتنا الجميلة رغم البؤس، ففيها مضامين الاعتماد على الذات مثلا، وفيها عفة وكرامة، وفيها كل الرضا، ولا مكان للمظاهر فيها ولا للاستعراض و»شوفة الحال» على الآخرين، وفيها ارتياح كبير يجب أن يعرفه المصممون في دور الأزياء العالمية، ولا أريد أن أذكر اسم أي منها هنا، فلست مستعدا لتقديم دعاية مجانية لأحد..لكنني أقدم كل ما يمكنني ليعرف الناس قيمة التحف التي كانت تصنعها الأمهات في الليالي الحالكات، من أجل «اللوك» الخاص بأبنائهن الأُباة «جمع أبيّ» والمصدر هو الإباء..والإباء هذا؛ شيء كان كالشمس أعني كان موجودا بكثافة في مجتمعنا القديم، حيث لا سقوف ولا بيوت سوى بيوت الشعر ونسمات تأتيك طرية من حلق الوادي السحيق.
الترقيع لم يعد مقتصرا على إصلاح بعض الملابس لأطفال عائلات في مجتمعات فقيرة، بل هناك علم يعتمد على الترقيع، كالترقيع في الطب، لا سيما طب التجميل، فتجد مثلا شخصا يتمتع بوجه غير طبيعي، أو تجد شخصا آخر تغيرت صلعته وأصبحت مكسوة بشعر، يخدعك مظهره اول مرة تراه، لكنك تصبح تميزه بسرعة لو رأيته في أي شخص جديد، وهناك من تتغير «شدوقها» وأجزاء أخرى من جسدها.. كلهم يرقعون من أجل مزيد من جمال مصطنع، بينما هناك ترقيع في الطب الجراحي، يأتي من أجل مصلحة مريض تهتك عظمه في حادث سير مثلا، فزرعوا له عظما طبيعيا انتزعوه من فخذه ليضعوه في ساعده أو كاحله او في الجمجمة..كله ترقيع مطلوب في الحياة الحديثة، وهو بلا شك يعبر عن تطور في العلم وفي فنون توفير الراحة للناس.
وثمة ترقيع ثقافي؛ كان بالأمس مكروها منبوذا، يعبر عن حالة متجذرة من الكذب وملاحقة الأضواء واللمعان من قبل السطحيين وحشرات «الفراش»، لكنه اليوم يعتبر «كل الثقافة»، لا سيما حين نتحدث عن العولمة، فالجميع تقريبا يعرفون المصطلحات ولا شيء بعدها، وإن بحثت عن الذي بعدها أو قبلها لن تجده سوى لدى المختصين الحقيقيين.
الترقيع السياسي هو أخطر الأنواع، وعلى الرغم من أنه هو السياسة بعينها بالنسبة لكل الدول، إلا أنه يكون مؤلما خاسرا مفجعا «فظيعا» وفضيحة في بلدان العالم الثالث، لا سيما الأكثر فقرا وأزمات والأقل مواردا وثروات، وهو في الأردن منهج سياسي ثابت لكثير من حكوماتنا السابقة، وأصبح هو كل السياسة بالنسبة لبعض السياسيين والنخب والمسؤولين.. كلهم «يرقعون» المواقف لا لتجميلها فقط، إنما لأنهم لا يجيدون سوى الترقيع، واقتنعوا بأنه هو السياسة المطلوبة حتى رغم عدم حاجتنا لها ..حيث يكون الوضع عاديا أو مقبولا لكن تتفتق عقليات مسؤولين ومستشاريهم عن افكار ترقيعية.
وفي المعارضة ترقيع أكثر خطرا، لا سيما حين يتولى أمره او ينفذ عطاءه سياسيون باحثون عن ادوار، ويعتقدون بأنهم تم تهميشهم أو طال بهم الانتظار على «دكّة البدلاء»، ويمكننا أن نبدأ منذ اليوم بتسجيل مثل هذه المواقف الترقيعية، لنكتشف بأنها أحداث وسلوكات شبه يومية في بلدنا، يلجأ إليها باحثون عن العودة الى الضوء او الى مواقع المسؤولية ..فيتقمصون أدوارا معارضة «وطنية»، علما أنهم كانوا بالأمس القريب  في موقع المسؤولية للمرة الثالثة أو ربما العاشرة، فاعتبروا أنفسهم عنصرا رئيسيا في السياسة ولا يحق لأحد أن يتولى مكانهم حتى بعد موتهم.
لماذا لا يأتي مسؤول ويستمر في البناء على ما قام به سلفه؟ ..لماذا لا تشكر أية حكومة جديدة ما قامت به حكومات سابقة ؟ ولماذا يعود بعضهم الى مواقع المسؤولية ويصر على أن يعزف أناشيد وطنية على آلته القديمة، ويرغم كل السامعين على تصنّع الطرب لمعزوفته ولسياسته «النشاز»..
المقالة غارقة في التعميمات؛ لأن فيها أيضا «ترقيع»، وهو ترقيع «لازم»، خشية أن تسقط من «الكيبورد» بعض الأسماء الرديئة في وقعها على الأذن وعلى النفس وعلى البلاد والعباد..
تجاوزنا ذكرها من أجل «اللوك» فقط، ولن نتحدث عن الروائح الكريهة المنبعثة من بعض السياسات والمعارضات والمقاربات، فالزمن هو زمن الترقيع ومن الطبيعي أن نشعر بكل هذه السخافة والسطحية تطفو بل تتعمق في في تفاصيلنا.
يسعد أيام «ابو رقعة».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش