الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هذيان

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:00 صباحاً
في الانتظار
الساعة، التي تتراخى على حائط المدخل العريض للمجمع التجاري، وهي تحصي الثواني، تبثّ الضيق في الهواء، وتنتظر.
هل مكثتُ في جلوسي على يمين المدخل أكثر مما يحتمل الوقت، ليهبط كل هذا الشبه المحيّر، على وجوه الناس، دون أي اعتبار لأحد؟
في البدء، رحتُ أصوّب نحو المرآب والناس، تحت سيل اللافتة المضاءة..
لا أعرف كم مضى من الوقت، لكني أذكر بأن اللافتة تلك بدت لي مستفزّة، وهي تفيض بأضوائها على جبين البوابة الضخمة، حتى سقط الإسم التجاري عنها ، وتهشّم فوق أسطح المظلاّت المتّسخة، على امتداد السّاحة.
تكسّرت أغلب الحروف أمامي ثم تساقطت ببطء شديد، على زجاج المركبات الصغيرة، لتستقرّ عليه.. قبل أن تغفو عقارب الساعة الحائطية، تدلت في تراخ إلى جانبي فوق المقاعد، أخذتُ أحصي الثواني، وأجمع الشظايا الضوئية لتلك الحروف، لأعيد ترتيبها في الذهن من جديد، وأردّ على تحايا الآخرين بمثلها، كل هذا نيابة عنها، وفي آن معا.
ما لا يقل عن عشرة رجال فقط، مرّوا من أمامي فرادى، وأنا على تلك الحالة، دون تحيّة..!
كلما لاح منهم أحد، عَبْر مرآب المجمع، كنتُ أهبّ للمصافحة، ينهال الشبه قويا، بينهم وبين آخرين، حتى ظننت بأني أعرفهم.
حارس الأمن، كان واحدا منهم، عرفته رغم نظرته المتجاهله، المصوبة نحوي بمهنيّة صارمة، رغم طاقية الزيّ، ونظرة العتاب، وهو ينتزع من بين يديّ ساعة الحائط برفق، ويعيدها إلى مكانها فوق الجدار.
كدتُ أن اعانقه أول الأمر، لكني تريّثت، كان ذلك الوضوح المفاجىء، يشير إلى فرق بسيط بين سلالة الأحلام الكثيفة في الليالي وبينه، وددت فقط لو أفضي له، بمقدار التطابق في الشبه، لكنه لم يلبث أن تلاشى على بُعد امتار قليلة من بوابة المجمع.
ليس كل ما يقع في الانتظار، صدفة.. أحدهم كان قد تجاهلني تماما، وأنا على حالتي تلك، كان زميلي في العمل، وكنّا قد افترقنا منذ زمن بعيد، قرأت عن موته المفاجىء منذ عامين في تونس، ولم أصدّق.
عدوى الضيق التي يبثّها الوقت في الهواء تخطّت ساحة المجمع التجاري، وأصابت كل المدينة بالانتظار. الآن، كل «السّاعات الحائطية» التي تتراخى على جدران البيوت، تدلّت نحو الشوارع، أراها من مكاني، تسدّ الطرقات، وتلعن الشّبه المحيّر بين الوجوه، وتهذي.
أمام «البراويز» المزخرفة
لا لشيء.. أبدا فقط يؤرقني ذلك الاطار اللعين وهو يخنق الصورة بالزخارف، لحوافّهِ - المتداخلة،النافرة، مثل شوك يطوق اللحظة ويشطرها - ألف حساب.
أعلم، سيظل يُعلن عن حرصه، ويدّعي استدارة النوايا المبيّته، وحسنها، حول ثبات لن يكتمل، إلا على يديه، حتى يفسدها في الذهن أو تحلّ اللعنة تماما وتتلف على جدار.
لهذا يؤرقني البرواز، كأشياء كثيرة مزخرفة، ملونة، جميلة، برّاقه، رزينة، نادرة، وثمينة، لكني لا أفهم لماذا..!
أمام بعض الصور القديمة
قليلا من لون مائي قاتم ويهبط الليل فجأة العتمة التي تنتشر مع الوقت وتتسع تشبه حفرة هنا.
لهب إضافي صغير وتحترق الصورة حفنة رمل ناعمة من جيب صديقي، يلقيها.. لندخل موسوعة الربع الخالي من فهرس الأغنيات.
نخلة واحدة فقط ويصبح المكان واحة، ونبع حكايا.. نصف جني هزيل يلزم لنفتح الباب أو نحفر سردابا
ونصبح أسطورة.
في الحنين
الحنين، ذلك الأفيون اللعين.. يجمّل الأمكنة، كلها، حتى العنيدة منها، حتى الشوارع التي شيعتنا بالشتائم قبيل الرحيل، ستغدو في الغياب أجمل. بيني وبين الأزقة العتيقة في مدينتي حبٌ قديم، حبٌ سوي، لا يوازيه في قلبي سوى ذلك النفور الأزلي من كل شارع مسفلت، من كل تعرّج فيه قد يفسد المشي.
الحنين، ببلاهة معتادة، يوازي الآن بين حفيف الأزقة الهاجعة تحت أقدام البيوت، وحُفر الشوارع الموحلة، في الغياب، ويهذي!

* قاص من الأردن مقيم في السعودية
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش